فهذه ما وقفت عليه من أخبارهم في هذا الباب بعد التصفح (4) و لنوضح بعض
____________
(1) جامع الأصول 9/ 435.
(2) جامع الأصول 9/ 435.
(3) الاستيعاب بترجمة أبى بكر و روى ذيله ابن سعد في الطبقات ج 3 ق 1(ص)130 بإسناده عن الحسن البصرى، و هكذا نقله ابن الجوزى في صفة الصفوة 1/ 97، و أنت ترى أن واضع الحديث كان يرى أن الخلافة رئاسة دنياوية فقط، فنسب الى على (عليه السلام) ما يليق بغيره، و معلوم من التاريخ الصحيح و الأحاديث المتواترة أن عليا (عليه السلام) كان على خلافهم رأيا و مسلكا، و قد مر ما يناسب توضيح ذلك في(ص)125 من هذا المجلد.
(4) أقول: و لتمام الكلام في هذا البحث يلزمنا أن ننقل بعض أحاديثهم التي يختلف ألفاظها مع ما أورده المؤلّف العلامة (رضوان اللّه عليه) في الباب و نبحث عنها فنقول:
روى ابن ماجة في حديث له (1235) عن ابن عبّاس «ثم جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال:
مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت عائشة: يا رسول اللّه ان أبا بكر رجل رقيق حصر و متى لا يراك يبكى و الناس يبكون، فلو أمرت عمر يصلى بالناس، فخرج أبو بكر فصلى بالناس فوجد رسول اللّه من نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين و رجلاء تخطان في الأرض، فلما رآه رسول اللّه سبحوا بأبي بكر فذهب ليستأخر فأومأ إليه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أي مكانك، فجاء رسول اللّه فجلس عن يمينه و قام أبو بكر و كان أبو بكر يأتم بالنبى و الناس يأتمون بأبي بكر، قال ابن عبّاس: و أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم من القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر. قال وكيع: و كذا السنة، قال: فمات رسول اللّه في مرضه ذلك.
و الحديث هذا مع أنّه مطعون في سنده كما عن مجمع الزوائد، متهافت متناقض في ذيله، لما عرفت من أنّه ان كان رسول اللّه جلس عن يمين أبى بكر، فلا بدّ و أن كان النبيّ مؤتما به، و قد صرّح نفس الحديث بخلافه.
و أمّا ما ذكر من أن رسول اللّه أخذ من القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر، و قول وكيع في تدعيم ذلك: و كذا السنة. كذب محض، فانه لم يرد سنة في ذلك بل السنة بخلافه حيث قال (ص) كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج.
بل و لو صح فرض القضية من جواز ابتناء أحد قراءته على قراءة غيره و صلاته على صلاة غيره أو أن يجىء آخر فينصب نفسه اماما لامام آخر قد دخل في الصلاة، لكان ذلك قضية لأول مرة لا أن تكون سنة متبعة قد أمر بها رسول اللّه قبل ذلك، و هذا واضح.
و أمّا قوله «و متى لا يراك يبكى و الناس يبكون» كأنّه أراد أن يوجه قصة البكاء حتى لا يرد عليها ما أوردت، لكنه قد ذهب عليهم جميعا أن أبا بكر تقدم في الصلاة و قام في مقام النبيّ فصلى بالناس صلاة واحدة او في أيّام عديدة في شكوى رسول اللّه على ما زعموا، و هكذا بعد ما نصب نفسه للخلافة ثلاث سنين فلم يبك في صلاته رغما لانف عائشة حيث نسبت أباها الى الضعف.
و روى ابن سعد في الطبقات ج 2 ق 2(ص)17 و مثله في السيرة ج 2(ص)653 أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مرضه الذي توفى فيه أمر أبا بكر أن يصلى بالناس فلما افتتح أبو بكر بالصلاة وجد رسول اللّه خفة فخرج فجعل يفرج الصفوف، فلما سمع أبو بكر الحس علم أنّه لا يتقدم ذلك التقدّم الا رسول اللّه، و كان أبو بكر لا يلتفت في صلاته فخنس الى الصف وراءه فرده رسول اللّه الى مكانه فجلس رسول اللّه الى جنب أبى بكر و أبو بكر قائم.
فلما فرغا من الصلاة قال أبو بكر أي رسول اللّه أراك أصبحت بحمد اللّه صالحا و هذا يوم ابنة خارجة- امرأة لابى بكر من الأنصار في بلحارث بن الخزرج- فأذن له و خرج أبو بكر الى أهله بالسنح، الحديث.
ففيه مضافا الى ما ورد على مثله أن راوى الحديث لم يدر أن حجرات رسول اللّه كان في قبلة المسجد، و إذا جاء للصلاة لم يحتج الى أن يأتي من ورائهم و يفرج الصفوف نعم في حديث رواه مسلم ج 2(ص)25 و هكذا غيره «أن رسول اللّه ذهب الى بنى عمرو بن عوف ليصلح بينهم فعانت الصلاة فجاء المؤذن الى أبى بكر فقال: أ تصلى بالناس فأقيم؟ قال نعم قال: فصلى أبو بكر فجاء رسول اللّه و الناس في الصلاة فتخلص حتّى وقف في الصف فصفق الناس و كان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول اللّه فأشار إليه أن امكث مكانك فرفع أبو بكر يديه فحمد اللّه على ما أمره به رسول اللّه من ذلك ثمّ استأخر أبو بكر حتّى استوى في الصف و تقدم النبيّ فصلى ثمّ انصرف فقال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت اذ أمرتك؟ قال أبو بكر ما كان لابن أبي قحافة أن يصلى بين يدي رسول اللّه الحديث.
فهذا الحديث يشبه الرواية السابقة و لا يرد عليه ما أوردناه، الا أنّه في قضية أخرى من دون أن يأمره النبيّ بالصلاة، مع أنّه قد أبطل صلاته بهم بالالتفات بعد ما أمره النبيّ بالمضى، ثمّ صرّح بأنّه لم يكن لابن أبي قحافة أن يصلى بين يدي رسول اللّه خلافا لمن زعم أنه صلى في مرض الموت بين يدي رسول اللّه ص، و كيف كان فقد تناقص هذه الأحاديث بعضها مع بعض و تهافت صدر بعضها بذيله، فلا يريب ذو نصفة أنّها رويت تأييدا لامر الخلافة و الا فصلاة أبى بكر في شكوى رسول اللّه ثمّ خروجه(ص)في أثناء صلاته، لم يكن ليخفى على أصحابه(ص)و الظرف ذاك الظرف حتّى تختلف الروايات هذا الاختلاف، و عندي أنّها موضوعة على لسان الصحابة من قبل التابعين خصوصا المتكلّمين منهم و لنا في ذلك بحث لا يسعه المقام.