بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثالث 3 · صفحة 253 من 545

صفحة
[صفحة 3]
فَإِنْ قَالُوا فَأَنْتُمُ الْآنَ تَصِفُونَ مِنْ قُصُورِ الْعِلْمِ عَنْهُ وَصْفاً حَتَّى كَأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ قِيلَ لَهُمْ هُوَ كَذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ إِذَا رَامَ الْعَقْلُ مَعْرِفَةَ كُنْهِهِ وَ الْإِحَاطَةَ بِهِ وَ هُوَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَقْرَبُ مِنْ كُلِّ قَرِيبٍ إِذَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالدَّلَائِلِ الشَّافِيَةِ فَهُوَ مِنْ جِهَةٍ كَالْوَاضِحِ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ وَ هُوَ مِنْ جِهَةٍ كَالْغَامِضِ لَا يُدْرِكُهُ أَحَدٌ وَ كَذَلِكَ الْعَقْلُ أَيْضاً ظَاهِرٌ بِشَوَاهِدَ وَ مَسْتُورٌ بِذَاتِهِ فَأَمَّا أَصْحَابُ الطَّبَائِعِ فَقَالُوا إِنَّ الطَّبِيعَةَ لَا تَفْعَلُ شَيْئاً لِغَيْرِ مَعْنًى وَ لَا تَتَجَاوَزُ عَمَّا فِيهِ تَمَامُ الشَّيْ‏ءِ فِي طَبِيعَتِهِ وَ زَعَمُوا أَنَّ الْحِكْمَةَ تَشْهَدُ بِذَلِكَ‏ (1) فَقِيلَ لَهُمْ فَمَنْ أَعْطَى الطَّبِيعَةَ هَذِهِ الْحِكْمَةَ وَ الْوُقُوفَ عَلَى حُدُودِ الْأَشْيَاءِ بِلَا مُجَاوَزَةٍ لَهَا وَ هَذَا قَدْ تَعْجِزُ عَنْهُ الْعُقُولُ بَعْدَ طُولِ التَّجَارِبِ فَإِنْ أَوْجَبُوا لِلطَّبِيعَةِ الْحِكْمَةَ وَ الْقُدْرَةَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ فَقَدْ أَقَرُّوا بِمَا أَنْكَرُوا لِأَنَّ هَذِهِ هِيَ صِفَاتُ الْخَالِقِ وَ إِنْ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ هَذَا لِلطَّبِيعَةِ فَهَذَا وَجْهُ الْخَلْقِ يَهْتِفُ بِأَنَّ الْفِعْلَ لخالق [لِلْخَالِقِ الْحَكِيمِ وَ قَدْ كَانَ مِنَ الْقُدَمَاءِ طَائِفَةٌ أَنْكَرُوا الْعَمْدَ وَ التَّدْبِيرَ فِي الْأَشْيَاءِ وَ زَعَمُوا أَنَّ كَوْنَهَا بِالْعَرَضِ وَ الِاتِّفَاقِ وَ كَانَ مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ هَذِهِ الْآفَاتُ الَّتِي تلد [تَكُونُ عَلَى غَيْرِ مَجْرَى الْعُرْفِ وَ الْعَادَةِ كَالْإِنْسَانِ يُولَدُ نَاقِصاً أَوْ زَائِداً إِصْبَعاً أَوْ يَكُونُ الْمَوْلُودُ مُشَوَّهاً (2) مُبَدَّلَ الْخَلْقِ فَجَعَلُوا هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ بِعَمْدٍ وَ تَقْدِيرٍ بَلْ بِالْعَرَضِ كَيْفَ مَا اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ وَ قَدْ كَانَ أَرَسْطَاطَالِيسُ رَدَّ عَلَيْهِمْ فَقَالَ إِنَّ الَّذِي يَكُونُ بِالْعَرَضِ وَ الِاتِّفَاقِ إِنَّمَا هُوَ شَيْ‏ءٌ يَأْتِي فِي الْفَرْطِ مَرَّةً لِأَعْرَاضٍ تَعْرِضُ لِلطَّبِيعَةِ فَتُزِيلُهَا عَنْ سَبِيلِهَا وَ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ الْجَارِيَةِ عَلَى شَكْلٍ وَاحِدٍ جَرْياً دَائِماً مُتَتَابِعاً وَ أَنْتَ يَا مُفَضَّلُ تَرَى أَصْنَافَ الْحَيَوَانِ أَنْ يَجْرِيَ أَكْثَرَ ذَلِكَ عَلَى مِثَالٍ وَ مِنْهَاجٍ وَاحِدٍ كَالْإِنْسَانِ يُولَدُ وَ لَهُ يَدَانِ وَ رِجْلَانِ وَ خَمْسُ أَصَابِعَ كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ النَّاسِ فَأَمَّا مَا يُولَدُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لِعِلَّةٍ تَكُونُ فِي الرَّحِمِ أَوْ فِي الْمَادَّةِ الَّتِي يَنْشَأُ مِنْهَا الْجَنِينُ كَمَا يَعْرِضُ فِي الصِّنَاعَاتِ حِينَ يَتَعَمَّدُ الصَّانِعُ الصَّوَابَ فِي صَنْعَتِهِ فَيَعُوقُ دُونَ ذَلِكَ‏ (3)


____________


(1) و في نسخة: و زعموا أن المحنة تشهد بذلك.

(2) أي مقبحا.

(3) عاقه يعوقه عن كذا: صرفه و ثبطه و أخره عنه. و العائق: كل ما عاقك و شغلك.

التالي ص 253/545 — الأصلية 3 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...