تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الخامس 5 · صفحة 268 من 512
صفحة
و الثالث أنه أراد تعجيل بعض العقاب مما كان من التمرد في الأجرام لأن عذاب الدنيا مختص ببعض الذنوب دون بعض و عذاب الآخرة يعم.
قوله تعالى وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً قال الزمخشري الأكنة على القلوب و الوقر في الآذان مثل في نبو قلوبهم و مسامعهم عن قبوله و اعتقاد صحته و وجه إسناد الفعل إلى ذاته و هو قوله وَ جَعَلْنا للدلالة على أنه أمر ثابت فيهم لا يزول عنهم كأنهم مجبولون عليه أو هي حكاية لما كانوا ينطقون به من قولهم وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ و قال الطبرسي (رحمه الله ) قال القاضي أبو عاصم العامري أصح الأقوال فيه
- ما روي أن النبي(ص)كان يصلي بالليل و يقرأ القرآن في الصلاة جهرا رجاء أن يستمع إلى قراءته إنسان فيتدبر معانيه و يؤمن به فكان المشركون إذا سمعوه آذوه و منعوه عن الجهر بالقراءة.
و كان الله تعالى يلقي عليهم النوم أو يجعل
____________
(1) الذاريات: 13.
(2) الذاريات: 14.
(3) البروج: 10.
(4) التغابن: 15.
(5) التوبة: 126.
[صفحة 176]
في قلوبهم أكنة ليقطعهم عن مرادهم و ذلك بعد ما بلغهم ما تقوم به الحجة و تنقطع به المعذرة و بعد ما علم الله تعالى أنهم لا ينتفعون بسماعه و لا يؤمنون به فشبه إلقاء النوم عليهم بجعل الغطاء على قلوبهم و بوقر آذانهم لأن ذلك كان يمنعهم من التدبر كالوقر و الغطاء و هذا معنى قوله تعالى وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً و يحتمل ذلك وجها آخر و هو أنه تعالى يعاقب هؤلاء الكفار الذين علم أنهم لا يؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم تكون موانع من أن يفقهوا ما يستمعونه و يحتمل أيضا أن يكون سمى الكفر الذي في قلوبهم كنا تشبيها و مجازا و إعراضهم عن القرآن وقرا توسعا لأن مع الكفر و الإعراض لا يحصل الإيمان و الفهم كما لا يحصلان مع الكن و الوقر و نسب ذلك إلى نفسه لأنه الذي شبه أحدهما بالآخر كما يقول أحدنا لغيره إذا أثنى على إنسان و ذكر مناقبه جعلته فاضلا و بالضد إذا ذكر مقابحه و فسقه يقول جعلته فاسقا (1) و قال الزمخشري في قوله تعالى وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى أي بأن يأتيهم بآية ملجئة و لكنه لا يفعل لخروجه عن الحكمة.