(1) ترى في هذا الباب شرح انعقاد السقيفة و كيفية الصفقة على يد أبى بكر بالبيعة و خلاصة الكلام في ذلك أن الخزرج اجتمعوا في سقيفتهم سقيفة بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج و عليهم رئيسهم الأعظم سعد بن عبادة بن دليم و قد جعل نقيبا عليهم في العقبة الثانية من قبل الرسول (ص)، و هكذا حضرت الاوس تبعا و فيهم نقيبهم أسيد بن حضير و لا رئيس عليهم يومئذ، اذ كان سعد بن معاذ و هو رئيسهم الأول قد استشهد في غزاة بنى قريظة.
و انما اجتمعوا فيها ليرتئوا أمرهم في مستقبل الامر و يخطوا لانفسهم خطة جامعة يجمع شملهم، حيث كان يترشح من كلام النبيّ الأعظم (ص) أن أمته مفتونون بعده و أن أهل بيته يستضعفون و يضامون و يلقون بعده بلاء و تشريدا و تطريدا، و ان قريشا ستغدر بعلى المنصوص خلافته و سترجع الأمة كفّارا يضرب بعضهم رقاب بعض و لعلهم قد كانوا علموا بالصحيفة التي كتبها أهل العقدة على أن يمنعوا أهل بيت النبيّ من حقوقهم و يصرفوهم عن مستقرهم.
الى غير ذلك ممّا يقرع أسماعهم أن النبيّ قد أسر إلى بعض أزواجه حديث الملحمة في الخلافة و أن أبا بكر و هكذا عمر كان يحدث احيانا أنّه رآه بعض الكهنة يبشره بالزعامة و الرئاسة بعد نبى يبعث بالحرم و خصوصا ما قال لهم الرسول على الخصوص «انكم سترون بعدى أثرة فاصبروا حتّى تلقونى».
و بينما تخلص كلامهم في هذا الجمع الى أن من مصلحة شئونهم أن يختاروا لانفسهم أميرا يصدرون عن أمره و نهيه لئلا يختلف عليهم الكلمة فيتغلب عليهم المهاجرون الموتورون اذ ورد عليهم أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجراح فأكثروا القالة و خالفوا الأنصار قائلين أنا أسرة النبيّ و قومه و قد قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الأئمّة من قريش، فقام حباب المنذر و قال: فمنا أمير و منكم أمير فانا لا ننفس هذا الامر عليكم و لكنا نخاف أن يليها أقوام قتلنا آباءهم و اخوتهم، فقال أبو بكر نحن الامراء و أنتم الوزراء و هذا الامر بيننا و بينكم نصفين كقد الابلمة يعنى الخوصة.
و عند ذلك ارتفعت الأصوات و كثر اللغط، و تناول أبو بكر يد عمر و أبى عبيدة قائلا: بايعوا أيهما شئتم، و قال عمر لابى بكر ابسط يدك أبايعك فبسط يده فبايعه ثمّ بايعه أبو عبيدة و سالم مولى أبى حذيفة؛ و ثار بشير بن سعد الأنصاريّ رغما و حسدا على ابن عمه سعد بن عبادة ألا يتفق عليه كلمة الأنصار فبايع أبا بكر بمن معه من عشيرته ثمّ بايعه أسيد بن حضير نقيب الاوس خوفا من أن يليها الخزرج و هم على ما هم عليه من الضغائن الكامنة في نفوسهم من عهود الجاهلية، فتمت صفقة أبى بكر و خزيت دعاية الخزرج في رئيسهم باختلاف الكلمة بينهم.
فترى الأنصار اجتمعوا في السقيفة سعيا في اتّحاد كلمتهم و نصب أمير يجمع شملهم فعاد اجتماعهم هذا بلاء و أثرة عليهم، و تشريدا و تطريدا لاهل بيت نبيهم، و للّه أمر هو بالغه، و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.