تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الخامس 5 · صفحة 224 من 397
صفحة
[صفحة 189]
من بين أيديهم سدا و من خلفهم سدا و إذا قلنا إنه وصف حالهم في الآخرة فالكلام على حقيقته و يكون عبارة عن ضيق المكان في النار بحيث لا يجدون متقدما و لا متأخرا إذ سد عليهم جوانبهم و إذا حملنا على صفة القوم الذين هموا بقتل النبي(ص)فالمراد جعلنا بين أيدي أولئك الكفار منعا و من خلفهم منعا حتى لم يبصروا النبي(ص)و قوله فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ أي أغشيناهم أبصارهم فهم لا يبصرون النبي(ص)و قيل أي فأعميناهم فهم لا يبصرون الهدى و قيل فأغشيناهم بالعذاب فهم لا يبصرون في النار و قيل معناه أنهم لما انصرفوا عن الإيمان و القرآن لزمهم ذلك حتى لا يكادوا يتخلصون منه بوجه كالمغلول و المسدود عليه طرقه.
و قال في قوله تعالى وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ أي عن طريق الجنة فَما لَهُ مِنْ هادٍ أي لا يقدر على هدايته أحد و قيل من ضل عن الله و رحمته فلا هادي له يقال أضللت بعيري إذا ضل و قيل معناه من يضلله عن زيادة الهدى و الألطاف لأن الكافر لا لطف له.
و قال في قوله تعالى أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أي كراهة أن تقول لو أراد الله هدايتي لكنت ممن يتقي معاصيه و قيل إنهم لما لم ينظروا في الأدلة و اشتغلوا بالدنيا توهموا أن الله لم يهدهم فرد الله عليهم بقوله بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي الآية و قال الزمخشري وَ قَيَّضْنا لَهُمْ و قدرنا لهم يعني لمشركي مكة قُرَناءَ أخدانا (1) من الشياطين من جمع قرين كقوله وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (2) فإن قلت كيف جاز أن يقيض لهم القرناء من الشياطين و هو ينهاهم عن اتباع خطواتهم قلت معناه أنه خذلهم و منعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين و الدليل عليه و من يعش نقيض.
ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ ما تقدم من أعمالهم و ما هم عازمون عليها أو ما بين أيديهم
____________
(1) جمع الخدن بكسر الخاء و سكون الدال: الحبيب و الصاحب.