بيان ذكر الرازي في الآية وجوها من التأويل الأول أن القوم إنما قالوا ذلك على الإلزام فإنهم لما سمعوا قوله تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً قالوا لو احتاج إلى القرض لكان فقيرا عاجزا. الثاني أن القوم لما رأوا أصحاب الرسول(ص)في غاية الشدة و الفقر قالوا على سبيل الاستهزاء إن إله محمد فقير مغلول اليد. الثالث قال المفسرون إن اليهود كانوا أكثر الناس مالا و ثروة فلما بعث الله محمدا(ص)و كذبوا به ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالت اليهود يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ أي مقبوضة عن العطاء. الرابع لعله كان فيهم من كان على مذهب الفلسفة و هو أن الله تعالى موجب لذاته و أن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نهج واحد و سنن واحد و أنه تعالى غير قادر على إحداث الحوادث غير الوجوه التي عليها يقع (2) فعبروا عن عدم الاقتدار على التغيير و التبديل بغل اليد. الخامس قال بعضهم المراد هو قول اليهود إن الله لا يعذبنا إلا قدر الأيام التي عبدنا فيها العجل فعبروا عنه بهذه العبارة.
____________
(1) قال السيّد الرضيّ في تلخيص البيان: هذه استعارة و معناها أن اليهود أخرجوا هذا القول مخرج الاستبخال للّه سبحانه فكذبهم تعالى بقوله: «بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ» و ليس المراد بذكر اليدين هاهنا الاثنتين اللتين هما أكثر من الواحدة، و إنّما المراد به المبالغة في وصف النعمة، كما يقول القائل: ليس لي بهذا الامر يدان. و ليس يريد به الجارحتين، و انما يريد به المبالغة في نفى القوّة على ذلك الامر؛ و ربما قيل: ان المراد بذلك نعمة الدنيا و نعمة الآخرة.
(2) هذا من النسب التي يتبرأ منها أهل الفلسفة و انما هي ناشئة من سوء الفهم في المقاصد البرهانية. ط.