قال الصدوق (رحمه الله ) في التوحيد إن المشبهة تتعلق بقوله عز و جل إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ و لا حجة لها في ذلك لأنه عز و جل عنى بقوله اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أي ثم نقل العرش إلى فوق السماوات و هو مستول عليه و مالك له فقوله عز و جل ثُمَ إنما هو لدفع العرش إلى مكانه الذي هو فيه و نقله للاستواء و لا يجوز أن يكون معنى قوله استوى استولى لأن الاستيلاء لله تعالى (1) على الملك و على الأشياء ليس هو بأمر حادث بل كان لم يزل مالكا لكل شيء و مستوليا على كل شيء و إنما ذكر عز و جل الاستواء بعد قوله ثم و هو يعني الرفع مجازا و هو كقوله وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ فذكر نعلم مع قوله حتى و هو عز و جل يعني حتى يجاهد المجاهدون و نحن نعلم ذلك لأن حتى لا يقع إلا على فعل حادث و علم الله عز و جل بالأشياء لا يكون حادثا و كذلك ذكر قوله عز و جل اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ بعد قوله ثُمَ و هو يعني بذلك ثم رفع العرش لاستيلائه عليه و لم يعن بذلك الجلوس و اعتدال البدن لأن الله لا يجوز أن يكون جسما و لا ذا بدن تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا (2).
____________
(1) في نسخة: لان استيلاء اللّه تعالى.
(2) قال السيّد الرضيّ (قدس الله روحه) في كتابه تلخيص البيان بعد قوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ»*: و هذه استعارة، لان حقيقة الاستواء إنّما توصف بها الاجسام التي تعلو و تهبط و تميل و تعتدل و المراد بالاستواء هاهنا الاستيلاء بالقدرة و السلطان، لا بحلول القرار و المكان، كما يقال: استوى فلان الملك على سرير ملكه بمعنى استولى على تدبير الملك، و ملك معقد الامر و النهى، و يحسن صفته بذلك و إن لم يكن له في الحقيقة سرير يقعد عليه، و لا مكان عال يشار إليه، و إنّما المراد نفاذ أمره في مملكته، و استيلاء سلطانه على رعيته.
فان قيل: فاللّه سبحانه مستول على كل شيء بقهره و غلبته و نفاذ أمره و قدرته، فما معنى اختصاص العرش بالذكر هاهنا؟ قيل: كما ثبت أنّه تعالى ربّ لكل شيء، و قد قال في صفة نفسه: «رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ»* و قال: «رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» فان قيل: فما معنى قولنا: عرش اللّه إن لم يرد بذلك كونه عليه؟ قيل: كما يقال: بيت اللّه و ان لم يرد كونه فيه، و العرش تطوف به الملائكة تعبدا، كما أن البيت في الأرض تطوف به الخلائق تعبدا.