تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الرابع عشر 14 · الصفحة الأصلية 389 / داخلي 389 من 528
»»
[صفحة 389]
إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ (1) و التضييق (2) الذي قدره الله عليه هو ما لحقه من الحصول في بطن الحوت و ما لحقه في ذلك من المشقة الشديدة إلى أن نجاه الله تعالى منها و أما قوله تعالى فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فهو على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى و الخضوع بين يديه و ليس لأحد أن يقول كيف يعترف بأنه كان من الظالمين و لم يقع منه ظلم و ذلك أنه يمكن أن يريد أني من الذين يقع منهم الظلم فيكون صدقا و إن ورد على سبيل الخشوع و الخضوع لأن جنس البشر لا يمتنع منه وقوع الظلم و الفائدة في ذلك التطأمن (3) لله تعالى و التخاضع و نفي التكبر و التجبر كما يقول الإنسان إذا أراد أن يكسر نفسه إنما أنا من البشر و لست من الملائكة و أنا ممن يخطئ و يصيب و هو لا يريد إضافة الخطاء إلى نفسه انتهى. (4)
أقول على ما ذكره (رحمه الله) يحتمل أن يكون الغرض عد نعمه تعالى عليه بأني مع كوني ممن يقع منه الظلم عصمتني عنه فلو وكلتني إلى نفسي لكنت مثلهم ظالما و لكن بعصمتك نجيتني و من آداب الدعاء و المسألة عد النعم السالفة للمنعم على السائل.
ثم قال (رحمه الله) و وجه آخر و هو أنا قد بينا في قصة آدم(ع)أن المراد بذلك أنا نقصنا الثواب و بخسنا حظنا منه لأن الظلم في أصل اللغة النقص و الثلم و من ترك المندوب فقد ظلم نفسه من حيث نقصها ثواب ذلك (5) و أما قوله تعالى فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ فليس على ما ظنه الجهال من أنه ثقل عليه أعباء النبوة لضيق خلقه فقذفها و إنما الصحيح أن يونس لم يقو على الصبر على تلك المحنة التي ابتلاه الله بها لغاية الثواب فشكا إلى الله تعالى منها و سأله الفرج و الخلاص
____________
(1) الفجر: 16.
(2) في المصدر: أى ضيق، و التضييق إه.
(3) التطامن: الانخفاض و الخشوع.
(4) تنزيه الأنبياء: 99 و 100.
(5) في المصدر: و من ترك المندوب إليه و هو لو فعله لاستحق الثواب يجوز أن يقول: إنّه ظلم نفسه من حيث نقصها ذلك الثواب.