بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الرابع والستون 64 · صفحة 161 من 424

صفحة
[صفحة 140]

يحدث في الأرض و يزول عند غيبة الشمس فلو كانت الشمس دائمة الإشراق لا غروب لها لكنا نظن أن لا هيئة في الأجسام إلا ألوانها و هي السواد و البياض و غيرها فإنا لا نشاهد في الأسود إلا السواد و في الأبيض إلا البياض و أما الضوء فلا ندركه وحده لكن لما غابت الشمس و أظلمت المواضع أدركنا تفرقة بين الحالتين فعلمنا أن الأجسام كانت قد استضاءت بضوء و اتصفت بصفة فارقتها عند الغروب فعرفنا وجود النور بعدمه و ما كنا نطلع عليه لو لا عدمه إلا بعسر شديد و ذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في الظلام و النور.


هذا مع أن النور أظهر المحسوسات إذ به يدرك سائر المحسوسات فما هو ظاهر في نفسه و هو مظهر لغيره انظر كيف تصور استبهام أمره بسبب ظهوره لو لا طريان ضده فإذن الرب تعالى هو أظهر الأمور و به ظهرت الأشياء كلها و لو كان له عدم أو غيبة أو تغير لانهدمت السماوات و الأرض و بطل الملك و الملكوت و لأدركت التفرقة بين الحالتين و لو كان بعض الأشياء موجودا به و بعضها موجودا بغيره لأدركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة و لكن دلالته عامة في الأشياء على نسق واحد و وجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه فلا جرم أورث شدة الظهور خفاء فهذا هو السبب في قصور الأفهام.


و أما من قويت بصيرته و لم يضعف منته فإنه في حال اعتدال أمره لا يرى إلا الله و أفعاله و أفعاله أثر من آثار قدرته فهي تابعة فلا وجود لها بالحقيقة و إنما الوجود للواحد الحق الذي به وجود الأفعال كلها و من هذا حاله فلا ينظر في شي‏ء من الأفعال إلا و يرى فيه الفاعل و يذهل عن الفعل من حيث إنه سماء و أرض و حيوان و شجر بل ينظر فيه من حيث إنه صنع فلا يكون نظره مجاوزا له إلى غيره كمن نظر في شعر إنسان أو خطه أو تصنيفه و رأى فيه الشاعر و المصنف و رأى آثاره من حيث هي آثاره لا من حيث إنه حبر و عفص و زاج مرقوم على بياض فلا يكون قد نظر إلى غير المصنف.


التالي ص 161/424 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...