بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثامن والعشرون 28 · صفحة 44 من 568

صفحة
[صفحة 34]

الصحاح المتضمنة لمخالفتهم له و ذمه لهم في حياته.


فإذا كان قد شهد على جماعة من أصحابه بالضلال و الهلاك و أنهم ممن كان يحسن ظنه بهم في حياته و لحسن ظنه بهم قال أي رب أصحابي ثم يكون ضلالهم قد بلغ إلى حد لا تقبل شفاعة نبيهم فيهم و يختلجون دونه و تارة يبلغ غضب نبيهم عليهم إلى أن يقول سحقا سحقا و تارة يقال إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم و تارة يشهد عليهم أبو الدرداء و أنس بن مالك و هما من أعيان الصحابة عندهم بأنه ما بقي من شريعة محمد(ص)إلا الاجتماع في الصلاة ثم يقول أنس و قد ضيعوا الصلاة و تارة يشهد نبيهم أن بعد وفاته يكون دينهم ملكا و رحمة و ملكا و جبرية على عادة الملوك المتغلبين ففيهم الرحيم و المتجبر و تارة يشهد على قوم من أصحابه أنه يشفق عليهم و يأخذ بحجزهم عن النار و ينهاهم مرارا بلسان الحال و المقال فيغلبونه و يسقطون فيها و تارة يخاف على أمته من أئمة مضلين ينزلون عليهم و تارة يشهد باتباع ما أتى به القرون السالفة في الضلال و اختلال الأحوال.


ثم قد أدوا عنه بغير خلاف من المسلمين أن أمة موسى افترقت بعده إحدى و سبعين فرقة واحدة ناجية و الباقون في النار و أمة عيسى افترقت اثنتين و سبعين فرقة واحدة ناجية و الباقون في النار و أمته تفترق ثلاثا و سبعين فرقة واحدة ناجية و اثنتان و سبعون في النار و قد تضمن كتابهم‏ وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ‏ (1) فكيف يجوز لمسلم أن يرد شهادة الله و شهادة رسوله عندهم بضلال‏


____________


(1) براءة: 101، و الآيات التي تنص على أن في المسلمين جماعة منافقين، كثيرة، لا وجه لسردها، و لكن ينبغي الإشارة الى أن اللّه و لا رسوله(ص)لم يعرف لنا المنافقين بأسمائهم، حتى يشهروا و يخذلوا، فنحكم على أعيانهم بالكفر و الفسق و على سائر المسلمين بالايمان و العدالة و الإخلاص، و إذا كان الامر مشتبها فكلما سمينا أحدا من صحابة الرسول(ص)و أردنا أن نأخذ منه دينه و سمته و نتبعه في سيرته و سنته و نحتج بحديثه عن الرسول الأمين(ص)جوز العقل كونه منافقا، فلا يصحّ للعاقل المحتاط لدينه أن يأخذ منه و يتبعه و يصدقه فيما يحدث عن الرسول الأعظم، الا أن يكون اللّه و رسوله(ص)قد عرفه و نص عليه بالايمان و الإخلاص و الطهارة، و لسنا نعرف بذلك الا أهل بيت النبيّ(ص)النازل فيهم آية التطهير و آية الولاية المصرح باخلاصهم و حسن طويتهم سورة الدهر و ساير الآيات الكريمة النازلة فيهم و هي أكثر من أن تحصى، لا مجال للمقام لسردها و البحث عنها.

و ان قلت: لم لم يعرف اللّه و رسوله المنافقين الخائنين، ليحذرهم المؤمنون بعده؟ قلت:


للقوم آراء و وجوه في ذلك يطلب من مظانه، و عندي أن رسول اللّه(ص)على علم و عمد لم يعرف المنافقين من أصحابه لينفذ بذلك إرادة اللّه عزّ و جلّ من بلوى الأمة و اختبارهم بعده، فان اخبار اللّه عزّ و جلّ و هكذا رسوله الأمين الصادق بأن في أصحابه و امته منافقين ظاهرين يخادعون اللّه و رسوله، من دون تعريف بهم، و في قبال ذلك نص القرآن الكريم بآية التطهير بالنسبة الى أهل بيته مضافا الى سائر ما ورد فيهم من آيات اللّه البينات و تصديق ايمانهم و إخلاص طويتهم في سورة الدهر، و هكذا هتاف الرسول بين الأمة الإسلامية بأنّه من كنت مولاه فهذا على مولاه اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه و غير ذلك من النصوص.


ففى ذلك بلوى و اختبار عظيم بالنسبة الى المؤمنين، فمن كان يرجو اللّه و اليوم الآخر و ينصح لنفسه، لا يقتدى بأصحابه الا بمن شهد اللّه و رسوله بحقيقة ايمانه و حسن طويته و علمه و فهمه و قضائه و هم أهل بيته الذين طهرهم اللّه من كل رجس و اوجب ولايتهم، و من كان يرجو الحياة الدنيا و زينتها و زخرفها لا يقتدى بمن قدمه اللّه و انما يقتدى بمن لا يؤمن فيه النفاق و يخاف عليه سوء النية في متابعة الرسول طمعا في حطام الدنيا، فليقتدوا بمن شاءوا ليميز اللّه الخبيث من الطيب و يجعل الخبيث بعضه على بعضه فيركمه جميعا فيجعله في جهنم اولئك هم الخاسرون.


و من الدلائل على أن رسوله الأمين الكريم على عمد و نظرا الى تنفيذ هذا الاختبار و البلوى، لم يعرف المنافقين بأشخاصهم، أننا نراه- (صلوات الله عليه) يقول لثلاثة من أصحابه فيهم سمرة ابن جندب و أبو هريرة الدوسى: «آخركم موتا في النار» راجع الاستيعاب و أسد الغابة ترجمة سمرة» فيعمى ذلك على أصحابه الآخرين لئلا يركنوا الى أحد منهم في دينهم.


و هكذا يقول لجماعة من أصحابه مجتمعين: «أحدكم ضرسه في النار مثل احد» راجع البحار ج 18(ص)132 من طبعتنا هذه.


و على ذلك فليحمل ما رواه أحمد في المسند ج 5(ص)273، و الطبراني في الكبير على ما في مجمع الزوائد ج 1(ص)112 عن ابى مسعود قال: خطبنا رسول اللّه خطبة فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: ان فيكم منافقين، فمن سميت فليقم، ثمّ قال: قم يا فلان! قم يا فلان! قم يا فلان! حتى سمى ستة و ثلاثين رجلا، ثمّ قال: ان فيكم- أو منكم فاتقوا اللّه.


التالي ص 44/568 — الأصلية 34 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...