تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الخامس 5 · صفحة 343 من 422
صفحة
[صفحة 268]
لا ينسى ما جرى هذا المجرى و إن بعد العهد و طال الزمان و لهذا لا يجوز أن يتصرف أحدنا في بلد من البلدان و هو عاقل كامل فينسى مع بعد العهد جميع تصرفه المتقدم و سائر أحواله و ليس أيضا لتخلل الموت بين الحالين تأثير لأنه لو كان تخلل الموت يزيل الذكر لكان تخلل النوم و السكر و الجنون و الإغماء بين أحوال العقلاء يزيل ذكرهم لما مضى من أحوالهم لأن سائر ما عددناه مما ينفي العلوم يجري مجرى الموت في هذا الباب و ليس لهم أن يقولوا إذا جاز في العاقل الكامل أن ينسى ما كان عليه في حال الطفولية جاز ما ذكرنا و ذلك أنا إنما أوجبنا ذكر العقلاء لما ادعوه إذا كملت عقولهم من حيث جرى عليهم و هم كاملو العقل و لو كانوا بصفة الأطفال في تلك الحال لم نوجب عليهم ما أوجبناه على أن تجويز النسيان عليهم ينقض الغرض في الآية و ذلك أن الله تعالى أخبر بأنه إنما قررهم و أشهدهم لئلا يدعوا يوم القيامة الغفلة عن ذلك و سقوط الحجة عنهم فيه فإذا جاز نسيانهم له عاد الأمر إلى سقوط الحجة عنهم و زواله.
و إن كانوا على الصفة الثانية من فقد العلم و شرائط التكليف قبح خطابهم و تقريرهم و إشهادهم و صار ذلك عبثا قبيحا يتعالى الله عنه.
فإن قيل قد أبطلتم تأويل مخالفيكم فما تأويلها الصحيح عندكم.
قلنا في الآية وجهان أحدهما أن يكون تعالى إنما عنى بها جماعة من ذرية بني آدم خلقهم و بلغهم و أكمل عقولهم و قررهم على ألسن رسله(ع)بمعرفته و ما يجب من طاعته فأقروا بذلك وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ به لئلا يقولوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أو يعتذروا بشرك آبائهم و إنما أتي من اشتبه عليه تأويل الآية من حيث ظن أن اسم الذرية لا يقع إلا على من لم يكن كاملا عاقلا و ليس الأمر كما ظن لأنا نسمي جميع البشر بأنهم ذرية آدم و إن دخل فيهم العقلاء الكاملون و قد قال الله تعالى رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ و لفظ الصالح لا يطلق إلا على من كان كاملا عاقلا فإن استبعدوا تأويلنا و حملنا الآية على البالغين المكلفين فهذا جوابهم.