بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء السادس والخمسون 56 · صفحة 254 من 479

صفحة
[صفحة 214]

الطبيعية بتدبر جيوشها الجسدية و أمورها البدنية تكون مثالها فيما تناله بحسب ذلك الشأن و تلك الدرجة تحول الملك لها على صورة مادية متمثلة في شبح بشرى ينطبق بكلمات إلهية مسموعة منظومة كما قال عز من قال‏ فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (1) و أعنى بذلك ارتسام الصورة في لوح الانطباع لا من سبيل الظاهر و الأخذ عن مادة خارجية بل بالانحدار إليه من الباطن و الحصول عن صقع الإفاضة فإذن في السماع و الإبصار المشهوريين يرتفع المسموع و المبصر من المواد الخارجية إلى لوح الانطباع ثم منه إلى الخيال و المتخيلة ثم يصعد الأمر إلى النفس العاقلة و في إبصار الملك و سماع الوحي و هما الإبصار و السماع الصريحان ينعكس الشأن فينزل الفيض إلى النفس من عالم الأمر فهي تطالع شيئا من الملكوت مجردة غير مستصحبة لقوة خيالية أو وهمية أو غيرهما ثم يفيض عن النفس إلى القوة الخيالية فتخيله مفصلا منضما بعبارة منظومة مسموعة فتمثل لها الصورة في الخيال من صقع الرحمة و عالم الإفاضة ثم تنحدر الصورة المتمثلة و العبارة المنتظمة من الخيال و المتخيلة إلى لوح الانطباع و هو الحس المشترك فتسمع الكلام و تبصر الصورة فهذا أفضل ضروب الوحي و الإيحاء. و يقال إنه مخاطبة العقل الفعال للنفس بألفاظ مسموعة مفصلة و له أنحاء مختلفة و مراتب متفاصلة بحسب درجات للنفس متفاوتة و قد يكون في بعض درجاته لا يتخصص المسموع و المبصر بجهة من جهات العالم بخصوصها بل الأمر يعم الجهات بأسرها في حالة واحدة و


فِي الْحَدِيثِ‏ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ قَالَ أَحْيَاناً يَأْتِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَ هُوَ أَشَدُّ عَلَيَّ فَيَفْصِمُ عَنِّي وَ قَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ وَ أَحْيَاناً يُمَثَّلُ إِلَيَّ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ.


و ربما تكون النفس المتنورة صقالتها في بعض الأحايين أتم و سلطانها على قهر الصوارف الجسدانية و الشواغل الهيولانية أعظم فيكون عند الانصراف عن عالم‏


____________


(1) مريم: 17.

التالي ص 254/479 — الأصلية 214 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...