أقول قال الشيخ المفيد (رحمه الله ) في شرح هذا الكلام عمل أبو جعفر في هذا الباب على أحاديث شواذّ لها وجوه تعرفها العلماء متى صحّت و ثبت أسنادها و لم يقل فيه قولا محصلا و قد كان ينبغي له لما لم يعرف للقضاء معنى أن يهمل الكلام فيه و القضاء معروف في اللغة و عليه شواهد من القرآن فالقضاء على أربعة أضراب أحدها الخلق و الثاني الأمر و الثالث الإعلام و الرابع القضاء بالحكم فأما شاهد الأول فقوله تعالى فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ (2) و أما الثاني فقوله تعالى وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ (3) و أما الثالث فقوله تعالى وَ قَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ (4) و أما الرابع فقوله وَ اللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِ (5) يعني يفصل بالحكم بالحق بين الخلق (6) و قوله وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِ و قد قيل إن للقضاء معنى خامسا و هو الفراغ من الأمر و استشهد على ذلك بقول يوسف ع قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (7) يعني فرغ منه و هذا يرجع إلى معنى الخلق.
و إذا ثبت ما ذكرناه في أوجه القضاء بطل قول المجبرة أن الله تعالى قضى بالمعصية على خلقه لأنه لا يخلو إما أن يكونوا يريدون به أن الله خلق العصيان في خلقه فكان يجب أن يقولوا قضى في خلقه بالعصيان و لا يقولوا قضى عليهم لأن الخلق فيهم لا عليهم مع أن الله تعالى قد أكذب من زعم أنه خلق المعاصي بقوله سبحانه الَّذِي
____________
(1) تقدم الحديث مسندا تحت رقم 1 عن كتاب قرب الإسناد، و أورده الصدوق في(ص)390 من التوحيد بإسناد آخر و هو هكذا: الدقاق، عن محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفيّ، عن موسى بن عمران النخعيّ، عن عمه الحسين بن يزيد النوفليّ، عن عليّ بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرقى أ تدفع من القدر شيئا؟ فقال: هى من القدر، و قال (عليه السلام): إن القدرية مجوس هذه الأمة، و هم الذين أرادوا أن يصفوا اللّه بعدله فأخرجوه من سلطانه، و فيهم نزلت هذه الآية: «يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ»