هؤلاء يؤدون الجزية، وأنتم لا تؤدون فقال لهم أبي: افتحوا الباب
وخذوا منا الجزية كما تأخذونها منهم ، فقالوا: لا نفتح ولا كرامة حتى
تموتوا على ظهور دوابكم جياعا، وتموت دوابكم تحتكم فوعظهم أبي
فازدادوا عتوا، فثنى أبي رجله عن سرجه وقال لي: مكانك يا جعفر لا
تبرح، فصعد الجبل المطل على مدينة مدين، وهم ينظرون ما يصنع فلما
صار في أعلاه استقبل بوجهه المدينة، ووضع إصبعيه في أذنيه ونادى:
وإلى مدين أخاهم شعيبا إلى قوله بقيت الله خير لكم إن كنتم
مؤمنين نحن والله بقية الله في أرضه، فأمر الله تعالى ريحا سوداء مظلمة،
فهبت واحتملت صوته فألقته في أسماع الرجال والنساء والصبيان
والإماء، فما بقي أحد من أهل مدين إلا صعد السطح من الفزع، وفيمن
صعد شيخ كبير السن فلما نظر الجبل صرخ بأعلى صوته: اتقوا الله يا
أهل مدين، فإنه قد وقف الموقف الذي وقف فيه شعيب حين دعا على
قومه، فإن لم تفتحوا له الباب نزل بكم العذاب، وقد أعذر من أنذر،
ففتحوا لنا الباب، وأنزلونا وكتب العامل بجميع ذلك إلى هشام،
فارتحلنا من مدين إلى المدينة في اليوم الثاني، وكتب هشام إلى عامله بأن
يأخذوا الشيخ ويدفنوه في حفيرة، ففعلوا وحملوه ، وكتب أيضا إلى
عامله بالمدينة أن يحتالوا في سم أبي بطعام أو شراب ، ومضى هشام ولم
يتهيأ له)".