(1) كل واحد من آحاد الخلق محدود بحدود يتعين بها في وجوده كالطول و العرض و اللون و سائر الأوصاف و الروابط التي يرتبط بغيره بواسطتها ككون الإنسان ابن فلان و أخا فلان و أبا فلان و في زمان كذا و مكان كذا و هكذا. و إذا أمعنت النظر في ذلك وجدت أن جميع أسباب وجود الشيء ذوات دخل في حدود وجوده سائر ما يتعلق بوجوده و انها هي التي يتقدر بها الشيء غير أن كلا من الأسباب أيضا يتقدر بما يتقدمه من المقدرات، و لا محالة تنتهى إليه سبحانه فعنده تعالى حقيقة ما يتقدر به كل شيء و يتحدد به كل أمر.
و الأشياء إنّما ترتبط به تعالى من جهة صفاته الفعلية التي بها ينعم عليها و يقيم صلبها و يدبر أمرها كالرحمة و الرزق و الهداية و الاحياء و الحفظ و الخلق و غيرها و ما يقابلها فلله سبحانه من جهة صفات فعله دخل في كل شيء مخلوق و ما يتعلق به من أثر و فعل إذ لا معنى لاثبات صفة فيه تعالى متعلقة بالاشياء و هي لا تتعلق بها.
و لذلك فانه (عليه السلام) سأل الرجل عن تقدم صفة الرحمة على الاعمال، و لا معنى لتقدمها مع عدم ارتباطها بها و تأثيرها فيها فقد نظم اللّه الوجود بحيث تجرى فيه الرحمة و الهداية و المثوبة و المغفرة و كذا ما يقابلها و لا يوجب ذلك بطلان الاختيار في الافعال فان تحقّق الاختيار نفسه مقدّمة من مقدمات تحقّق الامر المقدر إذ لو لا الاختيار لم يتحقّق طاعة و لا معصية فلم يتحقّق ثواب و لا عقاب و لا امر و لا نهى و لا بعث و لا تبليغ. و من هنا يظهر وجه تمسك الإمام (عليه السلام) بسبق صفة الرحمة على العمل ثمّ بيانه (عليه السلام) أن للّه مشية في كل شيء و أنّها لا تلغو و لا تغلبه مشية العبد فالفعل لا يخطئ مشيته تعالى و لا يوجب ذلك بطلان تأثير مشية العبد فان مشية العبد إحدى مقدمات تحقّق ما تعلقت به مشيته تعالى فان شاء الفعل الذي يوجد بمشية العبد فلا بد لمشية العبد من التحقّق و التأثير فافهم ذلك، و هذه الرواية الشريفة على ارتفاع مكانتها و لطف مضمونها يتضح به جميع ما ورد في الباب من مختلف الروايات، و كذا الآيات المختلفة من غير حاجة الى أخذ بعض و تأويل بعض آخر. ط.