تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الخامس 5 · صفحة 389 من 422
صفحة
[صفحة 311]
قوله تعالى أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً استدلال على البعث بأن لذات هذه الدار الفانية لا تليق بأن تكون مقصودة لخلق هذه العالم مع هذه الآلام و المشاق و المصائب المشاهدة فيها فلو لم يكن لاستحقاق دار أخرى باقية خالية عن المحن و الآلام لكان الخلق عبثا و لذا قال بعده وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ قوله تعالى قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ (1) أي ما يصنع بكم أو لا يعتد بكم لو لا دعاؤكم إلى الدين أو لو لا عبادتكم أو لو لا دعاؤكم لله عند الشدائد و هو المروي عن أبي جعفر ع.
قوله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ قيل هي التكليف بالأوامر و النواهي و المعنى أنها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه الأجرام و العظام و كانت ذا شعور و إدراك لأبين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الإنسان مع ضعف بنيته و رخاوة قوته لا جرم فإن الراعي لها بخير الدارين إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً حيث لم يراع حقها جَهُولًا بكنه عاقبتها و قيل المراد الطاعة التي تعم الاختيارية و الطبيعية و عرضها استدعاؤها الذي يعم طلب الفعل من المختار و إرادة صدوره من غيره و بحملها الخيانة فيها و الامتناع عن أدائها و الظلم و الجهالة الخيانة و التقصير و قيل إنه تعالى لما خلق هذه الأجرام خلق فيها فهما و قال لها إني فرضت فريضة و نارا لمن عصاني فقلن نحن مسخرات على ما خلقنا لا نحتمل فريضة و لا نبغي ثوابا و لا عقابا و لما خلق آدم عرض عليه مثل ذلك فحمله و كان ظلوما لنفسه بتحمل ما يشق عليها جهولا بوخامة عاقبته و قيل المراد بالأمانة العقل أو التكليف و بعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن و بإبائهن الإباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة و الاستعداد و بحمل الإنسان قابليته و استعداده لها و كونه ظلوما جهولا لما غلب عليه من القوة
____________
(1) قال الراغب في مفرداته: ما عبأت به أي لم ابال به، و أصله من العبء أي الثقل، كأنّه قال: ما أرى له وزنا و قدرا، قال: «قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي» و قيل: أصله من عبأت الطيب، كانه قيل: ما يبقيكم لَوْ لا دُعاؤُكُمْ.