تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الخامس 5 · صفحة 157 من 399
صفحة
[صفحة 129]
و يجري هذا مجرى قوله تعالى وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (1) و معلوم أن معنى قوله ليس لها في هذه الآية هو ما ذكرناه و إن كان الأشبه في الآية التي فيها ذكر الموت أن يكون المراد بالإذن العلم.
و منها أن يكون الإذن هو التوفيق و التيسير و التسهيل و لا شبهة في أن الله تعالى يوفق لفعل الإيمان و يلطف فيه و يسهل السبيل إليه.
و منها أن يكون الإذن العلم من قولهم أنت أذنت لكذا و كذا إذا سمعته و علمته و أذنت فلانا بكذا و كذا إذا أعلمته فتكون فائدة الآية الإخبار عن علمه تعالى بسائر الكائنات و أنه مما لا تخفى عليه الخفيات و قد أنكر بعض من لا بصيرة له أن يكون الإذن بكسر الألف و تسكين الذال عبارة عن العلم و زعم أن الذي هو العلم الأذن بالتحريك و استشهد بقول الشاعر إن همي في سماع و أذن و ليس الأمر على ما توهمه هذا المتوهم لأن الإذن هو المصدر و الأذن هو اسم الفعل و يجري مجرى الحذر في أنه مصدر و الحذر بالتسكين الاسم على أنه لو لم يكن مسموعا إلا الأذن بالتحريك لجاز التسكين مثل مثل و مثل و شبه و شبه و نظائر ذلك كثيرة.
و منها أن يكون الإذن العلم و معناه إعلام الله المكلفين بفضل الإيمان و ما يدعو إلى فعله فيكون معنى الآية و ما كان لنفس أن تؤمن إلا بإعلام الله تعالى لها ما يبعثها على الإيمان و يدعوها إلى فعله فأما ظن السائل دخول الإرادة في محتمل اللفظ فباطل لأن الإذن لا يحتمل الإرادة في اللغة و لو احتملها أيضا لم يجب ما توهمه لأنه إذا قال إن الإيمان لم يقع إلا و أنا مريد له لم ينف أن يكون مريدا لما لم يقع و ليس في صريح الكلام و لا في دلالته شيء من ذلك. (2)
____________
(1) آل عمران: 145.
(2) قال الشيخ (قدس سره) في التبيان و معنى قوله: «و ما كان لنفس أن تؤمن إلّا باذن اللّه» أنه لا يمكن لاحد أن يؤمن إلّا باطلاق اللّه له في الايمان و تمكينه منه و دعاؤه إليه بما خلق فيه من العقل الموجب لذلك. و قال الحسن و أبو عليّ الجبّائيّ: إذنه هاهنا: أمره، و حقيقة إطلاقه في الفعل بالامر و قد يكون الاذن بالإطلاق في الفعل برفع التبعية. و قيل: معناه: و ما كان لنفس أن تؤمن إلّا بعلم اللّه، و أصل الاذن: الإطلاق في الفعل، فأما الاقدار على الفعل فلا يسمى إذنا فيه، لان النهى ينافى الإطلاق. انتهى.