تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الخامس 5 · صفحة 209 من 512
صفحة
أقول: أورد شيخ الطائفة في التبيان وجوها أخر، أولها ما حكى عن ابن زيد أن المعنى: انما يريد اللّه ليعذبهم بحفظها و المصائب فيها مع حرمان المنفعة بها.
ثانيها: أن مفارقتها و تركها و الخروج عنها بالموت صعب عليهم شديد، لانهم يفارقون النعم، لا يدرون الى ما ذا يصيرون بعد الموت، فيكون حينئذ عذابا عليهم، بمعنى أن مفارقتها غم و عذاب؛ و معنى تزهق أنفسهم أي تهلك و تذهب بالموت، يقال: زهق بضاعة فلان أي ذهبت أجمع.
و أورد وجوها أخر متقاربة مع ما ذكره السيّد (رحمه الله ) و قال بعد ذلك: و ليس في الآية ما يدل على ان اللّه تعالى أراد الكفر على ما يقوله المجبرة، لان قوله: «وَ هُمْ كافِرُونَ» في موضع الحال، كقولك: أريد أن نذمه فهو كافر، و أريد أن نضربه و هو عاص، و أنت لا تريد كفره و لا عصيانه، بل تريد ذمه في حال كفره و عصيانه، و تقدير الآية: انما يريد اللّه عذابهم و ازهاق أنفسهم، أي أى اهلاكها في حال كونهم كافرين. «التبيان ج 1(ص)837».
[صفحة 135]
ثم اعلم أن جميع الوجوه التي حكيناها في هذه الآية إلا جواب التقديم و التأخير مبنية على أن الحياة الدنيا ظرف للعذاب و ما يحتاج عندنا إلى جميع ما تكلفوه إذا لم نجعل الحياة ظرفا للعذاب بل جعلناها ظرفا للفعل الواقع بالأموال و الأولاد المتعلق بهما لأنا قد علمنا أولا أن قوله ليعذبهم بها لا بد من الانصراف عن ظاهره لأن الأموال و الأولاد أنفسهما لا تكون عذابا فالمراد على سائر وجوه التأويل الفعل المتعلق بها و المضاف إليها سواء كان إنفاقها أو المصيبة بها و الغم عليها أو إباحة غنيمتها و إخراجها عن أيدي مالكيها و كان تقدير الآية إنما يريد الله ليعذبهم بكذا و كذا مما يتعلق بأموالهم و أولادهم و يتصل بها و إذا صح هذا جاز أن تكون الحياة الدنيا ظرفا لأفعالهم القبيحة في أموالهم و أولادهم التي تغضب الله و تسخطه كإنفاقهم الأموال في وجوه المعاصي و حملهم الأولاد على الكفر فتقدير الكلام إنما يريد الله ليعذبهم بفعلهم في أموالهم و أولادهم الواقع ذلك في الحياة الدنيا و أما قوله تعالى وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ فمعناه تبطل و تخرج أي أنهم يموتون على الكفر ليس يجب إذا كان مريدا لأن تزهق أنفسهم و هم على هذه الحال أن يريد الحال نفسها على ما ظنوه (1) و قد ذكر في ذلك وجه آخر و هو أن لا يكون قوله وَ هُمْ كافِرُونَ حالا لزهوق أنفسهم بل يكون كأنه كلام مستأنف و التقدير فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ مع ذلك كله كافِرُونَ صائرون إلى النار و تكون الفائدة أنهم مع عذاب الدنيا قد اجتمع عليهم عذاب الآخرة و يكون معنى تزهق أنفسهم المشقة الشديدة و الكلفة الصعبة.