تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار السابع والخمسون 57 · صفحة 201 من 490
صفحة
[صفحة 168]
و أقول التخصيص بعد التعميم أيضا شائع كعطف جبرئيل على الملائكة كما ذكره البيضاوي و ما ذكره من عدم جواز استعمال المشترك في معنييه على تقدير تسليمه لا حاجة في التعميم على حمله على ذلك بل يمكن حمله على معنى الانقياد و التواضع و هو يشمل الانقياد لإرادته و تأثيره طبعا و الانقياد لتكليفه و أمره طوعا كما حمل عليه البيضاوي و قال بعضهم هذه الآية تدل على أن العالم كله في مقام الشهود و العبادة إلا كل مخلوق له قوة التفكر و ليس إلا النفوس الناطقة الإنسانية و الحيوانية خاصة من حيث أعيان أنفسهم لا من حيث هياكلهم فإن هياكلهم كسائر العالم في التسبيح له و السجود فأعضاء البدن كلها مسبحة ناطقة أ لا تراها تشهد على النفوس المسخرة لها يوم القيامة من الجلود و الأيدي و الأرجل و الألسنة و السمع و البصر و جميع القوى فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ انتهى.
و أقول و الأرواح و النفوس أيضا لها جهتان فمن جهة مسخرة منقادة لربها في جميع ما أراد منها و من جهة أخرى عاصية مخالفة لربها بل من هذه الجهة أيضا مسخرة ساجدة خاضعة لإرادة ربها حيث أقدرها على ما أرادت و دالة على وجود صانعها الذي جعلها مختارة مريدة قادرة على الإتيان بما أرادت فهي من هذه الجهة أيضا مسبحة لربها ذاكرة لها دالة عليها منادية بلسان حالها من جهة إمكانها و حدوثها و افتقارها بأن لي ربا جعلني مريدا مختارا لحكمته و كماله و عنايته الأزلية كما قال بعض العارفين بالفارسية عين إنكار منكر إقرار است و الكلام في هذا المقام دقيق لا يمكن إجراء أكثر من ذلك منه على الأقلام و يصعب دركها على الأفهام و قد أومأت إلى شيء منه في شرح كتاب توحيد الكافي في توضيح أخبار إرادة الله تعالى و بيان معانيها.
قوله سبحانه تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ قال النيسابوري قالت العقلاء تسبيح الحي المكلف يكون تارة باللسان بأن يقول سبحان الله و أخرى بدلالة أحواله على وجود الصانع الحكيم و تسبيح غيره لا يكون إلا من القبيل الثاني و قد تقرر في الأصول أن اللفظ المشترك لا يحمل على معنييه معا في حالة واحدة فتعين التسبيح