تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء السادس 6 · صفحة 159 من 397
صفحة
[صفحة 133]
قوله ماتُوا وَ هُمْ كافِرُونَ فظاهره يقتضي أنه أراد كفرهم من حيث أراد أن تزهق أنفسهم في حال كفرهم لأن القائل إذا قال أريد أن يلقاني فلان و هو لابس أو على صفة كذا و كذا فالظاهر أنه أراد كونه على هذه الصفة.
قلنا أما التعذيب بالأموال و الأولاد ففيه وجوه.
أحدها ما روي عن ابن عباس و قتادة و هو أن يكون في الكلام تقديم و تأخير و يكون التقدير فلا تعجبك يا محمد و لا تعجب المؤمنين معك أموال هؤلاء الكفار و المنافقين و أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة عقوبة لهم علي منعهم حقوقها و استشهد على ذلك بقوله تعالى اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ (1) فالمعنى فألقه إليهم فانظر ما ذا يرجعون ثم تول عنهم.
و ثانيها أن يكون المعنى ما جعله للمؤمنين من قتالهم و غنيمة أموالهم و سبي أولادهم و استرقاقهم و في ذلك لا محالة إيلام لهم و استخفاف بهم. (2)
و ثالثها أن يكون المراد بتعذيبهم بذلك كل ما يدخله في الدنيا عليهم من الغموم و المصائب بأموالهم و أولادهم التي هي لهؤلاء الكفار و المنافقين عقاب و جزاء و للمؤمنين محنة و جالبة للنفع و العوض و يجوز أيضا أن يراد به ما ينذر به الكافر قبل موته و عند
____________
(1) النمل: 28.
(2) قال بعد ذلك: و انما أراد اللّه تعالى بذلك إعلام نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) و المؤمنين أنه لم يرزق الكفّار الأموال و الاولاد و لم يبقها في أيديهم كرامة لهم و رضى عنهم، بل للمصلحة الداعية إلى ذلك، و أنهم مع هذه الحالة معذبون بهذه النعم من الوجه الذي ذكرناه، فلا يجب أن يغبطوا بها و يحسدوا عليها، اذ كانت هذه عاجلتهم، و العقاب الاليم آجلتهم، و هذا جواب أبى على الجبّائيّ و قد طعن عليه بعض من لا تأمل له فقال: كيف يصحّ هذا التأويل مع أنا نجد كثيرا من الكفّار لا تنالهم أيدى المسلمين، و لا يقدرون على غنيمة أموالهم، و نجد أهل الكتاب أيضا خارجين عن هذه الجملة، لمكان الذمّة و العهد؟ و ليس هذا الاعتراض بشيء، لانه لا يمتنع أن تختص الآية بالكفار الذين لا ذمة لهم و لا عهد ممن أوجب اللّه تعالى محاربته، فاما الذين هم بحيث لا تنالهم الأيدي، أو هم من القوّة على حدّ لا يتم معه غنيمة أموالهم فلا يقدح الاعتراض بهم في هذا الجواب، لانهم ممن أراد اللّه أن يسبى و يغنم و يجاهد و يغلب، و ان لم يقع ذلك، و ليس في ارتفاعه بالتعذر دلالة على أنه غير مراد. انتهى ج 2(ص)153.