تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الخامس 5 · صفحة 78 من 399
صفحة
[صفحة 63]
فإن قيل فإذا كان لا ظاهر للآية يشهد بمذهب المخالف فما المراد بها عندكم قلنا قد ذكر أبو علي أن المراد أنهم لا يستطيعون إلى بيان تكذيبه سبيلا لأنهم ضربوا الأمثال ظنا منهم بأن ذلك يبين كذبه فأخبر تعالى أن ذلك غير مستطاع لأن تكذيب صادق و إبطال حق مما لا تتعلق به قدرة و لا تتناوله استطاعة و قد ذكر أبو هاشم أن المراد بالآية أنهم لأجل ضلالهم بضرب المثل و كفرهم لا يستطيعون سبيلا إلى الخير الذي هو النجاة من العقاب و الوصول إلى الثواب و ليس يمكن على هذا أن يقال كيف لا يستطيعون سبيلا إلى الخير و الهدى و هم عندكم قادرون على الإيمان و التوبة و متى فعلوا ذلك استحقوا الثواب لأن المراد أنهم مع التمسك بالضلال و المقام على الكفر لا سبيل لهم إلى خير و هدى و إنما يكون لهم سبيل إلى ذلك بأن يفارقوا ما هم عليه و قد يمكن أيضا في معنى الآية ما تقدم ذكره من أن المراد بنفي الاستطاعة عنهم أنهم مستثقلون للإيمان فقد يخبر عمن يستثقل شيئا بأنه لا يستطيعه على ما تقدم ذكره كذا في كتاب الغرر للسيد (رحمه الله ).
فأما قوله تعالى في قصة موسى ع إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً فظاهره يقتضي أنك لا تستطيع ذلك في المستقبل و لا يدل على أنه غير مستطيع للصبر في الحال أن يفعله في الثاني و قد يجوز أن يخرج في المستقبل من أن يستطيع ما هو في الحال مستطيع له غير أن الآية تقتضي خلاف ذلك لأنه قد صبر عن المسألة أوقاتا و إن لم يصبر عنها في جميع الأوقات فلم تنتف الاستطاعة للصبر عنه في جميع الأحوال المستقبلة.
على أن المراد بذلك واضح و إنه تعالى خبر عن استثقاله الصبر عن المسألة عما لا يعرف و لا يقف عليه لأن مثل ذلك يصعب على النفس و لهذا يجد أحدنا إذا جرى بين يديه ما ينكره و يستبدعه تنازعه نفسه إلى المسألة عنه و البحث عن حقيقته و يثقل عليه الكف عن الفحص عن أمره فلما حدث من صاحب موسى(ع)ما يستنكر ظاهره استثقل الصبر عن المسألة عن ذلك و يشهد لهذا الوجه قوله تعالى وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً فبين أن العلة في قلة صبره ما ذكرناه دون غيره و لو كان الأمر على ما ظنوا لوجب أن يقول و كيف تصبر و أنت غير مطيق للصبر.