(1) و غوصها: استغراقها في بحر المعقولات لتلتقط درر الحقيقة، و هي و إن بعدت في الغوص لا تنال حقيقة الذات الاقدس قال ابن ميثم: إسناد الغوص هاهنا إلى الفطن على سبيل الاستعارة، إذ الحقيقة إسناده الى الحيوان بالنسبة الى الماء، و هو مستلزم لتشبيه المعقولات بالماء، و وجه الاستعارة هاهنا أن صفات الجلال و نعوت الكمال لما كانت في عدم تناهيها و الوقوف على حقائقها و أغوارها تشبه البحر الخضم الذي لا يصل السائح له الى ساحل، و لا ينتهى الغائص فيه الى قرار، و كان السائح لذلك البحر و الخائض في تياره هي الفطن الثاقبة لا جرم كانت الفطنة شبيهة بالغائص في البحر فاسند الغوص إليها، و في معناه الغوص الى الفكر، و يقرب منه اسناد الإدراك الى بعد الهمم، اذ كان الإدراك حقيقة في لحوق الجسم لجسم آخر. و إضافة الغوص الى الفطن و البعد الى الهمم إضافة لمعنى الصفة بلفظ المصدر الى الموصوف، و التقدير: لا تناله الفطن الغائصة، و لا تدركه الهمم البعيدة. و وجه الحسن في هذه الإضافة و تقديم الصفة أن المقصود لما كان هو المبالغة في عدم اصابة ذاته تعالى بالفطنة من حيث هي ذات غوص و بالهمة من حيث هي بعيدة كانت تلك الحيثية مقصودة بالقصد الأول، و البلاغة تقتضى تقديم الأهمّ.