تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثلاثون 30 · صفحة 546 من 1807
صفحة
[صفحة 546]
و تفصيله لم يرفع الاختلاف بين الأمّة، فكيف يتصوّر في مثل هذا الوقت منه (صلّى اللّه عليه و آله) إملاء كتاب يشتمل على أسطر قلائل يرفع الاختلاف في جميع الأمور عن الأمّة، إلّا بأن يعيّن في كلّ عصر من يرجعون إليه عند الاختلاف، و يرشدهم إلى جميع مصالح الدين (1) و الدنيا، و يفسّر القرآن المجيد لهم بحيث لا يقع منهم اختلاف فيه؟!.
و قد قيل: إنّ قوله هذا كقول المريض: لا حاجة لنا إلى الطبيب لوجود كتب الطبّ بين أظهرنا، و ظاهر أنّها أشمل للفروع الطبيّة من الكتاب الكريم لتفاصيل الأحكام الشرعيّة، فاتّضح أنّ المنع عن كتابة ما يمنع عن الضلال عين الضلال و الإضلال، و كثرة الخلاف بين الأمّة و تشتّت طرقه- مع وجود كتاب اللّه بينهم دليل قاطع على ما ذكرنا.
الثالث: أنّ ما ذكره- من أنّ عمر أشفق على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من تحمّل مشقّة الكتابة مع شدّة الوجع- فاسد، فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم تجر عادته في أيّام صحّته بأن يكتب الكتاب بيده، و إنّما كان يملي على الكاتب ما يريد، إمّا لكونه أميّا لا يقرأ و لا يكتب، أو لغير ذلك، و لم يكن ذلك مستورا على عمر، فكيف أشفق عليه من الكتابة؟!.
و أمّا الإملاء، فمن أين علم أنّه لا يمكن للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) التعبير عمّا يريد بلفظ مختصر و عبارة وجيزة لم يكن في إلقائها إلى الكاتب مشقّة لا يقدر على تحمّلها، على أنّه تحمّله (صلّى اللّه عليه و آله) للمشاقّ في هداية الأمّة لم
____________
(1) في (س): الدينيّة.
(2) كما في الوسائل 18- 20 باب 5 حديث 12، و يؤيّده ما أورده في الكافي و كنز الفوائد، و حكاه العلّامة المجلسيّ في بحاره 23- 197 عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله تعالى: «هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ» ... قال: إنّ الكتاب لا ينطق و لكنّ محمّدا و أهل بيته هم النّاطقون بالكتاب.