و لا يخفى على ذي مسكة من العقل دلالته على أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان راضيا بكونه مطروحا ثلاثة أيّام على المزبلة، بل على أنّه لم يأذن في دفنه إلّا بعد الأيّام الثلاثة، فلو كان أمير المؤمنين (عليه السلام) معتقدا لصحّة إمامته، بل لو كان يراه كأحد من المسلمين و من عرض (5) الناس لما رضي بذلك بل كان يعجّل في تجهيزه و دفنه، و يأمر بدفنه (6) في مقابر المسلمين حتى لا يلتجئ المجهّزون له إلى دفنه في حشّ كوكب.
و الحشّ هو المخرج (7)، و كان ذلك الموضع بستانا كان الناس يقضون الحوائج فيه كما هو دأبهم في قضاء الحاجة في البساتين، و كوكب اسم رجل من الأنصار، كما ذكره في الإستيعاب (8).
و الإمام الّذي رضي له أمير المؤمنين (عليه السلام) بمثل تلك الحال فحاله غير خفيّ على أولي الألباب، و لا ريب في أنّه لو لم يكن (عليه السلام) راضيا بقتله لجاهد قاتليه، فإنّه ليس في المنكرات أشنع و أقبح من قتل إمام فرض اللّه طاعته على
____________
(1) الكامل 3- 91.
(2) تاريخ ابن أعثم (الفتوح) 1- 430. و لا توجد في (س): و الأعثم الكوفيّ في الفتوح.
(3) نقل ابن الأعثم إلى هنا بالمعنى و بتصرّف.
(4) و قد تعرّض العلّامة الأمينيّ في الغدير 9- 208- 217 لتجهيزه و دفنه، و ذيّله بما هو حريّ بالملاحظة.
(5) في (س): عوض. قال في القاموس 2- 335: و هو من عرض الناس .. من العامّة.
(6) في (س): دفنه- بلا حرف جر-.
(7) كما في الصحاح 3- 1001، و قال في النهاية 1- 390: و فيه: أنّ هذه الحشوش محتضرة .. يعني الكنف و مواضع قضاء الحاجة، الواحد حشّ- بالفتح- و أصله من الحشّ: البستان، لأنّهم كانوا كثيرا ما يتغوّطون في البساتين.