تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثالث والثلاثون 33 · صفحة 488 من 1396
صفحة
[صفحة 595] ج 3 ص 595 قال:
و روى أبو الحسن عليّ بن محمّد بن أبي سيف المدائنى في كتاب الاحداث قال:
كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمّة ممن روى شيئا من فضل أبى تراب و أهل بيته.
فقامت الخطباء في كل كورة و على كل منبر يلعنون عليا و يبرءون منه و يقعون فيه و في أهل بيته، و كان أشدّ الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة على (عليه السلام)، فاستعمل عليهم [معاوية] زياد بن سمية و ضم إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة و هم بهم عارف لانه كان منهم أيّام عليّ (عليه السلام) فقتلهم تحت كل حجر و مدر، و أخفاهم و قطع الأيدي و الارجل و سمل العيون و صلبهم على جذوع النخل، و طردهم و شردهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم.
و كتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: أن لا يجيزوا لاحد من شيعة على و أهل بيته شهادة.
و كتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان و محبيه و أهل ولايته و الذين يروون فضائله و مناقبه فادنوا مجالسهم و قربوهم و أكرموهم و اكتبوا إلى بكل ما يروى كل رجل منهم و اسمه و اسم أبيه و عشريته.
ففعلوا ذلك حتّى أكثروا في فضائل عثمان و مناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات و الكساء و الجباء و القطائع، و يفيضه في العرب منهم و الموالى.
فكثر ذلك في كل مصر، و تنافسوا في المنازل و الدنيا، فليس يجىء أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية فيروى في عثمان فضيلة أو منقبة ألا كتب اسمه و قربه شفعه. فلبثوا بذلك حينا.
ثمّ كتب [معاوية] إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر و فشا في كل مصر و في كل وجه و ناحية، فإذا جاءكم كتابى هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة و الخلفاء الاولين؛ و لا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبى تراب إلّا و تأتونى بمناقض له في الصحابة؛ فإن هذا
أحبّ إلى و أقر لعينى و أدحض لحجة أبى تراب و شيعته و أشدّ إليهم من مناقب عثمان و فضله.
فقرئت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجد الناس في رواية ما يرجى هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر و ألقى إلى معلمى الكتاتيب فعلموا صبيانهم و غلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتّى رووه و تعلموه كما يتعلمون القرآن، و حتّى علموه بناتهم و نساءهم و خدمهم و حشمهم فلبثوا بذلك ما شاء اللّه.
ثمّ كتب [معاوية] إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البينة أنّه يحب عليا و أهل بيته فامحوه من الديوان و أسقطوا عطاءه و رزقه.
و شفع ذلك بنسخة أخرى: من اتهمتموه بموالات هؤلاء القوم فنكلوا به و أهدموا داره.
فلم يكن البلاء أشدّ و لا أكثر منه بالعراق، و لا سيما بالكوفة حتّى أن الرجل من شيعة عليّ (عليه السلام) ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقى إليه سره و يخاف من خادمه و مملوكه، و لا يحدثه حتّى يأخذ عليه الايمان الغليظة ليكتمن عليه. فظهر حديث كثير موضوع و بهتان منتشر، و مضى على ذلك الفقهاء و القضاة و الولاة.
و كان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون، و المستضعفون الذين يظهرون الخشوع و النسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم و يقربوا مجالسهم و يصيبوا به الأموال و الضياع و المنازل حتّى انتقلت تلك الاخبار و الأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب و البهتان فقبلوها و رووها و هم يظنون أنّها حق؛ و لو علموا أنّها باطلة لما رووها و لا تدينوا بها.
فلم يزل الامر كذلك حتّى مات الحسن بن عليّ (عليه السلام) فازداد البلاء و الفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل إلّا و هو خائف على دمه أو طريد في الأرض.
أقول ثمّ ساق الحديث كما رواه المصنّف في المتن.
و أيضا روى ابن أبي الحديد قبل الحديث المذكور حديثا آخر عن الإمام الباقر (عليه السلام) يشترك في كثير من المعاني مع الحديث المذكور فعلى طلاب الحق أن يراجعوه و يتعمقوا فيه.