تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الحادي والستون 61 · صفحة 259 من 368
صفحة
[صفحة 230]
و الثالث أن النحل يحصل بينها واحد كالرئيس للبقية و ذلك الواحد يكون أعظم جثة من الباقي و يكون نافذ الحكم على تلك البقية و هم يخدمونه و يحملونه عند تعبه و ذلك أيضا من الأعاجيب.
و الرابع أنها إذا ذهبت عن وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطبول و آلات الموسيقى و بواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى وكرها و هذه أيضا حالة عجيبة فلما امتاز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء و الكياسة ليس إلا على سبيل الإلهام و هو حالة شبيهة بالوحي لا جرم قال تعالى في حقها وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ و اعلم أن الوحي قد ورد في حق الأنبياء كقوله تعالى وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً (1) و في الأولياء أيضا قال تعالى وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ (2) و بمعنى الإلهام في حق البشر وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى (3) و في حق سائر الحيوان خاص و قال الزجاج يجوز أن يقال سمي هذا الحيوان نحلا لأن الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها و قال غيره النحل يذكر و يؤنث و هي مؤنثة في لغة الحجاز و لذلك أنثها الله و كذلك كل جمع ليس بينه و بين الواحدة إلا الهاء أَنِ اتَّخِذِي أن مفسرة لأن في الإيحاء معنى القول وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ أي يبنون و يسقفون و قرئ بضم الراء و كسرها.
و اعلم أن النحل نوعان أحدهما ما يسكن في الجبال و الغياض و لا يتعهدها أحد من الناس و النوع الثاني التي يسكن بيوت الناس و يكون في تعهدات الناس فالأول هو المراد بقوله أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ و الثاني هو المراد بقوله وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ و إنما قال مِنَ الْجِبالِ و مِنَ الشَّجَرِ لئلا تبني بيوتها في كل جبل و شجر بل في مساكن يوافق مصالحها و يليق بها و اختلفوا في