تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الثاني والستون 62 · صفحة 103 من 353
صفحة
[صفحة 96]
تفسير الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً يدل على جواز الانتفاع بالأرض على أي وجه كان من السكنى و الزراعة و العمارة و حفر الأنهار و إجراء القنوات و غيرها من وجوه الانتفاعات إلا ما أخرجه الدليل.
و قوله رِزْقاً لَكُمْ (1) يدل على حلية جميع الثمرات و بيعها و سائر الانتفاعات و لكم صفة رزقا إن أريد به المرزوق و مفعول له إن أريد به المصدر كأنه قال رزقه إياكم و يدل تتمة الآية على وجوب شكر المنعم هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً امتن سبحانه على عباده بخلق جميع ما في الأرض لهم و هذا يدل على صحة انتفاعهم بكل ما فيها من وجوه المصالحة إذا خلا عن المفسدة و منه يستدل على أن الأصل في الأشياء الإباحة إذ هي مباحة لمن خلقت له و قيل الامتنان بخلق الجميع يقتضي حل الجميع و أن لكل شيء منها فائدة و نفعا و ما يقال من أن ما لا نفع به كالسم و العقرب و بعض الحشرات خارج عن ذلك ففيه نظر و أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود و وجود ضرر في شيء لا يدل على انتفاء النفع فيه أ لا ترى أن المأكولات الطيبة تضر المريض غاية المضرة و من تأمل في حكمته تعالى لم يتجاسر بمثل هذا المقال فلعل المراد أن ليس في الخلق ما هو ضرر محض خال عن النفع بل إنما فيه من جهة ضررا و جهة خلا من ذلك الوجه من المنفعة لا يقع به امتنان من تلك الجهة بل الامتنان من جهة النفع مع الخلو عن الضرر و الطيب في بعض الآيات إشارة إلى ذلك كما فسره الطبرسي أن المراد الطاهر من كل شبهة خبث و ضرر و الله أعلم انتهى.
و قال البيضاوي معنى لَكُمْ لأجلكم و انتفاعكم في دنياكم باستنفاعكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو غير وسط أو دينكم بالاستدلال و الاعتبار و التعرف بما يلائمها من لذات الآخرة و آلامها فهو يقتضي إباحة الأشياء النافعة و لا يمنع اختصاص بعضها ببعض لأسباب عارضة فإنه يدل على أن الكل للكل لا أن كل
____________
(1) قوله: «جعل لكم» و «رزقا لكم» و أمثالهما تدلّ على أن ما في الأرض يعم كل فرد من الإنسان و انهم مشتركون فيه بالسوية على الأصل، إلا ما اخرج بالدليل.