(5) في الحديث كما ترى أسرار لم يطلع عليها أحد الى الآن، و لم يكشف عنها العلوم غطاءها الى حينذاك، كقوله: سرادقات الحجب، و هتك النور، و غيرهما. و لعلّ اللّه ادخر علم تلك الاسرار الكونية التي أفاض علمها الى أئمتنا (عليهم السلام) لجيل يأتي يوما ينقر العلوم نقرا، يتصفح عن الحقائق الكامنة في جو العالم و الكرات الواقعة في الفضاء اللايتناهى تصفحا، و الاسف أن المسلمين مع تصلبهم في العمل، و نشاطهم في الأمور، و تنقيرهم عن الاسرار في زمنهم الأول أصبحوا كسالى خاملين معطلين، طائفة منهم رسخت فيهم العطالة و البطالة، و مالوا الى العزلة، و دعوا المجتمع إليها، راجحين للانفراد على المدنية و الحضارة مقلدين من كان قبلهم من أصحاب الاديار و الكهوف و الغيران، و صنف منهم عكفوا إلى جمع الدرهم و الدينار، و انحازوا الى الاشر و البطر و الترف، و أراحوا انفسهم عن كد تحصيل العلوم، و تصفح الاسرار الكونية و ما أودع اللّه علمه في كمون ذلك العالم، و لحبهم الفسوق نسوا أنفسهم فأنساهم اللّه ما أعد فيهم من استعدادات قوية يمكنهم الاستمداد منها على حل الاسرار و كشف ما غمض حقيقته عنا، و لتسخير القوى الطبيعية و استخدامها.
و هذه الطائفة ليسوا بأقل من غيرهم بل هم الاكثرون، سيما في قرننا المظلم آفاقه، و الظالم آهله، الذي خطف أبصار أهله ما استفاد الغربيون من العلوم، و ركنوا اليهم و إليها و اكتفوا بها فصاروا عبيدا بعد ما كانوا سادة، و تبعا بعد ما كانوا متبوعين، فهل يقظة بعد النوم؟ و نشاط بعد الكسل و الفشل.
و ما ظلم هؤلاء المترفون بأكثر من ظلم طائفة اخرى كلما رأوا أو سمعوا من الاسرار الكونية الواردة في الثراء العلمية من أحاديثنا يتأولونها بمعان خيالية تفهة، أو عرفانية صرفة.