تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الخامس 5 · صفحة 159 من 399
صفحة
[صفحة 131]
و ثانيها أنه أراد أن ذلك لا يكون أبدا من حيث علقه بمشية الله تعالى لما كان معلوما أنه لا يشاؤه و كل أمر علق بما لا يكون فقد نفى كونه على أبعد الوجوه و تجري الآية مجرى قوله تعالى وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ و ثالثها ما ذكره قطرب من أن في الكلام تقديما و تأخيرا و أن الاستثناء من الكفار وقع لا من شعيب فكأنه تعالى قال حاكيا عن الكفار لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا إلا أن يشاء الله أن تعود في ملتنا ثم قال حاكيا عن شعيب وَ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها على كل حال.
و رابعها أن تعود الهاء التي في قوله تعالى فِيها إلى القرية لا إلى الملة لأن ذكر القرية قد تقدم كما تقدم ذكر الملة و يكون تلخيص الكلام أنا سنخرج من قريتكم و لا نعود فيها إلا أن يشاء الله بما ينجزه لنا من الوعد في الإظهار عليكم و الظفر بكم فنعود إليها.
و خامسها أن يكون المعنى إلا أن يشاء الله أن يردكم إلى الحق فنكون جميعا على ملة واحدة غير مختلفة لأنه لما قال تعالى حاكيا عنهم أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا كان معناه أو لتكونن على ملة واحدة غير مختلفة فحسن أن يقول من بعد إلا أن يشاء الله أن يجمعكم معنا على ملة واحدة فإن قيل الاستثناء بالمشية إنما كان بعد قوله و ما يكون لنا أن نعود فيها فكأنه قال ليس نعود فيها إلا أن يشاء الله فكيف يصح هذا الجواب قلنا هو كذلك إلا أنه لما كان معنى أن نعود فيها هو أن تصير ملتنا واحدة غير
____________
الافعال التي كانوا متمسكين بها مع نسخها عنهم و نهيهم عنها و ان كانت ضلالا و كفرا فقد كان يجوز فيما هو مثلها أن يكون ايمانا و هدى، بل فيها أنفسها قد كان يجوز ذلك، و ليس تجرى هذه الافعال مجرى الجهل باللّه تعالى الذي لا يجوز أن يكون إلّا قبيحا، و قد طعن بعضهم على هذا الجواب فقال: كيف يجوز أن يتعبدهم اللّه تعالى بتلك الملّة مع قوله: «قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها»؟ فيقال له: لم ينف عودهم إليها على كل حال، و انما نفى العود إليها مع كونها منسوخة منهيا عنها، و الذي علقه بمشية اللّه تعالى من العود إليها هو بشرط أن يأمر بها و يتعبد بمثلها، و الجواب مستقيم لا خلل فيه انتهى. يوجد ذلك في ج 2(ص)64.