تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الخامس 5 · صفحة 231 من 399
صفحة
[صفحة 194]
هذا مجرى قولهم اللهم لا تسلط علينا من لا يرحمنا معناه لا تخل بيننا و بين من لا يرحمنا فيتسلط علينا فكأنهم قالوا لا تخل بيننا و بين نفوسنا و تمنعنا ألطافك فنزيغ و نضل.
و ثالثها ما ذكره الجبائي و هو أن المعنى لا تزغ قلوبنا عن ثوابك و رحمتك و معنى هذا السؤال أنهم سألوا الله أن يلطف لهم في فعل الإيمان حتى يقيموا عليه و لا يتركوه في مستقبل عمرهم فيستحقوا بترك الإيمان أن تزيغ قلوبهم عن الثواب و أن يفعل بهم بدلا منه العقاب.
و رابعها أن تكون الآية محمولة على الدعاء بأن لا يزيغ القلوب عن اليقين و الإيمان و لا يقتضي ذلك أنه تعالى سئل ما كان لا يحب أن يفعله و ما لو لا المسألة لجاز فعله لأنه غير ممتنع أن ندعوه على سبيل الانقطاع إليه و الافتقار إلى ما عنده بأن يفعل ما نعلم أنه لا بد من أن يفعله و بأن لا يفعل ما نعلم أنه واجب أن لا يفعله إذا تعلق بذلك ضرب من المصلحة كما قال تعالى حاكيا عن إبراهيم وَ لا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (1) و كما قال تعالى في تعليمنا ما ندعو به قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَ رَبُّنَا الرَّحْمنُ (2) و كقوله تعالى رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ (3) و قال رضي الله عنه في قول نوح ع لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ليس في هذه الآية ما يقتضي خلاف مذهبنا لأنه تعالى لم يقل إنه فعل الغواية أو أرادها و إنما أخبر أن نصح النبي(ع)لا ينفع إن كان الله يريد غوايتهم و وقوع الإرادة لذلك أو جواز وقوعها لا دلالة عليهم في الظاهر على أن الغواية هاهنا الخيبة و حرمان الثواب و يشهد بصحة ما ذكرناه في هذه اللفظة قول الشاعر.
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره.* * * و من يغو لا يعدم على الغي لائما.
فكأنه قال إن كان الله يريد أن يخيبكم و يعاقبكم بسوء عملكم و كفركم و يحرمكم ثوابه فليس ينفعكم نصحي ما دمتم مقيمين على ما أنتم عليه إلا أن تقلعوا و تتوبوا