تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء السادس 6 · صفحة 242 من 397
صفحة
[صفحة 206]
و قال السيد المرتضى رضي الله عنه في الغرر و الدرر فيه وجوه.
أولها أن يريد بذلك أنه تعالى يحول بين المرء و بين الانتفاع بقلبه بالموت و هذا حث منه عز و جل على الطاعات و المبادرة لها قبل الفوت.
و ثانيها أنه يحول بين المرء و قلبه بإزالة عقله و إبطال تميزه و إن كان حيا و قد يقال لمن فقد عقله و سلب تمييزه إنه بغير قلب قال تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ (1) و ثالثها أن يكون المعنى المبالغة في الإخبار عن قربه من عباده و علمه بما يبطنون و يخفون و أن الضمائر المكنونة له ظاهرة و الخفايا المستورة لعلمه بادية و يجري ذلك مجرى قوله تعالى وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (2) و نحن نعلم أنه تعالى لم يرد قرب المسافة بل المعنى الذي ذكرناه و إذا كان جل و عز هو أعلم بما في قلوبنا منا و كان ما نعلمه أيضا يجوز أن ننساه و نسهو عنه و نضل عن علمه و كل ذلك لا يجوز عليه جاز أن يقول إنه يحول بيننا و بين قلوبنا لأنه معلوم في الشاهد أن كل شيء يحول بين شيئين فهو أقرب إليهما (3) و العرب تضع كثيرا لفظة القرب على غير معنى المسافة فيقول فلان أقرب إلى قلبي من فلان.
و رابعها ما أجاب به بعضهم من أن المؤمنين كانوا يفكرون في كثرة عدوهم و قلة عددهم فيدخل قلوبهم الخوف فأعلمهم تعالى أنه يحول بين المرء و قلبه بأن يبدله بالخوف الأمن و يبدل عدوهم بظنهم أنهم قادرون عليهم الجبن و الخور. (4)
و يمكن في الآية وجه خامس و هو أن يكون المراد أنه تعالى يحول بين المرء و بين ما يدعوه إليه قلبه من قبائح بالأمر و النهي و الوعد و الوعيد انتهى.
أقول يمكن أن تكون الحيلولة بالهدايات و الألطاف الخاصة زائدا على
____________
(1) ق: 37.
(2) ق: 16.
(3) في المصدر بعد ذلك: و لما أراد اللّه تعالى المبالغة في وصف القرب خاطبنا بما نعرف و نألف؛ و إن كان القرب الذي عناه جلت عظمته لم يرد به المسافة اه.