بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثامن والعشرون 28 · صفحة 183 من 568

صفحة
[صفحة 125]

بِشَيْ‏ءٍ وَ كَتَمَنِي وَ مِنْهُمْ مَنْ حَدَّثَنِي ثُمَّ قَالَ أَصَابَتْنَا فِتْنَةٌ أَخَذَتْ بِقُلُوبِنَا وَ أَسْمَاعِنَا وَ أَبْصَارِنَا وَ ذَلِكَ لَمَّا ادَّعَى أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ أَكْرَمَنَا اللَّهُ وَ اخْتَارَ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا وَ إِنَّ اللَّهَ أَبَى أَنْ يَجْمَعَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ النُّبُوَّةَ وَ الْخِلَافَةَ (1) فَاحْتَجَّ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَلِيٍّ(ع)حِينَ جِي‏ءَ بِهِ لِلْبَيْعَةِ


____________


(1) هذه مزعمة من يقدر الخلافة رئاسة دنيوية و سلطة تجبرية، و لما كان رسول اللّه(ص)قال: «انا أهل بيت اختار اللّه لنا الآخرة على الدنيا» تقدر من ذلك أن الخلافة تقابل الصبر و أنّها لا تصل الى أهل بيته بأمر من اللّه و لكن اللّه يقول عزّ من قائل‏ «فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً» بل لعمرى هذه مزعمة من لم يعرف حقيقة النبوّة، و لا الخلافة عنها، فان النبوّة الإسلامية هي الجامعة لأمور الدنيا و الدين، و قد كان الرسول الأعظم على كمال زهده و اعراضه عن الدنيا رئيسا للمسلمين يأمرهم و ينهاهم بأمر اللّه لا تعظما و تجبرا عليهم، و هكذا الخلافة الإسلامية، فان الخليفة هو الذي يقوم مقامه النبيّ في أمره و نهيه يتبع بذلك حكم اللّه و سنة نبيه ليس يريد بذلك حرث الدنيا و التجبر فيها.

فالخلافة لا تفترق بشئونها عن النبوّة الا بالوحى فان النبيّ يلتقط الوحى من اللّه، و الخليفة يلتقط ذلك عن النبيّ و يصدر عن أمره و نهيه، و أمّا من حيث الرئاسة الدينية الإلهيّة فهما سيان لا يراد بهما الا إحقاق الحقّ و اقامة العدل، لا الدنيا و زخرفها.


فهذا عليّ بن أبي طالب حامل لواء الخلافة يقول في كلام له يتشكى أصحابه من سوء تربيتهم و نفورهم عن الحق و انسهم بالباطل في الفترة بين قيامة بالحق و رحلة النبيّ الأعظم ص:


«أيتها النفوس المختلفة و القلوب المتشتتة، الشاهدة أبدانهم و الغائبة عنهم عقولهم، أظأركم على الحق و أنتم تنفرون عنه نفور المعزى عن وعوعة الأسد، هيهات أن أطلع بكم سرار العدل أو اقيم اعوجاج الحق، اللّهمّ انك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان و لا التماس شي‏ء من فضول الحطام و لكن لنرد المعالم من دينك و نظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك و تقام المعطلة من حدودك (النهج خ 129) الى غير ذلك من كلماته المعتضدة بسيرته الكريمة الانسانية.


و أمّا أبو بكر فهو الذي يقول حين ولى الأمة: ايها الناس قد وليتكم و لست بخيركم فاذا رأيتموني قد استقمت فاتبعونى و إذا رأيتموني قد ملت فقومونى، ألا و ان لي شيطانا يعترينى فإذا رأيتموني مغضبا فتجنبونى لا أوثر في اشعاركم و أبشاركم (الإمامة و السياسة:


19، الطبريّ 3/ 224 البداية و النهاية 6/ 203 تاريخ الخلفاء: 27.) فالرجل كان يقدر الخلافة رئاسة دنياوية تراه يتكلم بما يتكلم أحد الرؤساء الجمهورية و يراوغ كروغانهم: تارة يصانعهم و يقول: «قد وليتكم و لست بخيركم» و تارة يهددهم و يقول «فاذا رأيتموني مغضبا فتجنبونى لا أوثر في أشعاركم و أبشاركم» و مع هذا الغضب الذي يخرجه عن الحق (و المؤمن هو الذي لا يخرجه غضبه عن الحق) كيف ينتفع الناس بشريطته التي يأمر الناس بها: «فاذا رأيتموني» الخ، و هل تمكن أحد أن يقومه حين مال عن الحق في كثير من سيره؟ لا و اللّه ما انتفع المسلمون بشريطته تلك، حتى شقيقه عمر حيث نقم عليه ما فعله خالد بن الوليد بمالك بن نويرة و عشيرته ثمّ عرسه بزوجته قبل استبرائها من دون ريث، و طلب منه أن يقتله قودا فأبى و قال: لا أشيم سيفا سله اللّه، الى غير ذلك من سيره التي تأتي في أبوابها.


التالي ص 183/568 — الأصلية 125 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...