[صفحة 3] فتن في عَصْرِ الظهور الشريف عبد الحليم الغزي [صفحة 4] إلى سيدتي التي أحسنت جواري، وأسأت جوارها إليك، يا عزيزة آل محمد صلوات الله عليهم»، وناموس فخرهم ... إليك، يا كريمة آل علي (عليهم السلام)، وربيبة فضلهم .... إليك، يا حبيبة باب الحوائج موسى بن جعفر، وعظيمة رواق مجده وشرفه، «صلوات الله عليهما، وعليك يا مولاتي ... إليك، يا باب رحمة أنيس النفوس، وشمس الشموس: إمامنا الثامن، وولينا الضامن، أبي الحسن علي بن موسى الرضا، صلوات الله عليهما، ومن ولايتها ولايته، وعداوتها عداوته إليك، يا ملاذاً: يلوذ بفناء دارتها المُقدسة كل هائم غريب ... إليك، يا من باب حضرتها الملكوتية، هي موئل لكل مثمود (1) مشفوف (2) ... إليك سيدتي يا معصومة آل الزهراء الطاهرة المطهرة ... إليك، وجهت راحلتي مصفراً من الحسنات، ملتاعاً من شدّة (1) المثمود: هو الذي نفد ما عنده. (3) المصفر: هو من كان في غاية الافتقار. (2) المشفوف: هو الذي أخذ منه الهم مأخذاً كبيراً. [صفحة 6] وقصر بي سوء عُذري بعد سوء فعالي وأحوالي، وحال بيني وبين ما أريد قصوري وتقصيري .... وقد جنتك أسعى، والمودة مركبي، وحبك زادي ... فعفواً ... عفواً، وعذراً ... عذرا، سيدتي فإني لطالما أسأت الأدب في جوارِكِ، وقَصَّرْتُ في حقك، ولم أشكر جميل ألطافك، وفضل إنعامك، يا بنت أولياء النعم . فواخجلتاه، سيدتي، كم أسيء، وأنت تحسنين فَبأي وجه أقف بين يديك؟ أم بأي لسان أعتذر إليك؟ فقد جئتك والخطايا محطوبة محمولة على ظهري ..... وهذه هديتي على قدري، لا على قدرك الأكرم. عبدك المسيء: عبد الحليم الغزي راجياً منك سيدتي العفو والقبول (1) الأوام: العطش الشديد . [صفحة 9] إستهلال بسم الله الرحمن الرحيم يا زهراء: سبحان من إستعبد أهل السماوات والأرضين بولاية محمد وآل محمد صلى الله عليهم، سبحان من خلق الجنة لمحمد وآل محمد صلى الله عليه وآله، سبحان من يورثها محمداً وآل محمد صلى الله عليه وآله وشيعتهم، سبحان من خلق النار من أجل أعداء محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله، سبحان من يملكها محمداً وآل محمد صلى الله عليه وآله وشيعتهم، سبحان من خلق الدنيا والآخرة وما سكن في الليل والنهار لمحمد وآل محمد صلى الله عليه وآله) (۱). وصلى الله سبحانه وتعالى على الإسم الجامع، والنور الساطع، عقل العقول، وأصل الأصول، جوهرة الجواهر، ومفخرة المفاخر، كنز الكنوز، ورمز الرموز، حقيقة الكتاب، وسر الألباب، سيد الأولياء، وخاتم الأنبياء، شرف الأشراف، وكنه الألطاف، هادينا من الضلالة، ومُخرجنا من حيرة الجهالة، حبيبنا ونبينا وقائدنا ومربينا أبي القاسم محمد وآله الأطيبين الأطهرين (۱) عن التهذيب الشريف ج ۳ ص ۹۸، من الأدعية المعصومية الشريفة . [صفحة 10] الذين آتاهم الله ما لم يؤت أحداً من العالمين، حيث طأطأ كل شريف لشرفهم، وبخع (١) كل متكبر لطاعتهم، وخضع كل جبار لفضلهم، وذل كل شيء لهم، وأشرقت الأرض بنورهم، وفاز الفائزون بولايتهم). ولعنة الله على أعدائهم، وأعداء شيعتهم الذين هم عين النجاسة، وحقيقة الرجاسة، (اللهم عذبهم عذاباً يستغيث منه أهل النار آمين رب العالمين) (۳). وبعد، يا إخوتي في حب آل محمد صلوات الله عليهم، فإني لا أجد حديثاً أحلى من حديثهم، ولا ذكراً هو أطيب من ذكرهم. وماذا؟! وهل في الحياة شيء له قيمة من دونهم؟! وهل في القلب سوى وجدهم، وشوقهم؟! وطيب على ثراك، يا شيخنا البهائي حين تقول: من رأى وجدي لسكان الحجون (1) قال ما هذا هوى هذا جنون أيها اللوام ماذا تبتغون قلبي المضنى وعقلي ذو اعتقال وقلت أيضاً نور الله تعالى رمسك الشريف: (1) بخع: أقر، وأذعن. (۲) العبارات، من: والذين آتاهم الله، إلى: (بولايتهم) مقتبسة معانيها من الزيارة الجامعة الكبيرة، عن المفاتيح الشريف ص ٥٤٩. (۳) عن البلد الأمين لشيخنا الكفعمي (ره) ص ٥٥٢، من دعاء أمير المؤمنين صلوات الله عليه في قنوته في صلاته الشريفة . [صفحة 11] يا أخلاني بحزوى (۱) والعقيق (۲) لا يطيق الهجر قلبي لا يطيق هل لمشتاق إليكم من طريق أم سددتم عنه أبواب الوصال وحاشا علاهم، أن يسدوا باباً في وجوه سائليهم. بل أبوابهم مفتحة في وجه كل طالب ونائل. وكيف لا تكون أبوابهم كذلك؟! وهُمْ معدن اللطف، والكرم، والجود ... بل إليهم كل مكرمة تعود. وهل للجود، والفضل، والكرامة، و و .... حقيقة تمشي في عالمنا، وبين أظهرنا، سوى إمام زماننا صلوات الله وسلامه عليه؟! صاحب العصر الإمام المنتظر من بما يأباه لا يجري القدر حجةُ اللهِ عَلَى كُلِّ البَشر خير أهل الأرض في كل الخصال من إليه الكون قد ألقي القياد مجرياً أحكامه فيما أراد إن تزل عن طوعه السبع الشداد خر منها كل سامي السمك (3) عال (1) حزوى: اسم لعدة مواضع في بلاد العرب وباديتهم فموضع بنجد في ديار تميم يقال له: حزوى، وجبل من جبال الدهناء، يقال له: حروى أيضاً، وكذا نخل بحذاء قرية بني سدوس في اليمامة معروف بحزوى . (۲) العقيق واد من أودية المدينة المنورة، وهو من مواقيت الإحرام. [صفحة 12] فاق أهل الأرض في عزّ وجاه وارتقى في المجد أعلى مُرتقاه لو ملوك الأرض حلوا في ذراه كان أعلى صفهم صف النعال ذو إقتدار إن يشأ قلب الطباع صير الأظلام طبعاً للشعاع وارتدى الإمكان برد الإمتاع قدرة موهوبة من ذي الجلال (1) ثم يا أعزتي ... وهل في الحياة خدمة كخدمته؟! أم هناك في دنيانا، طعم كطعم مودته، ولذة كلذة طاعته؟! وهل يعرف المخلصون حلاوة كحلاوة قربه؟ لا والله ... فقلوبهم الطاهرة تشهد أن لا معشوق سواه. يا ليتنا كنا منهم، فإن لم نحظ بذلك، فيا ليتنا كنا من خدامهم. سيدي يا صاحب الأمر والزمان ..... أتوسل إليك، بحق أمك البتول صلوات الله عليها ..... أبق لي مقلةً لعلي يوماً قَبلَ مَوتِي أرى بها من راكا فبشيري لو جاء منك بعطف ووجودي في قبضتي قُلتُ هاكا ولذا فإن حديثي في هذه الوريقات والسطور سيتناول جانباً من شؤونات زمان ظهور إمامنا صلوات الله عليه وقيامه الشريف. لعل في ذلك منفعة وأجراً لأخوتي الأجلاء، وخادمهم، ولعل في ذلك تبصرة وعبرة لمن أراد أن [صفحة 13] يعتبر. وقد جعلت كلامي في هذه الفصول دائراً حول مجموعة من الإمتحانات العسيرة، والفتن الشديدة التي يواجهها أصحاب إمام زماننا صلوات الله عليه، وأهل معسكره، والسائرون في ركابه فينجو من ينجو، ويهلك من يهلك ذلك زمان، ولا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، قُلْ انتظروا إنا منتظرون)). ودليلنا الوفي الأمين الحاذق في كل هذه المطالب: قرآننا العزيز، وحديث أسيادنا، وأوليائنا المصطفى وآله الأطهار صلوات الله عليهم. فكان هذا الكتاب الذي بين أيديكم، والذي وسمته: فتن في عصر الظهور الشريف متوسلاً إلى سيدتي المعصومة: «فاطمة بنت موسى بن جعفر » صلوات الله عليهما وعليها، أن يكون هذا ذخراً لي عندها، ويوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (۲) قم المقدسة / عش آل محمد (صلوات الله عليهم) 31310 الغزي (1) من الآية الشريفة (۱۵۸) من سورة الأنعام المباركة. وبحسب رواياتنا المعصومية الشريفة فالآية المذكورة مفسرة في زمان ظهور إمامنا صلوات الله عليه . [صفحة 15] تمهيد البحث: وهنا ثمة فوائد: * الفائدة الأولى لمحة عن موضوع الكتاب، وروايات الفتن في زمن الظهور الشريف تدور فصول هذا الكتاب حول موضوع قد يراه البعض ليس مهما، الا أن الناظر المنصف في نظره، يرى له من الأهمية والأثر الكبير في الحياة العقائدية لأهل الإيمان. وذلك لما للفتنة والإمتحان من دخل كبير وعظيم في تحديد عاقبة الإنسان وتعيينها . والفتن والإبتلاءات التي ورد ذكرها في الأحاديث المعصومية الشريفة التي تناولت الجوانب المختلفة لشؤونات إمام زماننا صلوات الله عليه وظهوره الشريف، يمكن لنا أن نجعلها في قسمين: أولاً - الفتنة والتمحيص في زمان غيبته الشريفة. ثانياً - الفتنة والتمحيص في زمان ظهوره الشريف. وينصب الكلام في هذه الفصول على القسم الثاني الذي يمكن تقسيمه [صفحة 16] إلى نوعين هما: أولاً - فتنة لعامة الناس في زمان الظهور الشريف. ثانياً - فتنة خاصة الناس، وهم أصحابه صلوات الله عليه، والسائرون في ركابه، وأهل معسكره، وأنصاره، وشيعته، ومحبوه. وحديثنا سيكون دائراً حول النوع الثاني من أنواع الفتن والتمحيص والإختبار، لما في ذلك من تبصير وإرشاد في تحديد معالم طريق الهدى، وجادة الإستقامة والفلاح لما له ومن هنا فإن البحث سيتناول أهم الموضوعات التي ذكرتها الروايات الشريفة بهذا الخصوص. وسيكون عرضها ودراستها بأسلوب موجز بعيد عن الإطناب، والإستقصاء لكل صغيرة ودقيقة، إذ أن ذلك يقتضي التطويل الذي تحاول الفرار منه؛ لأنا نعيش في زمان لا يجد الناس فيه فسحة المطالعة الكتب المطولة. ثم إننا لا ندعي سلامة أسانيد كل ما سيذكر من أحاديث الفتنة والتمحيص في زمن الظهور الشريف بحسب ما هو معروف من قواعد الدراية وعلم الحديث بين أهل الفن . إلا أن أموراً تدعو المنصف، والحريص على معرفة تكليفه الشرعي إزاء إمام زمانه صلوات الله عليه: أن يلتفت الى هذه الأحاديث الشريفة، ويُطيل النظر إليها، ويجيل الفكرة في مضامينها. ومن هذه الأمور: أولاً - كثرة هذه الروايات، مع وجود مضامين الفتنة والتمحيص في [صفحة 17] ثانياً - رواية كثير من الكتب الحديثية المعتبرة لها، أو لأحاديث مشابهة لها في المضمون والمحتوى . ثالثاً - حكم المنطق السليم والوجدان النزيه بوجود امتحان كبير للبشرية بنحو عام، ولأصحاب الإمام عليه السلام وشيعته بنحو خاص؛ لما سيحدث من تحول كبير في حياة الإنسان لا نظير له منذ بداية الخلقة البشرية، ولما سيلقى على عواتقهم من مسؤولية عظيمة لم تلق على عاتق أحد من قبلهم. فكيف لا تكون الفتنة؟! وكيف لا يكون التمحيص الدقيق، والإختبار الشديد؟! نعم ... إنها السنة الإلهية الأكيدة التي تشهد بها آيات الكتاب الكريم، وتقرر معناها كلمات أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم أجمعين. رابعاً - ولا يخفى على أهل العلم والتحقيق، إن هذه الروايات لم تكن بصدد مسألة فقهية فتكون الحاجة ملحة للبحث في أسانيدها بنحو دقيق كما هو المعروف في أصول الإستنباط والإفتاء. ولم تكن متعلّقة بمسألة عقائدية ضرورية يلزم فيها التدقيق والتنقيح بل هي تدور في موضوعاتها حول حوادث وقضايا تقع في مستقبل الأيام، ويكون الزمان القادم حينئذ هو الكفيل بإصدار الحكم عليها من جهة صحتها أو عدم صحتها. إذ أن العقل السليم يحكم في مثل هذه الموارد فيما لو ضعفت الأسانيد بإمكان مطابقتها للواقع، وإمكان عدم مطابقتها فيتساوى الأمران، ويبقى القول الفيصل للأيام وحواديها أفتقع، أم لا تقع؟ ومن طريف ما يتعلق بهذا الأمر: ماذكره العالم المتتبع الفاضل الشيخ [صفحة 18] الله عليهم: أنه قد أخبر بعضاً (1) من أساتذته في الحوزة العلمية في النجف الأشرف بحوادث مستقبلية إستناداً الى روايات لم تكن سليمة السند وفقاً لقواعد الدراية والحديث فناقشه فيها، إلا أن الأيام أثبتت صحتها وجعلت ذلك العالم الكبير يتراجع عن قوله الأول، ويعترف بصحة صدورها عن المعصوم عليه السلام رغم رفضه لها أول وهلة؛ بسبب ضعف أسانيدها، حيث يقول شيخنا زين العابدين حفظه الله: (وكنتُ أقول له: يا سيدنا لو سافرت من النجف قبل أن يخرجوا أهل العلم والمؤمنين منها، فكان يناقش في أسانيد الروايات. وذكرت له رواية فيها واقعة مهمة ذكر في صدر سندها: أحمد بن محمد بن يحيى، فقال: إنه ضعيف. الى أن حل وقت تلك العلائم وشرعوا في تسفير أهل العلم والمؤمنين، وهجم الشرطة على المسجد، وقبضوا على عدة من أهل العلم، وزجوا قسماً منهم في السجون وسفروا الآخرين. فذهبت الى داره لأراه، فرأيت الدار خالية، وهو جالس وحده؛ لأن أصحابه إما قد إختفوا خوفاً من الظلمة، وإما قد قبض عليهم، فسلمت عليه فرد السلام، وقال: العجب من أخبار أسنادها غير معلومة وهي تقع وتحقق، ووقوعها دليل على صحة صدورها عن المعصوم عليه السلام؛ لأنها أمور غيبية وأسرار مخفية لا يمكن صدورها إلا من الله تعالى، وأوليائه من الأنبياء والأوصياء) (). فالتفت أيها العزيز إلى أنه ليس كل خبر ضعيف السند لا صحة له مطلقاً. (1) يعني به السيد أبو القاسم الخوئي (ره) أحد كبار مراجع الطائفة العظام، حيث قد صرح [صفحة 19] واعتبر أيضاً؛ من أن العالم والفقيه مهما بلغ علمه فإنه لا يكون بعيداً عن الإشتباه والخطأ في الحكم الواقعي في مقام الإفتاء أو غيره إستناداً للقواعد التي يعمل بها، والأصول التي يكون بحثه مبنياً في نتائجه على أساسها. وهذا هو بعض شيء من سر إحتياجنا الشديد الأكيد للإمام المعصوم عليه السلام. * إنارة * ولتعلم ياعزيزي إننا لا نعتقد وقوع كل الحوادث المذكورة في العالم الخارجي قطعاً، حتى مع فرض صحة أسانيدها، بل حتى مع صحة صدورها القطعي عن المعصومين عليهم السلام؛ لإعتقادنا بالبداء أولاً. ولكون البعض منها مشروطاً، فلا يتحقق الا بتحقق شروطه ثانياً. ثم إن الأحاديث الشريفة ذكرت لنا: إن البداء قد يطال حتى الأمور المحتومة. فهذا أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري (ره) يحدثنا فيقول: كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا عليهما السلام، فجرى ذكر السفياني وماجاء في الرواية: من أن أمره من المحتوم . فقلت لأبي جعفر عليه السلام: هل يبدو لله في المحتوم؟ قال: نعم. قلنا له: فنخاف أن يبدو لله في القائم. فقال: إن القائم من الميعاد، والله لا يخلف الميعاد) (1). فعلى أساس هذه الرواية الشريفة أنه ليس هناك من شيء من علائم الظهور وحوادث أيامه وفتنه وتمحيصه إلا وهو خاضع للبداء، الا ما كان ميعاداً إلهياً وهو ظهور إمامنا صلوات الله عليه. [صفحة 20] الفائدة الثانية الحكمة البالغة في دراسة هذه الفتن وأسبابها ونتائجها بعد أن عرفت شيئاً أيها المحب عن روايات الفتنة والتمحيص، أقول: إنه ليس من العقل والحكمة أن نهملها مع إحتمال حدوثها، وبالأخص إذا عرفنا أن معرفتها قبل حدوثها تكون سبباً مهماً من أسباب نجاحنا في مواجهتها، وهذا ما تكشف عنه بعض الروايات التي تتحدث عن بعض الفتن المقاربة لزمان الظهور الشريف، وتبين لنا أن العارف بها قبل وقوعها هو الناجي، وأن الجاهل بها هو الهالك. فهذا زرارة بن أعين (ره) يقول: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: ينادي مناد من السماء: (إن فلاناً) هو الأمير، وينادي مناد: (إنّ علياً وشيعته هم الفائزون، قلت: فمن يقاتل المهدي بعد هذا؟(1) فقال: إن الشيطان ينادي: (إن فلاناً وشيعته هم الفائزون - لرجل من بني أمية . . . قلت: فمن يعرف الصادق من الكاذب؟ قال: يعرفه الذين كانوا يروون حديثنا، ويقولون: إنه يكون قبل أن يكون ويعلمون أنهم هم المحقون الصادقون) (٤). (۱) فلان هنا كناية عن إمام زماننا صلوات الله عليه. (۲) إستفهام زرارة (ره) ناشئ من وضوح الأمر في تصوره حين النداء بإسم إمامنا عليه السلام وأحقية مذهبنا المقدس وطريقتنا المستقيمة ثبتنا الله عليها. (۳) فلان هنا إما المراد عثمان بن عنبسة السفياني، أو هو عثمان بن عفان إذ هو معدود في بني أمية، [صفحة 21] فالناجي من الفتنة إذن أيها العزيز: أولاً - الراوي الحديثهم. حيث تقول الرواية الشريفة: يروون حديثنا». وثانياً - القائل بحدوثها قبل أن تحدث، وهذا ينشأ عن إعتقاد بصحة هذه الروايات، أو على الأقل احتمال حدوثها فيما لو لم تقم القرائن السليمة على صحتها. حيث تقول الرواية الشريفة: (ويقولون: إنه يكون قبل أن يكون. وثالثاً - المعتقد بعلم دون شك وربيبة أنه محق في إتباعه لأهل البيت عليهم السلام، وصادق في حبه لهم ومعرفته وتسليمه وطاعته. حيث تقول الرواية الشريفة: ويعلمون أنهم هم المحقون الصادقون. فالناجي بعد هذا التفصيل هو راوية حديثهم، القائل بقولهم، الموقن بهم وبعقيدتهم، والصادق معهم، كل ذلك على أساس من العلم والمعرفة بعلومهم لا علوم غيرهم. ومن هنا يأتي التوقيع الشريف من الناحية المقدسة صلوات الله عليها: (وأما الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها الى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) (1). وما من حوادث تقع في الدنيا منذ كانت، أهم من حوادث الظهور الشريف وما يرافق ذلك من فتن و تمحيص شديد. ولذا كان علماء شيعة أهل البيت عليهم السلام مناراً ينجي الشيعة من ظلمات الفتن وغياهبها. فهاك إسمع ما يرويه شيخنا الكليني (ره) في الكافي الشريف: عن عبد الرحمن بن مسلمة الجريري، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: يوبخونا، ويكذبونا)، أنا نقول: إن صيحتين تكونان. [صفحة 22] يقولون: من أين تُعرف الملحقة من المبطلة إذا كانتا؟ قال: فماذا تردون عليهم؟ قلت: ما نرد عليهم شيئاً. قال: قولوا: يُصدق بها - إذا كانت - من كان يؤمن بها من قبل، إن الله عز وجل يقول: أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يُهدى فمالكم كيف تحكمون (1)) (1) فإنتبه الى الرواية الشريفة أيها المحب حيث ذكرت أن العارف للحق المصدق به هو ذلك الذي يؤمن بالصيحة قبل وقوعها، وما الصيحة هنا إلا مصداق من مصاديق الإمتحانات والإختبارات الكثيرة التي ستواجه البشرية بنحو عام، والشيعة بنحو خاص في زمن الغيبة أو في زمن الظهور. وماقول الرواية الشريفة: «من كان يؤمن بها، إلا تأكيد للكلام المتقدم قبل قليل، إذ الإيمان هو العلم مع الإذعان النفسي والرسوخ المعنوي، وهذا لا يحصل عند كل أحد بسهولة، وانما تكون هذه الأوصاف أوصافاً لخاصة الشيعة وهم علماؤها المخلصون الذين يتحدث عنهم إمامنا أبو الحسن الهادي صلوات الله عليهما، فيقول: (لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم عليه السلام من العلماء الداعين إليه، والدالين عليه، والذابين عن دينه بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب لما بقي أحد الا إرتد عن دين الله، ولكنهم الذين يُمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يُمسك صاحب السفينة سكانها، أولئك هم الأفضلون [صفحة 23] عند الله عز وجل) (). فرواة الحديث الذين هم حجة على الناس من قبل إمام زماننا صلوات الله عليه، هم العلماء الداعون إليه، والدالّون عليه. وكيف يدعون إليه؟ أو يدلّون عليه؟ ما لم تكن عندهم معرفة مستندة الى أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم في كل أنحائها وجهاتها. ولذاك فإنهم سيكونون سبباً أكيداً، وحبلاً متيناً في تثبيت قلوب عامة الشيعة والمحبين؛ وذلك بنشرهم علومهم وحديثهم، ومعارفهم، وربطهم قلوب الشيعة بمفاهيم عقائد أهل البيت المنيرة صلوات الله عليهم، والذي يكون سبباً في كشف الحجب عن العيون والبصائر. ومن هنا يروي هشام بن سالم (ره) فيقول: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: هما صيحتان صيحة في أول الليل، وصيحة في آخر الليلة الثانية. قال: قلت: كيف ذلك؟ فقال: واحدة من السماء، وواحدة من إبليس. فقلت: وكيف تُعرف هذه من هذه؟ فقال: يعرفها من كان سمع بها قبل أن تكون) (٢). وحتماً فإن الذين سمعوا بها قبل أن تكون هم عامة الشيعة والمحبين ولذا فإنك أيها العزيز تجد فارقاً كبيراً بين هذه الرواية الشريفة، وما تقدم عليها من الأحاديث المباركة. إذ أن الروايات المتقدمة تتحدث عن صفات الناجين [صفحة 24] فتقول هم الذين يروون حديثنا، ويقولون بكل المعاني التي وردت عنهم صلوات الله عليهم، ويعتقدون بأحقية طريقتهم إعتقاداً حقاً، ويصدقون في طاعتهم مع أئمتهم عليهم السلام بوفائهم المواثيق الولاية وعهود الإمامة، وهم الذين يذكر الإمام الصادق عليه السلام بخصوصهم إنطباق هذا المعنى القرآني الشريف: أفمن يهدي الى الحق أحق أن يتبع ....، وهم أنفسهم أولئك العلماء المخلصون لإمام زمانهم عليه السلام الداعون إليه، والدالون عليه. وهذه الأوصاف تختلف عن الوصف الذي ذكر هنا، إذ الذي جاء مذكوراً في هذه الرواية الشريفة: أن الناجي بمعرفته حين الفتنة هو ذلك الذي سمع بها قبل أن تكون. وإنما سمع ذلك ممن يروون حديثهم عليهم السلام. فهناك فئتان ناجيتان إذن فئة تروي وتعلم الشيعة دين آل محمد صلوات الله عليهم، وفئة تسمع بكل وجدانها وفطرتها وهم الشيعة المخلصون الطيبون . ولا يخفى على المتتبعين لحديث أهل البيت عليهم السلام أن هذه المعاني من واضحات الأمور في كلامهم الشريف صلوات الله عليهم. ولست في مقام الإستقصاء كي أورد تمام الروايات الشريفة في هذه المضامين، بل أقول: إنه حتى كتب المخالفين لا تخلو من مثل هذه المعاني وعلى سبيل المثال أذكر مارواه محدثهم يوسف الشافعي في كتابه عقد الدرر حين يروي عن حذيفة بن اليمان (ره) هذا الحديث: ) هذه فتن قد أظلت كجباه البقر (۱)، يهلك فيها أكثر الناس إلا من كان [صفحة 25] يعرفها قبل ذلك) (1). والحق إن هذا الأمر حقيقة وجدانية؛ إذ ما من منصف وصاحب وجدان سليم إلا ويقطع بأن العلم بالفتنة قبل وقوعها، إن لم يكن سبباً للنجاة منها، فعلى الأقل يكون العلم بها مهوناً لما سيلقاه الإنسان حين الفتنة والتمحيص. ثم إني أقول أيها المحب إن العلم بالفتنة وحده لا يكفي تمام الكفاية إذ النجاة متوقفة - إضافة على العلم والمعرفة - على خلوص القلب، وإخلاص العمل، وصدق الإنقطاع لأهل البيت عليهم السلام بنحو عام، وإمام زماننا عليه السلام بنحو خاص، ويأتي بعد ذلك التوفيق الذي هو في الدرب خير رفيق. وختاماً أيها العزيز، فهل عرفت الحكمة البالغة من دراسة هذه الأحاديث الشريفة، والاعتبار بمضامينها، والتبصر بمعانيها؟ وهل هناك حكمة يطلبها الإنسان المستقيم غير الهداية؟ وهل هناك عاقبة يريدها المخلصون غير الكون مع الحجة بن الحسن العسكري صلوات الله عليهما في الدنيا والآخرة؟ أسئلة، واستفهامات أترك الجواب عليها إليك .... [صفحة 26] الفائدة الثالثة * إنتظار الفرج قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (أفضل أعمال أمتي: إنتظار الفرج) من الله عز وجل (٢). وقال إمامنا الصادق صلوات الله عليه: (من مات منكم على هذا الأمر) منتظراً له، كان كمن كان في فسطاط) القائم عليه السلام)(*). والأحاديث المعصومية الشريفة في هذا المعنى كثيرة جداً؛ وذلك أنها تتناول مسألة مهمة في غاية الضرورة ومسيس الحاجة في حياة أهل الإيمان الصادق والتشيع الثابت. وهذا ما يدفعني لأن أقف بعض الشيء كي أنبه وأذكر نفسي أولاً، وأخوتي في الولاء والمحبة لآل الرسول صلوات الله عليهم ثانياً. إذ أن عقيدة الإنسان وسيرته الدينية والدنيوية في زمان غيبة إمامنا صلوات الله عليه، لهما الأثر الكبير بعد توفيق الله سبحانه وتعالى، ورعاية الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام: في سلامة عاقبة الإنسان وكمال موقفه حين الظهور الشريف (۱) مراده صلى الله عليه وآله: إنتظار فرج إمام زماننا عليه أفضل الصلاة والسلام. (۲) عن كمال الدين وتمام النعمة ج ٢ ص ٦٤٤ - ٣ . (۳) أي الكون على المذهب الاثني عشري الأقدس، والاعتقاد بإمام زماننا صلوات الله عليه والتمسك بعروته الإلهية التي لا تنفصم أبداً، والتشبث بأذيال الطاقه المباركة .. (٤) القسطاط بضم القاء أو كسرها هو البيت من الشعر. [صفحة 27] أولاً، وكذا نجاته من الفتن والإبتلاءات الشديدة ثانياً . ومن هنا يأتي السوال واضحاً صريحاً: إذن، ما العمل؟ والجواب: هو إنتظار الفرج! ولكن، بأي معنى؟ أهو بالتصبر على مرارة الزمن وطول فترة إنقضائه، وتحمل مكاره الدنيا وما يصدر من أشرار أبنائها حتى يحين موعد الخلاص الواقعي؟ أم هو التكالب على الدنيا مع التستر بشعارات الولاء له صلوات الله عليه؟ فلا هذا، ولاذاك إنما الحقيقة: أن إنتظار الفرج يتجلى في بعدين: الأول - قلبي عقائدي: حيث تنشد القلوب الصادقة بمعرفة إمامها صلوات الله عليه، ويعمر باطنها بذكره الأقدس، وتُشرِقُ فيها شمس الولاية الحقة، وتنطلقُ الألسنة وفية بإخلاص القلوب وانقطاعها الى الناحية المقدسة صلوات الله عليها: (اللهم ولا تسلبنا اليقين لطول الأمد في غيبته، وإنقطاع خبره عنا، ولا تنسينا: ذكره، وإنتظاره، والإيمان به، وقوة اليقين في ظهوره، والدعاء له، والصلاة عليه؛ حتى لا يقنطنا طول غيبته من قيامه، ويكون يقيننا في ذلك كيفيتنا في قيام رسولك صلواتك عليه وآله، وماجاء به من وحيك وتنزيلك، فقو قلوبنا على الإيمان به ...... (۱). [صفحة 28] والثاني - سلوكي عملي: و ميدانه نفس الإنسان أولاً، ثم بيته أو أي مكان تعود إليه رعايته، ثم مجتمع محبي أهل البيت عليهم السلام، ثم المجتمعات التي عاشت الضلالة والإنحراف عن أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم ومذهبهم الحق لعلهم يهتدون. وذلك إنما يكون بنشر معاني الفضيلة والإستقامة قولاً وعملاً، والوقوف في وجه المفاسد والضلالات والرذائل بكل أنواعها بحسب المكنة والاستطاعة. ولا يخفى عليك أيها المحب اللبيب أن هذه المعاني لا تتحقق إلا بتهذيب النفوس، وتربية المجتمعات، وإنقاذها من الإنجراف في طرق المتاهة والمضلة. وسبيلنا في ذلك هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر علوم أهل البيت عليهم السلام، وبث أفكارهم الشريفة في كل زاوية وناحية، فإن لم يفد، ولم ينفع، أو وقف الظالمون المتجبرون من سلاطين أو أصحاب علم، أو ذوي مال وجاه، فالجهاد في سبيل الله وحمل السلاح وبذل الدماء، ويصدق المتنبي إذ يقول: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يُراق على جوانبه الدم أو ما يقوله أبو تمام الطائي: السيف أصدق أنباءاً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب [صفحة 29] وأصول أحكامهم الشريفة؛ كي تقر عيوننا بفضلهم صلوات الله عليهم ونكون قرة عين إمام زماننا صلوات الله عليه. وبذاك يتضح لك أيها العزيز المعنى الإجمالي لإنتظار الفرج في زمن الغيبة الشريفة في بعديه القلبي العقائدي، والسلوكي العملي . [صفحة 31] وبعد التمهيد فصول [صفحة 33] الفَصْلُ الأوّلُ دراسة سريعة لأهم فتن عَصْر الظهور الشريف [صفحة 35] مقدمة: قانون الفتنة لابد أن يجري بكل فصوله وأبعاده في حياة البشرية بنحو عام، وفي المجتمع المؤمن على اختلاف مراتبه الإيمانية بنحو خاص. وهذا قرآنا العزيز يصدع في آذاننا: أحسب الناس ان يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون . ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين). فالفتنة والإختبار سنة إلهية جارية والتمحيص لا بد منه: وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق (1) الكافرين . أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين). والحقيقة أن الفتنة والإختبار والتمحيص والإبتلاء، إنما هي في عالم القلوب ومكنون الضمائر لتنقية تلك القلوب من شوائبها أولاً؛ ليعود ذلك بتنقية المجتمع المؤمن المخلص ثانياً. فهاك اسمع ما يقوله كتابنا الكريم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور). (1) الآيتان الشريفتان (۲) و (۳) من سورة العنكبوت المباركة ... (۲) بمحق: يهلك، ويقني . [صفحة 36] وآية أخرى صريحة جامعة لكل هذه المعاني الشريفة وغاياتها المقدسة: أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذينَ جَاهَدُوا مِنكُم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (1). وقد ورد عن أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم، تفسير هذه الآية الشريفة، وبيان معناها الواقعي الذي لاغبش عليه، وذلك ما رواه شيخنا أبو جعفر الكليني (ره): ) عن عبد الله بن عجلان، عن أبي جعفر عليه السلام، في قوله تعالى: ام حسبتم أن تركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة)، يعني بالمؤمنين الأئمة عليهم السلام، لم يتخذوا الولائج من دونهم ((٢). وقد روى (ره) أيضاً في موضع آخر من كتاب الكافي الشريف عن إمامنا أبي محمد الحسن العسكري صلوات الله عليهما: (عن إسحاق بن محمد النخعي، قال: حدثني سفيان بن محمد الضبعي، قال: كتبت الى أبي محمد أسأله عن الوليجة، وهو قول الله تعالى: ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة، قلت في نفسي - لا في الكتاب - من ترى المؤمنين ههنا؟ فرجع الجواب: الوليجة الذي يُقام دون ولي الأمر. وحدثتك نفسك عن المؤمنين: من هم في هذا الموضع؟ [صفحة 37] فهم الأئمة الذين يؤمنون (1) على الله فيُجيز أمانهم) (1) . وجاء في تفسير القمي (ره) عن إمامنا الباقر صلوات الله عليه في معنى هذه الآية الشريفة: (يعني بالمؤمنين: آل محمد، والوليجة: البطانة)) . وأما في كتب اللغة فقد جاء في مجمع البحرين لشيخنا الطريحي (ره): (وليجة الرجل: بطانته، ودخلاؤه، وخاصته، وما يتخذه معتمداً عليه) (1) . ولا حاجة أيها المحب - بعد هذه البيانات الشريفة - أن أقول شيئاً، الوضوح المراد وتبيان غاية المقصود بما فاضت به شفاههم القدسية صلوات الله عليهم. إلا أني أردف الى هذه الحقيقة التي تم بيانها حقيقة أخرى كشفت لنا الأحاديث المعصومية الشريفة عن عُمق معناها، ودقيق محتواها، ومن ذلك على سبيل الإشارة والمثال مارواه شيخنا الأجل أبو الحسن علي بن إبراهيم القمي رضوان الله تعالى عليه وعلى أبيه في تفسيره الشريف في قوله تعالى: لتركبن طبقاً عن طبق): ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لتركبن سُنَّة من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة)، ولا تخطون طريقتهم: شبر بشر، وذراع (1) يؤمنون: أي يعطون الأمان الأخروي لمن شاءوا، بل وحتى الأمان الدنيوي فذلك من بعض شؤونات ولايتهم الإلهية الكلية التي نالوها بفضل الله سبحانه وتعالى وإذنه وأمره. (۲) عن الكافي الشريف ج ١ ص ٥٠٨ ٩. (۳) عن تفسير القمي (ره) ج ۱ ص ۲۸۳ (٤) عن مجمع البحرين ومطلع النيرين ج ۲ ص ٣٣٥ مادة ولج. [صفحة 38] بذراع، وباع) باع، حتى أن لو كان من قبلكم دخلَ جُحر ضب لدخلتموه. قالوا (۴): اليهود والنصارى تعني يا رسول الله؟ قال: فمن أعني؟ لينقض عرى الإسلام عروة عروة، فيكون أول ما تنقضون من دينكم الإمامة وآخره الصلاة) (۳) ومما رواه المخالفون في هذا المعنى: ماذكره شيخنا المجلسي (ره) في بحاره الشريف عن أبي هريرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم، ذراعاً بذراع، وشبراً بشبر، وباعاً يباع، حتى لو أن أحداً من أولئك دَخَلَ جُحْر ضب لدخلتموه. قالوا: يارسول الله، كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب؟ قال: فهل الناس إلا هم؟)) . وروى منهم أيضاً في هذا المضمون علامتهم الحمويني في فرائد السمطين، وغيره أيضاً. فيظهر لنا أيها المحب من دينك الحقيقتين المذكورتين: أن الفتنة لابد من وقوعها، وأن ماجرى على الأمم الماضية يجري في هذه الأمة، بل إن ماجرى في أول هذه الأمة سيجري في آخرها كما سيتبين لك (1) الباع وحدة قياسية قديمة مقدارها: مد البدين. (۲) واو الجماعة في: «قالوا يعود على من كان يحدثهم النبي صلى الله عليه وآله. (۳) عن تفسير القمي (ره) ج ٢ ص ٤١٣ [صفحة 39] ذلك من الأحاديث الشريفة الآتية. وهي ذي نفس الحقيقة التي يتحدث عنها الباحثون في علم فلسفة التأريخ من: (أن التأريخ يعيد نفسه) ومن هنا جاءت الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث المعصومية الشريفة حالة وموجهة وآمرة في بعض الأحيان بالتدير والتفكر بأحوال الأمم الماضية وما جرى عليها لأجل الاعتبار بعواقب أمورها، وما آل إليه حالها، وما نالته من نتائج أعمالها . وكيف كانت سيرتها؟ وأي شيء جرى على أنبيائها وأوصيائها، على نبينا وآله وعليهم أفضل الصلاة والسلام، وما واجهه المؤمنون من مصاعب الطريق، وامتحانات الهداية، وتمحيص الحق من الباطل؟ كل ذلك له مدخلية وسيعة في تلمس طريق النجاة والخلاص من فتن عصر الظهور الشريف في نصرة إمام زماننا صلوات الله وسلامه عليه والتسليم لأمره والانقياد لطاعته وتسخير العقول والقلوب والنفوس وما حوت المراده الأقدس عليه أفضل الصلاة والسلام. أقول: سيدي ومولاي، وأملي، ومعتمدي: ) متى نَرِدُ مناهلك) الروية فتروى؟ متى تنتقعُ) مِن عَذْبِ مَائِكَ فقد طال الصدى؟ متى نُغادِيكَ وتراوحك فتقر عيناً؟ متى ترانا ونراك وقد (1) المناهل: جمع منهل وهو مورد الماء، وعينه. [صفحة 40] نشرت لواء النصر؟ ترى أترانا نحف بك) وأنتَ تَأمُّ الملأ، وقد ملأت الأرض عدلاً، وأذقت أعداءك هواناً وعقاباً، وأبرت) العناة وحدة الحق، و قطعت دابر المتكبرين، واجتثبت أصول الظالمين، ونحن نقول: الحمد لله رب العالمين؟)). سيدي، ورجائي، ومناي: أهذه استفهامات حائرة، أم أمنيات عذاب، أم صدى جياش من غليل القلوب، أم هي دموع الوجدان والضمير لأجل غيبتك التي ناجاك فيها قبل وقوعها جدك الصادق صلوات الله عليه حيث يقول والدموع مسفوحة: سيدي غيبتك نَفَتْ رُقادِي، وضيقتْ عليَّ مِهادِي، وابتزت) مني راحة فوادي، سيدي غيبتك أو صلتْ مُصابي بفجائع الأبد ....)) . أم هي آهات عاشق أضناه وجده والمه، أم هي زفرات مستضعف عيونه على الدرب منتظرة، أم هي، أم هي أم هي ....؟؟؟!!! حيرة بعدك سيدي ... وحيرة ... وحيرة ...!!! (۱) نحف بك: أي نحيط بك، وتستدير عليك، وتطوف حولك. (۲) أبرت: أهلكت، وأفنيت . (۳) اجتئت: استأصلت، أو قلعت من الأصل (٤) عن المفاتيح الشريف ص ٥٣٧، من دعاء الندية المبارك. (5) الصدى هنا رجع الصوت. (٦) مهادي: فراشي . [صفحة 41] الى متى أحار فيك يا مولاي والى متى؟! وأي خطاب أصفُ فيك؟! .......!وأي نجوى؟ وحسرة سيدي في القلوب ... وحسرة ... وحسرة وحسرة ... فقد (سبي أهلك كالعبيد، وصفدوا) في الحديد، فوق أقتاب المطيات، تلفح وجوههم حر الهاجرات (1)، يُساقون في البراري والفلوات، أيديهم مغلولة الى الأعناق، يُطاف بهم في الأسواق ....)). سيدي، سيدي، سيدي ... إن صحن بالطف نساء لنا سندخل الصيحة في كل دار أو تبكي أطفال صغار لنا سنأخذُ القَوْمَ بِذُلِّ الصغار (٦) أو قُتِلَ السبط فلابد أن تدرك مافات ببيض الشفار (۳) (1) عن المفاتيح الشريف ص ٥٣٦ وص ٥٣٧، من دعاء الندبة المبارك. (۲) صفدوا قيدوا من أرجلهم وشدوا شداً وثيقاً. (۳) افتاب جمع قتب، وهو رحل البعير ويكون صغيراً بقدر السنام. (٤) الهاجرات: جمع هاجرة وهو وقت اشتداد الحر عند منتصف النهار والزوال وما بعده؛ لأن الناس يسكنون فيه في بيوتهم، ولا يخرجون منها لشدة الحر، وكأن بعضهم قد هجر بعضاً. (٥) عن البحار الشريف ج ۱۰۱ ص ۳۲۲، من الزيارة الشريفة المعروفة بزيارة الناحية المقدسة صلوات الله عليها. (٦) الصغار: الذل والضيم، والمراد هنا ذل الذل أي أشده. [صفحة 42] وهنا تنبيهات: أولاً - سأذكر بين يديك أيها المحب أهم الامتحانات التي سيختبر فيها أصحاب إمامنا صلوات الله عليه حين ظهوره الشريف، وما يرافق مسيرة الفتح العالمي من فتن شديدة؛ لأجل تمحيص القلوب المخلصة، وتمييزها عن غيرها؛ كي يعرف كل إنسان قدره، ولا يتعدى طوره؛ ليعود ذلك بالنفع على عموم المجتمع الإنساني، في ظل تعاليم وأحكام آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين. ثانياً - سيكون البحث في دراسة هذه الإبتلاءات العظيمة والدقيقة في نفس الوقت - عظيمة في غاياتها ومضامينها، ودقيقة في نتائجها وما يتمخض عنها موجزاً دون إخلال في ذكر الأمور المهمة التي لها علقة بموضوعنا الذي بين أيدينا . ثالثاً - ما سأذكره من الروايات الشريفة في جهات البحث المختلفة ليس على سبيل الاستقصاء، وإنما سأحاول أن أذكر بين يديك أيها العزيز، أهم الأحاديث الشريفة التي أجد أنها تفي بالغرض والمقصود إن شاء الله تعالى. كل ذلك فراراً من التطويل، وكبر حجم الكتاب، والله الموفق تعالى شأنه وتقدس. [صفحة 43] الفِتْنَةُ الأولى مَجيئُهُ شابّاً صَلَواتُ اللهِ عَليهِ حين الظهور الشريف [صفحة 45] الوقفة الأولى: يُحدثنا إمامنا الصادق صلوات الله عليه، فيقول: ) لو قد قام القائم عليه السلام لأنكره الناس؛ لأنه يرجع إليهم شاباً موفقاً)، لا يثبت عليه إلا مؤمن (1) قد أخذ الله ميثاقه في الذر الأول) . روى ذلك شيخنا النعماني (ره) في غيبته ص ۲۱۱ ح ۲۰، وذكر (ره) مثله أيضاً في نفس الكتاب المذكور ص ۱۸۸ ح ٤٣، وشيخنا الطوسي (ره) في غيبته ص ٢٧٤، وشيخنا المجلسي (ره) في بحاره الشريف ج ٥٢ ص ۲۸۷ ح ٢٣ و ٢٤. ونقل (ره) هذا المعنى في بحاره الشريف في موضع آخر عن السيد علي بن عبد الحميد (ره) في غيبته: ) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو خرج القائم عليه السلام بعد أن أنكره كثير من الناس، يرجع إليهم شابًا، فلا يثبت عليه إلا كل مؤمن أخَذَ الله ميثاقه في الذر الأول)) . (۱) شاباً موفقاً: تصف العرب بذلك من كان رشيداً في عقله جميلاً في وجهه، متناسقاً في أعضاء بدنه، معروفاً في خيره وصلاحه. (۲) المؤمن هنا هو الشيعي الإثنا عشري فقط، وغيره ليس بمؤمن كما عليه إتفاق كلمات فقهائنا الأجلاء ومراجعنا العظام - أعلى الله تعالى مقاماتهم - . [صفحة 46] وفي رواية أخرى عن صادق العترة صلوات الله عليه وعليها: (وإن من أعظم البلية أن يخرج إليهم صاحبهم شاباً وهُم يحسبونه شيخاً كبيراً)) . [صفحة 47] الوقفة الثانية: روى شيخنا الصدوق (ره)، عن إمامنا الرضا صلوات الله عليه حديثاً شريفاً جاء فيه: (... وإن القائم هو الذي إذا خرج كان في سن (1) الشيوخ ومنظر الشبان، قوياً في بدنه، حتى لو مد يده الى أعظم شجرة على وجه الأرض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها، ......) (٢). وجاء هذا الحديث الشريف مذكوراً في بحار الأنوار، وحلية الأبرار وإثبات الهداة، وكشف الغمة، وإعلام الورى، وغير ذلك من الكتب الأخرى. وقد روى شيخنا الصدوق (ره) أيضاً، (عن أبي الصلت الهروي قال: قلت للرضا عليه السلام: ما علامات القائم منكم إذا خرج؟ قال: علامته أن يكون شيخ السن، شاب المنظر، حتى أن الناظر إليه ليحسبه ابن أربعين سنة أودونها، وإن من علاماته أن لا يهرم بمرور الأيام والليالي حتى يأتي أجله)) . ويقول إمامنا أبو محمد الحسن المجتبى صلوات الله عليه في حديثه الشريف عن قائم آل محمد صلوات الله عليه وعليهم: (... ذلك التاسع من ولد أخي الحسين، إبن سيدة الإماء، يُطيل الله عمره في غيبته، ثم يُظهره (1) كناية عن طول غيبته الشريفة. [صفحة 48] بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة، وذلك ليُعلم أن الله على كل شيء قدير) (1) . بل جاء في الرواية الشريفة عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه: ) ويظهر في صورة شاب موفق إبن إثني وثلاثين سنة، حتى ترجع عنه طائفة من الناس، ...) (٢) . وروى شيخنا الطوسي (ره) في غيبته عن صادق العترة صلوات الله عليه وعليها، أنه قال: (ويظهر في صورة فتى موفق إبن ثلاثين سنة) (۳). توضيح: التباين في تحديد السن الذي يظهر على صورته ومنظره، إمامنا صلوات الله عليه، راجع الى اختلاف آراء الناس في تحديد ذلك حين نظرهم إليه ورؤيتهم إياه بعد غيبته الشريفة، إذ بعضهم يعتقد أنه إبن أربعين سنة، وبعضهم يعتقد دون ذلك. والمسألة هيّنة المؤونة؛ إذ التحديد هنا ليس لعمره الشريف واقعاً، وإنما تحديد تقريبي لما يرونه من شباب وفتوة في مظهر إمامنا صلوات الله عليه ومنظره الشريف. وزبدة المخض: أنه صلوات الله عليه يكون في ظهوره الشريف في منظر الشباب من الأربعين فما دون، والأمر سهل . (۱) عن كمال الدين ج ١ ص ٣١٦ من ح ٢. [صفحة 49] الوقفة الثالثة: وتذكر لنا الأحاديث المعصومية الشريفة إضافة الى كونه عليه السلام في منظر الشباب، فإن أصحابه من الشباب أيضاً، وليس فيهم من الكهول إلا القليل . حيث يقول سيد الأوصياء صلوات الله عليه وعليهم: (إن أصحاب القائم شباب لا كهول فيهم إلا كالكحل في العين)، أو كالملح في الزاد)، وأقل الزاد الملح)). ويقول إمامنا الصادق عليه السلام متحدثاً عن أصحاب إمامنا صلوات الله عليه: ) بينا شباب الشيعة على ظهور سطوحهم نيام إذ توافوا الى صاحبهم في ليلة واحدة على غير ميعاد، فيصبحون بمكة)) . فانتبه أيها المحب الى قوله صلوات الله عليه: «بينا شباب الشيعة ....، حيث لم يذكر عليه السلام كهولاً أو شيوخاً؛ لكثرة الشباب في أنصاره وأعوانه صلوات الله عليه وغلبتهم والتفت أيضاً الى إشارة لطيفة في الرواية الشريفة تنبئ أن الظهور الشريف سيكون في وقت الصيف حيث (۱) و (۲): يضرب بهما المثل عند العرب في القلة القليلة جداً. (۳) عن غيبة النعماني (ره) ص ۳۱٦ ح ۱۰، وروى مثله شيخنا الطوسي (ره) في غيبته ص ۲۹۸ [صفحة 50] تقول هذه الرواية الكريمة في وصف شباب الشيعة الأوفياء أنهم: «على ظهور سطوحهم نيام، وهي عادة معروفة في بلاد الشرق التي تشتد حرارتها في فصل الصيف. وأكثر الشيعة يقطنون في مثل هذه الأصقاع. ولا أخفي عليك أيها العزيز فإنّي قد راجعت أكثر كتب اللغة المعروفة وبالأخص مطولاتها المشهورة؛ بحثاً عن معنى الكهل، فوجدتها متفقة على أن أول من الكهولة هو ما بعد الثلاثين، بل ربما جعل بعض اللغويين الثلاثين من سن الكهولة، وأما آخرها فالخمسون. وهناك من قال بالأربعين. والمشهور أن سن الكهولة ما بعد الثلاثين الى الخمسين. ولو لم يكن المقام موجزاً لنقلت لك تمام كلماتهم في ذلك. وأظن أن في الذي ذكرته كفاية ووفاء. وأختم القول بكلام نوري حاكم على كل قول على الإطلاق، ذاك كلام إمامنا الصادق صلوات الله وسلامه عليه، إذ يقول: ) إذا زاد الرجل على الثلاثين فهو كهل، وإذا زاد على الأربعين فهو شيخ) (1) . [صفحة 51] الوقفة الرابعة: يُحدثنا الصحابي الجليل الورع الفقيه محمد بن مسلم الثقفي الطحان (ره) فيقول: (دخلت على أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام، وأنا أريد أن أسأله عن القائم من آل محمد صلى الله عليه وعليهم، فقال لي مبتدئاً: يا محمد بن مسلم، إن في القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله شبها من خمسة من الرسل: يونس بن متى، ويوسف بن يعقوب، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليهم: فأَما شَبَهه من يونس بن متى فرجوعه من غيبته وهو شاب بعد كبر .........السن ويقول إمامنا الصادق صلوات الله عليه: (إن صالحاً عليه السلام غاب عن قومه زماناً، وكان يوم غاب عنهم كهلاً، مبدح (1) البطن، حَسَن الجسم، وافر اللحية، خميص البطن، خفيف العارضين، مجتمعاً (۳)، ربعة من الرجال، فلما رجع الى قومه لم يعرفوه بصورته، فرجع إليهم وهم على ثلاث طبقات: طبقة جاحدة لا ترجع أبداً، وأخرى شاكة فيه، وأخرى على يقين. (۱) عن كمال الدين ج ۱ ص ۳۲۷ من ح ۷. (۲) مبدح البطن واسع البطن أو عظيم البطن. [صفحة 52] فبدأ عليه السلام - حيثُ رَجَعَ - بالطبقة الشاكة فقال لهم: أنا صالح فكذبوه وشتموه وزَجَروه، وقالوا: بَرى الله منك، إن صالحاً كان في غير صورتك. قال: فأتى الجحاد فلم يسمعوا منه القول ونفروا منه أشد النفور. ثم انطلق الى الطبقة الثالثة وهم أهل اليقين فقال لهم: أنا صالح، فقالوا: أخبرنا خبراً لا نشك فيك معه أنك صالح، فإنا لا نمتري (1) أن الله تبارك وتعالى الخالق ينقل ويُحوّل في أي صورة شاء، ...) (۲)، الى أن تقول الرواية الشريفة: ) فلما ظهر صالح عليه السلام اجتمعوا عليه، وإنما مثل القائم عليه السلام مثل صالح) (٤). بيان: وجه المشابهة بين إمامنا صلوات الله عليه، ونبي الله صالح على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام من جهتين: الأولى - غيبته عن قومه وأتباعه وشيعته وخروجه إليهم في صورة تختلف عن الصورة التي كانوا يظنون أنه عليه السلام يخرج عليها. وهذا ما سيكون أيضاً عند خروج إمامنا صلوات الله عليه. الثانية - حال الناس في مواجهة نبيهم صالح على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام من جاحدين وشاكين وأهل يقين، وهذا سيكون بعينه أيضاً في زمان ظهور إمامنا صلوات الله عليه. [صفحة 53] الوقفة الأخيرة عرفت أيها المحب من الوقفات المتقدمة شيئاً عن هذه الفتنة وما يتعلق بها إستناداً لما ورد عن المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين من أحاديث شريفة تتعلق بهذا الموضوع وشيء من شؤوناته . ولا أريد الإطالة عليك إنما أحاول أن أشير إلى أهم الأسباب التي تؤدي الى السقوط في هذه الفتنة والتي يمكن تلخيصها في ما يأتي: أولاً - الجهل بأحاديث أهل البيت عليهم السلام التي تحدثوا فيها عن إمام زماننا صلوات الله عليه وكيفية خروجه، وما يكون في عصر غيبته الشريفة وظهوره الشريف . إذ علم الإنسان بالحدث قبل وقوعه يعطيه نوعاً من الحصانة في مواجهة الحدث وملابساته فلا يرتبك شديد الارتباك، ولا يضطرب كاضطراب المفاجئ بالحدث من دون علم مسبق. ثم إن العلم بالحوادث والفتن قبل وقوعها يدفع الإنسان المؤمن الى السعي المعرفة وسائل الخلاص منها وتحصيل سبل الفوز والنجاح فيها، وهذا ما يخفف وطئة الحيرة التي تنتاب الناس حين الفتنة بنحو عام، وأهل الإيمان بنحو خاص. ومن هنا يسعى أعداء الدين من أعوان الشيطان وجنده - سواء ممن يدعي التشيع أو من غيرهم - الى إثارة [صفحة 54] وإبعاد شبابنا ومجتمعنا عن التمسك بالعروة الوثقى وإلهائهم بكلِّ شيءٍ علمياً كان أم فكرياً، معنوياً كان أم مادياً؛ لأجل طمس معالم الهدى في قلوب أبناء التشيع والولاء . وذلك أن العيش مع أحاديث سادتنا صلوات الله عليهم يوصل الإنسان الى شاطئ الأمان، اللهم إلا من خبثت سريرته، واسودت طويته (1)، وطغت أنانيته، وهاجت شهوته، وازداد في الدنيا طمعه ورغبته. ثانياً - التقليد الأعمى والنعيق الضال لفكرة لا نصيب لها من الثبات ولا أساس لها من الصحة وفقاً للموازين الشرعية والعقلية، وتلك هي: أن قادة الأمة، وزعماء الطائفة، ورؤساء الناس لابد أن يكونوا شيوخاً طاعنين في السن. علماً أنا لو راجعنا حياة النبي والأئمة صلوات الله عليهم لوجدنا أن غالب اعتمادهم في أمورهم وولايتهم على الشباب، فعمار بن ياسر وميثم التمار، وجابر بن يزيد الجعفي، وهشام بن الحكم، والمفضل بن عمر، وجميل بن دراج، وآل أعين وأضرابهم من عيون الأصحاب وفقهاء الطائفة وعلمائها وعبادِها وحَمَلة أسرارها - رضوان الله تعالى عليهم جميعاً، وعلى نظرائهم الباقين - كانوا في الغالب شباباً، بل كان فيهم من هو مقدم على غيره وهو دون سن العشرين حتى جاء في بعض الروايات الشريفة عن يونس بن يعقوب، عن صادق العترة صلوات الله عليه وعليها: [صفحة 55] ..... وكان أبو عبد الله عليه السلام - قبل الحج، يستقر أياماً في جبل في طرف الحرم في فازة (۱) له مضروبة - قال: فأخرج أبو عبد الله عليه السلام رأسه من فازته فإذا هو يبعير يَخُبّ (۲)، فقال: هشام ورب الكعبة، قال: فظنا أن هشاماً رجل من ولد عقيل كان شديد المحبة له. قال: فورد هشام بن الحكم وهو أول ما اختطت لحيته، وليس فينا إلا من هو أكبر سناً منه، قال: فوسع له أبو عبد الله عليه السلام وقال: ناصرنا بقلبه ولسانه ويده .... (۳)، وفي آخر هذه الرواية الشريفة يخاطب إمامنا الصادق صلوات الله عليه هشاماً فيقول: .... مثلك فليكلم الناس ....) . ومثل هذه المعاني في رواياتنا المعصومية الشريفة شيء كثير. ويُضاف الى كونه صلوات الله عليه في سن الشباب، أن أصحابه وخاصته ووزراءه وأعوانه يغلب عليهم الشباب، وهذا ما سيكون مستصعباً لبعض من شيوخ السن، وطوال الأعمار وذلك أننا نلمس أمراً واقعياً هو: أن الشيوخ - بنحو عام - أو من تكون بأيديهم الأمور منهم ـ بنحو خاص - يستصغرون الشباب مهما كانوا يملكون من قدرات وملكات وهذا ما ستظهر آثاره واضحة بنحو أكثر، فيما لو صار التابع في زمان الغيبة متبوعاً في زمان الظهور، والمتبوع تابعاً، إذ سيكون مثل هذا الأمر ثقيلاً على (1) الفازة: الخيمة الصغيرة . [صفحة 56] النفوس والقلوب مما يدفعها للوقوف في وجه الإمام عليه السلام، أو على الأقل الانحراف عنه وعدم التسليم الواقعي لما يريده ويأمر به صلوات الله وسلامه عليه حيث تبدأ النفوس المريضة والقلوب المنكوسة والضمائر الخبيثة ببث سمومها هنا وهناك بنشر أراجيفها، وخدعها، وأساليبها الملتوية وإشكالاتها الشيطانية المصبوغة بصبغة الشريعة، وحينئذ تظهر خستها ودناءتها وضلالتها التي كانت مغلفة بألف غلاف وغلاف أيام غيبته الشريفة إلا أن الحق يعلو ولا يعلى عليه . وهل الحق بل حقيقة الحق غير إمام زماننا صلوات الله عليه؟! ثالثاً - عدم التبصر بأحوال الأمم السابقة، وما كان عليه الأنبياء والأوصياء على نبينا وآله وعليهم أفضل الصلاة والسلام، وكذا ما كان في هذه الأمة من أحوال نبينا الأعظم وأئمتنا الأطهار صلوات الله عليهم جميعاً. إذ معرفة هذه الأمور والتدبر فيها يكشف عن كثير من المعضلات إذا ما اشتدت الفتنة واشتد أوارها . والله تعالى هو الموفق والهادي الى سواء السبيل. وإني ذاكر لك أيها المحب الودود أموراً تتعلق بهذا الخصوص لعل فيها شيئاً من المنفعة: [صفحة 57] )أ( لو نظرت أيها المحب الى الذي يحدثنا به القرآن الكريم عن أنبياء الله على نبينا وآله وعليهم أفضل الصلاة والسلام، لوجدت أن فيهم من كان في مهده وهو من أولي العزم من الأنبياء والرسل. فهذا روح الله عيسى على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام، إذ يخبرنا عنه قرآننا العزيز: فأشارت إليه، قالوا كيف تكلم من كان في المهد صبيا، قال: إني عبد الله أتاني الكتاب وجعلني نبيا (1) . وماجاء عن النبي الشهيد يحيى على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام، حيث يقول كتابنا الشريف: يا يحيى خُذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (1). ولقد حدثنا نبينا صلى الله عليه وآله، وأئمتنا المعصومون صلوات الله عليهم عن أنبياء الله وحياتهم وما كان فيها من وجه عبرة وعظة، فهذا إمامنا الباقر صلوات الله عليه يحدثنا فيقول: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله سأل جبرئيل: كيف كان مهلك قوم صالح؟ فقال: يا محمد إن صالحاً بعث الى قومه وهو ابن ست عشر سنة ...) (۳). (1) الآيتان الشريفتان (۲۹) و (۳۰) من سورة مريم المباركة. [صفحة 58] وأظن يا عزيزي أن في هذه الأمثلة كفاية وهداية، وعبرة لمن أراد اعتبارا، وبصيرة لمن أراد استبصارا، فإني لا أريد الإطالة عليك وإنما أبتغي إختصارا. )ب( ولو أردت أيها العزيز أن تعرف مقادير أعمار نبينا صلى الله عليه وآله حين البعثة الشريفة، وأئمتنا عليهم السلام حين مباشرتهم لمنصب الإمامة بالفعل) فإني سأذكرها لك بالترتيب اعتماداً على ماجاء في كتبنا الحديثية والرجالية والتأريخية وما هو معروف بين علمائنا الأجلاء - أعز الله رايتهم بظهور إمامنا صلوات الله عليه -: . نبينا المصطفى صلى الله عليه وآله بعث في سن: (٤٠) سنة . ۰۲ إمامنا المرتضى صلوات الله عليه بدأت إمامته الفعلية الظاهرية بين الناس وهو في سن: (٣٤) سنة . ٣. سيدتنا الزهراء صلوات الله عليها كان لها من المنازل والمقامات فوق إدراك العقول وهي دون العشرين سنة، إذ أنها استشهدت وهي في سن: (۱۸) سنة . وقد روي عن إمامنا الزاكي العسكري صلوات الله عليه: (1) المراد من مباشرة أئمتنا عليهم السلام منصب الإمامة بالفعل؛ وذلك من حين شهادة الإمام [صفحة 59] ) نَحْنُ حُجَّةُ اللهِ عَلَى الخَلْقِ، وَفاطمةُ حُجَّةٌ علينا) . ٤. إمامنا الحسن المجتبى صلوات الله عليه، كانت إمامته الشريفة وهو في سن: (۳۸) سنة (٢) . ه. إمامنا وحبيبنا سيد الشهداء صلوات الله عليه، كانت إمامته القدسية وهو في سن: (٤٦) سنة (٣) . ٠٦ إمامنا السجاد صلوات الله عليه، كانت إمامته الشريفة وهو في سن: (۲۳) سنة . إمامنا الباقر صلوات الله عليه، كانت إمامته الشريفة وهو في سن: (۳۷) سنة . إمامنا الصادق صلوات الله عليه، كانت إمامته الشريفة وهو في سن: (۳۱) سنة . ٠٩ إمامنا الكاظم صلوات الله عليه، كانت إمامته الشريفة وهو في سن: (۲۰) سنة . ١٠. إمامنا الرضا صلوات الله عليه، كانت إمامته الشريفة وهو في سن: (٣٥) سنة . ۱۱. إمامنا الجواد صلوات الله عليه، كانت إمامته الشريفة وهو في سن: (۸) سنوات . (1) عن عوالم العلوم الشريف ج ۱۱ مع المستدركات صه في المقدمة، نقله عن تفسير أطيب البيان. [صفحة 60] ۱۲ . إمامنا الهادي صلوات الله عليه، كانت إمامته الشريفة وهو في سن: (۷) سنوات . ۱۳. إمامنا العسكري صلوات الله عليه، كانت إمامته الشريفة وهو في سن: (۲۲) سنة . ٠١٤ إمام زماننا الحجة بن الحسن صلوات الله عليهما، بدأت إمامته القدسية التي لازلنا نعيش في ظل بركاتها الدائمة وفيضها الذي لا ينقطع في سن: (٥) سنوات . عجل الله تعالى فرج إمامنا صلوات الله عليه ووفقنا لطاعته والتسليم لأمره في غيبته وحضوره . فيظهر لك بعد هذا أيها العزيز: أولاً - أن في الأئمة عليهم السلام من هو إمام معصوم مطلقة ولايته وهو دون العاشرة كإمامنا الجواد، وإمامنا الهادي، وإمام زماننا صلوات الله عليهم جميعاً. ثانياً - وأما الأئمة عليهم السلام الذين كانوا في العشرينات فهم: إمامنا السجاد، وإمامنا الكاظم، وإمامنا العسكري صلوات الله عليهم جميعاً . ثالثاً - وأما الأئمة عليهم السلام الذين كانوا في الثلاثينات فهم الأكثر عدداً: إمامنا أمير المؤمنين، وإمامنا الحسن المجتبى، وإمامنا الباقر، وإمامنا الصادق [صفحة 61] صلوات الله عليه حين الظهور الشريف كما بينت ذلك الأحاديث المعصومية الشريفة وقد تقدم ذكر بعضها قبل قليل . رابعاً - وأما الأربعينات فقد بعث فيها نبينا صلى الله عليه وآله، وفيها كانت إمامة سيد الشهداء صلوات الله عليه، وهي الأقل عدداً بالقياس الى ما تقدمها من الأسنان الشريفة والأعمار المباركة لهم صلوات الله عليهم . فهل يستغرب بعد هذا أن يأتي إمام زماننا عليه أفضل الصلاة والسلام يوم الفتح والخلاص في مظهر الشباب وفي صورة إبن الثلاثينات؟! وقد عرفت قبل قليل أن آباءه الأطهرين صلوات الله عليهم كان أكبرهم سناً حين ابتداء إمامته الشريفة سيد الشهداء عليه السلام وهو في سن دون الخمسين وإلا فالغالب عليهم سن الثلاثينات وما دونها. فالتفت الى ذلك ياعزيزي، فلرب أمر أبين من الشمس يكون خفياً على الناظرين. )ج( إن اعتراض المعترضين على صغر السن، أو إثارتهم الشكوك أو الطعن بكل أنواعه حين ظهور إمامنا صلوات الله عليه في سن الشباب ليس أمراً جديداً يواجهه أهل البيت عليهم السلام، بل كان أعداؤهم لعنة الله عليهم وأصحاب القلوب المنتنة يثيرون مثل هذه الزوابع بين آن وآخر. وهم يشابهون في ذلك اليهود حيث يحدثنا القرآن الكريم عنهم: [صفحة 62] ولذا نرى أنه حينما نزلت الآية الشريفة: وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين (1)) وكان ما كان من جمع النبي صلى الله عليه وآله لعشيرته ولحمته وتنصيب أمير المؤمنين إماماً ووصياً ووزيراً له - صلّى الله عليه وآله ـ عليهم تقول الأخبار والأحاديث: (فقام القوم يضحك بعضهم الى بعض ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع وتطيع لهذا الغلام) (1) . وليس خفياً عليك فإن عمر سيّد الأوصياء صلوات الله عليه وعليهم آنذاك: (۱۳) سنة؛ لأنه عليه السلام كان في العاشرة حين البعثة الشريفة وآية الإنذار نزلت على المشهور والمعروف بين أهل الحديث والتفسير بعد البعثة الشريفة بثلاث سنوات. وقد اتخذ أهل السقيفة هذا الأمر ذريعة أيضاً فزووا الخلافة عن صاحبها الحق بحجة واهية هي صغر السن، وقادوا الأمة من بدعة الى بدعة، ومن ضلالة الى ضلالة، حتى لم يبق بين الناس من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن الأرسمه. فلا يأخذك العجب بعد هذا ياعزيزي أن تسمع أقذر الخلق وأقبحهم الحجاج الثقفي لعنة الله عليه إذ يقول حين وصل الى مسامعه حديث عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (أما رسول الله (صلى الله عليه وآله، فما قال هذا، وأما علي بن أبي طالب (عليه السلام، فأنا أشُكُ هَلْ حكاه عن [صفحة 63] رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ وأما علي بن الحسين (عليهما السلام) فصبي مغرور يقول الأباطيل ويغر بها متبعوه ....) (1) . وأما إمامنا الباقر صلوات الله عليه فقد حدثنا عنه صادق العترة صلوات الله عليه وعليها حيث يقول: .... فجلس فحدثهم عن الله، فقال أهل المدينة: ما رأينا أحداً قط أجرأ من ذا . قال: فلما رأى ما يقولون، حدثهم عن رسول الله، قال أهل المدينة: ما رأينا أحداً قط أكذب من هذا يُحدث عمن لم يره، قال: فلما رأى ما يقولون حدثهم عن جابر بن عبد الله فصدقوه، وكان جابر والله يأتيه يتعلم منه) (٢) . أبشر هؤلاء أم بقى؟ ويجل البقر ومادونه - إي والله - عن تشبيه هؤلاء به؛ فإنهم قنعوا بحديث الإمام عليه السلام عن جابر (ره) لأنه أسن منه. وقد وقع في مثل هذه الفتنة بعض أصحاب إمامنا أبي جعفر الباقر صلوات الله عليهما بعد شهادته، وكان ما كان منهم مع إمامنا الصادق صلوات الله عليه؛ إذ يحدثنا ابن رئاب رضوان الله تعالى عليه، فيقول: ) سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول وهو ساجد: اللهم اغفر لي ولأصحاب أبي فإنِّي أعلم أن فيهم من ينقصني) . والذي يظهر من تتبع الروايات الشريفة أن من الذين سقطوا في هذه الفتنة (۱) عن العوالم الشريف ج ١٧ ص ٦٥٥ من ح ٢ . [صفحة 64] من كان على صلاح وسداد في زمن باقر العترة صلوات الله عليه وعليها، إذ يروي شيخنا الكشي (ره): (عن بريد العجلي قال: كنتُ أنا وأبو الصباح الكناني عند أبي عبد الله عليه السلام فقال: كان أصحاب أبي وَرَقاً لا شَوْكَ فيه، وأنتم اليومَ شَوْكَ لا وَرَقَ فيه. فقال أبو الصباح الكناني: جعلت فداك فنحن أصحاب أبيك! قال: كنتُم يومئذ خيراً منكم اليوم (1). وقد لاقى إمامنا التقي الجواد صلوات الله عليه ما لاقى من عنت الناس وأذاهم وتشكيكهم من الشيعة ومن غيرهم، بل حتى من أرحامه وعشيرته من الهاشميين، وكذا إمامنا أبو الحسن الهادي صلوات الله عليهما. وإن إمام زماننا صلوات الله عليه لقي ما لقي في أوائل غيبته الشريفة ممن كان من الهاشميين أو من الشيعة أو من غيرهم، ولازال المنحرفون عن جادة الحق، الجائرون عن صراط آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين يسخرون بعقيدتنا الشيعية الحقة؛ فمرة تسمع البهائية الضالة يصفون سيد الكون وصاحب الأمر والنهي: بقية الله وفقنا الله تعالى لأن نكون فداءاً لتراب حافر جواده الشريف، صلوات الله عليه: بالطفل المزعوم والصبي المعدوم)، لعنة الله عليهم، [صفحة 65] وأخرى تطالعنا كتب المخالفين لنرى محب الدين الخطيب، والذي هو محب لدين الضلالة، يقول ما يقول، ومن جملة ما يقوله في مدح أصحابه والتعريض بأهل البيت عليهم السلام وشيعتهم الأبرار: ) أما أهل السنة ........ ويعرفون لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أقدارهم، ويضعون الناس كلهم في المواضع التي أمر الله أن يكونوا فيها، فلاير فعونهم فوق بشريتهم، ولا يزعمون لأطفال مولودين يتبولون في حجور أمهاتهم أنهم أعلم من علماء الصحابة وهم في سن الكمال. ويقول أيضاً بهذا الخصوص في مقام آخر: لما توفي الحسن العسكري سنة ٢٦٠ وهو ابن ثلاثين سنة زعمت الشيعة أن له إبناً في سن الطفولة توارئ في سرداب بمدينة سامراء وأنه كآبائه معصوم و مصدر تشريع، والرقاع أوراق كانوا يكتبون فيها الأسئلة الشرعية ويضعونها ليلاً في ثقب شجرة قريبة من السرداب ثم يجدون جوابها في الصباح من الطفل صاحب الزمان بزعمهم . والمظنون أن الذين يجيبون على تلك الرقاع أشخاص ادعوا أنهم: باب صاحب الزمان، أولهم: عثمان فتولى بن سعيد العمري، ثم إبنه إبنه محمد بن عثمان الذي مات سنة ٣٠٥، البابية بعده الحسين بن روح التوبختي الى أن توفي سنة ٣٢٦، فأوصى بالبابية الى علي بن محمد السمري فكانت له البابية أو السفارة بين الشيعة [صفحة 66] والسرداب الى أن مات السمري سنة ۳۲۹، وبموته قالوا: إنه قد وقعت الغيبة الكبرى لصاحب الزمان والرقاع المزعومة كثيرة، منها رقاع علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، فإنه كان يظهر بين حين وآخر رقعة يزعم أنها بخط الطفل صاحب الزمان في جواب سواله، وأنه حصل عليها من طريق الحسين بن روح على يد علي بن جعفر بن الأسود. ومن الرقاع رقاع محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري القمي، وقد تكلمنا على الرقاع وقيمتها العلمية في مجلة الفتح (1) العدد ٨٤٤ الصادر في جمادى الآخرة ١٣٦٦) (٢) . وثالثة نسمع عزفاً على نفس هذا الوتر المسعور الذي صنعوه من شعر الخنازير، يُقرِّفُ أسماعنا يأتينا من عاصمة الضباب والضلال من أناس - ولا أناس - ينتسبون الى التشيع وهو يجل عنهم وعن أمثالهم. (1) مجلة مصرية تصدر عن دار الفتح. (۲) عن كتاب مختصر التحفة الإثني عشرية ص ٤٨، حاشية، والكتاب هذا مختصر من كتاب التحفة الأثنا عشرية، الذي ألفه باللغة الفارسية عبد العزيز الدهلوي الهندي وهو من أشد الكتب طعنا وعداءاً للتشيع وأهله، وقد ترجمه الى العربية غلام محمد بن محي الدين بن عمر الأسلمي واختصره بعد ذلك عالم مخالفي بغداد محمود شكري الآلوسي، وأعاد تحقيقه والتعليق عليه محب الدين الخطيب وقد رد على الأصل علامة الشيعة الأجل السيد مير حامد حسين الموسوي الهندي - نور الله تعالى مضجعه الشريف - بدائرة معارف كبرى في التحقيق والتتبع ذلك كتابه الشريف: (عبقات الأنوار)، فرد كيد العدى إلى نحورهم. وأما [صفحة 67] وقبلاً قال شاعرهم: ما أن للسرداب أن يلد الذي صورتموه بزعمكم إنسانا فعلى عقولكم العفاء لأنكم ثلثتم العنقاء والغيلانا فأجابه شاعرنا الأجل الأكمل السيد حيدر الحلي - رضوان الله تعالى عليه - مشطراً: ما آن للسرداب أن يلد الذي قد غاب عنكم نوره كتمانا؟ هو نور رب العالمين وإنّما صَوَّر تُموه بزعمكم إنسانا فعلى عقولكم العفاء لأنكم أنكر تُموا بجحوده القرآنا لو لَمْ تُشنّوا العِجَلَ ما قُلْتُمْ لَنا وثلثم العنقاء والغيلانا وهل ينتهي الأمر عند هذا يا عزيزي؟ أبداً فإن إمام زماننا صلوات الله عليه سيلقى ما يلقى حين ظهوره الشريف من أذى الناس واعتراضاتهم وتأويلاتهم أكثر مما لقي رسول الله صلى الله عليه وآله؛ وذلك ما تبينه الأحاديث المعصومية الشريفة بنحو صريح، والتي سيأتي ذكر بعضها في المباحث الآتية إن شاء الله تعالى . )د( لا أريد الإطالة عليك أيها المحب الودود، ولعل بعض إخواني في حبّ [صفحة 68] قد أسهبت بعض الشيء في ذكر أمور قد تكون بديهية عند الشيعة الأوفياء المخلصين. وقد يصح هذا الكلام، إلا أن الفتنة إذا أنشبت أظفارها في القلوب وزعزعت كل معرفة واطمئنان، فإن البديهيات حينئذ ستكون من أعقد المشكلات، وتقلب الفتنة وقتها شمس رائعة النهار، ظلمة حالكة حيث ترتبك الموازين، وتضطرب المقاييس، وتتطوح البراهين، الواحد تلو الآخر، ونتيجة كل ذلك فساد النتائج . إلا أني أنبه إخوتي الى تذكر ومراجعة الحوادث الكثيرة المبثوثة في كتبنا الحديثية الشريفة هنا وهناك والتي تبين لنا بوضوح رجوع كبار أصحاب الأئمة عليهم السلام، وفضلاء فقهائهم وأجلة علمائهم الى إئمتنا عليهم السلام وهم في عهد طفولتهم، بل وهم في المهد عليهم أفضل الصلاة والسلام وتحضرني رواية شريفة: عن محمد بن الحسن بن عمار قال: كنت عند علي (1) بن جعفر بن محمد جالساً بالمدينة، وكنت أقمتُ عنده سنتين أكتب عنه ما يسمع من أخيه - يعني أبا الحسن (1) عليه السلام - إذ دخل عليه أبو جعفر محمد بن علي الرضا عليه السلام المسجد - مسجد (1) كان صلوات الله عليه من عظماء الهاشميين، ومفاخر العلويين، ومن أشراف أسرة إمامنا الصادق عليه أفضل الصلاة السلام، ومن علماء آل محمد صلوات الله عليهم، وتلاميذ إمامنا باب الحوائج عليه أفضل الصلاة والسلام، ومن المخبتين المنقطعين إلى الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم جميعاً، رزقنا الله تعالى شفاعته، ووفقنا للتوصل به الى آبائه المعصومين عليهم صلوات [صفحة 69] الرسول صلى الله عليه وآله - فوثب علي بن جعفر بلا حذاء ولا رداء فقبل يده وعظمه، فقال له أبو جعفر عليه السلام: ياعم اجلس رَحِمَكَ اللهُ. فقال: ياسيدي كيف أجلس وأنت قائم؟ فلما رجع علي بن جعفر الى مجلسه جعل أصحابه يوبخونه، ويقولون: أنت عم أبيه وأنت تفعل به هذا الفعل؟ فقال: اسكتوا إذا كان الله عز وجل - وقبض على لحيته - لم يُؤهل هذه الشيبة، وأهل هذا الفتى، ووضعه حيث وضعه، أنكر فضله؟! نعوذ بالله مما تقولون، بل أنا له عبد)). أي أدب هذا سيدي يا أبا الحسن؟! أ أعجب؟ ولا عجب، وأنت من شجرة الأدب، صلى الله عليك ما غرد شاد وطرب . وأنت أيها العاشق لآل محمد صلوات الله عليهم أعرني سمعك كي أحدثك بصورة من صور هذا الأدب العلوي العظيم الذي لن تجد له مثيلاً في كل خيالات الأدب العالمي حاشا آل علي صلوات الله عليهم، وشيعتهم العارفين الأطهار حيث يحدثنا: أبو عبد الله الحسن بن موسى بن جعفر، قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام بالمدينة وعنده علي بن جعفر واعرابي من أهل المدينة جالس، فقال لي الإعرابي: من هذا الفتى؟ وأشار بيده الى أبي جعفر عليه السلام، قلت: هذا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال: ياسبحان الله رسول الله قد مات منذ مائتي سنة وكذا وكذا سنة، وهذا حدث، كيف يكون؟! [صفحة 70] قلت: هذا وصي علي بن موسى، وعلي وصي موسى بن جعفر، و موسى وصي جعفر بن محمد، وجعفر وصي محمد بن علي، ومحمد وصي علي بن الحسين، وعلي وصي الحسين، والحسين وصي الحسن، والحسن وصي علي بن أبي طالب، وعلي وصي رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين. قال: ودنى الطبيب ليقطع له (1) العرق، فقام علي بن جعفر فقال: ياسيدي يبدأني ليكون حدة الحديد بي قبلك، قال: قلتُ يُهنئك)) (1) هذا عم أبيه، قال: فقطع) له العرق، ثم أراد أبو جعفر عليه السلام النهوض فقام علي بن جعفر عليهما السلام فسوى له تعليه حتى لبسهما)). وأختم قولي بما كتبه رسول الله صلى الله عليه وآله في كتابه الشريف لأهل مكة بعد فتحها حين نصب عليهم والياً هو عتاب بن أسيد (ره) وكان عمره ثمانية عشر سنة، فلما علمت قريش وشيوخها، ومكة وكبراؤها قالوا: (إن محمداً لا يزال يستخف بنا حتى ولى علينا غلاماً حَدِث السن ابن ثمانية عشر سنة، ونحن مشايخ ذوي (3) الأسنان، وجيران حرم الله الآمن، وخير بقعة على وجه الأرض . وكتب رسول الله صلى الله عليه وآله لعتاب بن أسيد عهداً على مكة (۱) ضمير الهاء في اله) يعود على إمامنا أبي جعفر الجواد صلوات الله عليه. (۲) يهتك: يسرك، وهي تستعمل في مقام الدعاء على الأغلب. (۳) فاعل و قطع) ضمير مستتر تقديره و هو) يعود على الطبيب. (٤) عن رجال الشيخ الكشي (ره) ص ٤٢٩ وص ٤٣٠ ج ٨٠٤. [صفحة 71] وكتب في أوله: من محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، إلى جيران بيت الله الحرام وسكان حرم الله، أما بعد فمن كان منكم بالله مؤمناً، وبمحمد رسوله في أقواله مصدقاً، وفي أفعاله مصوباً، ولعلي أخي محمد رسوله ونبيه وصفيه ووصيه وخير خلق الله بعده موالياً فهو منا وإلينا، ومن كان لذلك أو لشيء منه مخالفاً فسحقاً وبعداً لأصحاب السعير، لا يقبل الله شيئاً من أعماله، وإن عظم وكبر، يُصليه نار جهنم خالداً مُخلّداً أبداً، وقد قلد محمد رسول الله عتاب بن أسيد أحكامكم ومصالحكم، وقد فوّض إليه تنبيه غافلكم، وتعليم جاهلكم، وتقويم أود (۱) مضطربكم، وتأديب من زال عن أدب الله منكم لما علم من فضله عليكم من موالاة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن رجحانه في التعصب لعلي ولي الله، فهو لنا خادم، وفي الله أخ، ولأوليائنا موال، ولأعدائنا معاد، وهو لكم سماء ظليلة، وأرض زكية، وشمس مضيئة، قد فضله الله على كافتكم بفضل موالاته ومحبته لمحمد وعلي والطيبين من الهما، وحكمه عليكم يعمل بما يريد الله فلن يخليه من توفيقه. كما أكمل من موالاة محمد وعلي عليه السلام شرفه وحظه، لا يؤامر رسول الله ولا يطالعه، بل هو السديد الأمين، فليطمع المطيع منكم بحسن معاملته شريف الجزاء، وعظيم الحباء، وليتوق المخالف له شديد العذاب، وغضب الملك العزيز الغلاب، ولا يحتج محتج منكم في مخالفته [صفحة 72] بصغر سنه، فليس الأكبر هو الأفضل، بل الأفضل هو الأكبر، وهو الأكبر في موالاتنا، وموالاة أوليائنا، ومعاداة أعدائنا، فلذلك جعلناه الأمير عليكم، والرئيس عليكم، فمن أطاعه فمرحباً به، ومن خالفه فلا يبعد الله غيره) (۱). فانتبه الى قوله صلى الله عليه وآله: (فليس الأكبر هو الأفضل، بل الأفضل هو الأكبر، وهو الأكبر في موالاتنا، وموالاة أوليائنا، ومعاداة أعدائنا، وإن في ذلك لعبرة لأولي الألباب . وبهذا أيها المحب تم الكلام في ثلاثة أسباب من الأسباب المهمة التي تؤدي الى السقوط في هذه الفتنة التي نحن بصدد الحديث عنها وبقيت هناك أسباب أخرى يأتي الحديث عنها في المباحث الآتية إن شاء الله تعالى والتي من أهمها: أولاً - الحسد البغيض والتكالب على الدنيا. ثانياً - عدم التسليم الواقعي للأئمة عليهم السلام. وأختم الكلام في هذا المقام بما جاء مروياً: (عن الأزدي، قال: دخلت أنا وأبو بصير على أبي عبدالله عليه السلام، وعلي بن عبدالعزيز معنا، فقلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: أنت صاحبنا؟ فقال: إني لصاحبكم، ثم أخذ جلدة عضده فمدها، فقال: أنا شيخ كبير، وصاحبكم شاب حدث)). [صفحة 73] الفتْنَةُ الثانيَةُ أللاتُ وَالعُزّى وَهيَ أَعظَمُ الفِتَن كُلّها وأشدها [صفحة 75] الوقفة الأولى: إن هذه الفتنة لهي من أشد الفتن وأصعب الامتحانات العسيرة، ويمكن القول عنها كما يظهر من الأحاديث الشريفة: إنها أم الفتن، وإن امتحانها أس الامتحانات الأخرى المختلفة، ولذا فإن أول أمر يباشره الإمام عليه السلام حين ظهوره الشريف هو ما يتعلق بهذا الاختبار والتمحيص، حيث يحدثنا بشير النبال (ره): عن أبي عبد الله عليه السلام قال: هل تدري أول ما يبدأ به القائم عليه السلام؟ قلت: لا. قال: يُخرجُ هذين رطبين غضين فيحرقهما ويذريهما في الريح ....)). وهو نفس المعنى الذي يحدثنا به السيد عبد العظيم الحسني صلوات الله عليه، عن إمامنا أبي جعفر الجواد عليه أفضل الصلاة والسلام، حين يقول: ) فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فأحرقهما) (۳). وليس الأمر أيها المحب الودود يقف عند هذا الحد، إذ يُحدثنا شيخنا الصدوق (ره) بطريقه: (عن عبد الرحيم القصير قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: أما لو قام قائمنا لقد ردت الحميراء حتى يجلدها الحد، وحتى ينتقم (۱) عن البحار الشريف ج ٥٢ ص ٣٨٦ من ح ٢٠٠. [صفحة 76] لابنة محمد: فاطمة عليها السلام منها . قلت: جعلت فداك، ولم يجلدها الحد؟ قال: لفريتها على أُم إبراهيم (1)، قلت: فكيف أخره الله للقائم؟ فقال: لأن الله تبارك وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وآله رحمة، وبعث القائم عليه السلام نقمة)) . وقد ذكر شيخنا المجلسي (ره) في بحاره الشريف بهذا الخصوص عن سيد الأوصياء صلوات الله عليه وعليهم، إذ قال: ) فيما احتج به أمير المؤمنين عليه السلام على أهل الشورى، قال: نشدتكم بالله هل علمتم أن عائشة قالت الرسول الله صلى الله عليه وآله: إن إبراهيم ليس منك وإنه ابن فلان القبطي . قال: يا علي اذهب فاقتله، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إذا بعثتني أكون كالمسمار المحمى في الوبر أو أتثبت؟ قال: لا، بل تثبت، فذهبت، فلما نظر (1) إلى استند الى حايط (1) فطرح نفسه فيه فطرحت نفسي على أثره فصعد على نخل وصعدت خلفه فلما رآني قد صعدت رمى بإزاره فإذا ليس له شيء مما يكون للرجال فجئت فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: الحمد لله الذي (1) المراد منها أم المؤمنين مارية القبطية رضوان الله تعالى عليها، والمراد من الفرية هنا ما يتعلق بحديث الإفك المعروف، وللعلامة المعاصر السيد جعفر مرتضى العاملي (حفظه الله) كتاب نافع في هذا الخصوص ألم بجميع نواحي هذه المسألة فراجعه تغتنم . (۲) عن علل الشرايع الشريف ج ۲، ص ٥٨٠ ح ١٠. [صفحة 77] صرف عنا السوء أهل البيت. فقالوا: اللهم، لا، فقال: اللهم اشهد)) . ومما يناسب المقام ماجاء في كتاب شيخنا أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه (ره): ) عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:......... وأول من يحكم فيهم) مُحسن بن علي عليه السلام، وفي قاتله، ثم في قنفذ، فيؤتيان هو وصاحبه فيضربان بسياط من نار لو وقع سوط منها على البحار لغلَتْ من مشرقها الى مغربها، ولو وضعت على جبال الدنيا لذابت حتى تصير رماداً فيضربان بها، ثم يجثو أمير المؤمنين عليه السلام بين يدي الله للخصومة مع الرابع، فيدخل الثلاثة في جب فيطبق عليهم لا يراهم أحد ولا يرون أحداً، فيقول الذين كانوا في ولايتهم: ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس تجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين، قال الله عز وجل: ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (1)، فعند ذلك ينادون بالويل والثبور ......) (*) . (۱) عن البحار الشريف ج ٢٢ ص احا. ح ١٠. ١٥٤ (۲) الضمير (هم) في: فيهم يعود على من سن ظلم آل محمد صلوات الله عليهم، وهم الذين محضوا الكفر لعنة الله عليهم. (۳) من الآية الشريفة (۲۹) من سورة فصلت المباركة. (٤) الآية الشريفة (۳۹) من سورة الزخرف المباركة. [صفحة 78] الوقفة الثانية: إن من أحاديثنا المعصومية الشريفة - أيها المحب - التي تحدثت عن شدة هذه الفتنة وخطورتها، ماجاء مروياً عن محمد بن أبي عمير (ره)، عن المفضل بن عمر (ره)، عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عن رسول الله صلوات الله عليهم وآلهم أجمعين، حيث يقول صلى الله عليه وآله: لما أسري بي الى السماء أوحى إلي ربي جل جلاله فقال:...... يا محمد لو أن عبداً عبدني حتى ينقطع ويصير كالشين (1) البالي، ثم أتاني جاحداً لولايتهم ما أسكنته جنتي، ولا أظللته تحت عرشي . يا محمد: أتحب أن تراهم؟ قلت: نعم ياربي . فقال عز وجل: ارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا أنا بأنوار علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والحجة بن الحسن القائم في وسطهم كأنه كوكب دري . قلت: يارب، من هؤلاء؟ [صفحة 79] قال: هؤلاء الأئمة، وهذا القائم الذي يُحلّل حلالي، ويُحرم حرامي، وبه أنتقم من أعدائي، وهو راحة لأوليائي، وهو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين والكافرين، فيخرج اللات والعزى طريين فيحرقهما، فلفتنة الناس بهما يومئذ أشد من فتنة العجل والسامري (1) . والمراد من فتنة العجل والسامري: إما هي فتنة بني إسرائيل حين ذهب نبي الله موسى على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام الى ميقات ربه وكان الذي كان، وما ترتب على ذلك من قتل بعضهم بعضاً، وهذا ما سيكون أيضاً من جملة فتن عصر الظهور الشريف، وسيأتي الكلام عنه حين الحديث عن الفتنة السابعة وشؤوناتها، إن شاء الله تعالى . وإما أن يكون المراد من ذلك فتنة السقيفة، والتعبير هنا على نحو الكناية إذ ورد في روايات أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم أجمعين إطلاق لفظ العجل والسامري على قطبي السقيفة المشؤومة . وهذا المعنى تؤيده الروايات الشريفة، ومنها مارواه سيدنا الأجل هاشم البحراني (ره)، عن علي بن ابراهيم بن مهزیار رضوان الله تعالى عليه وما ذكره من حديثه مع إمام زماننا صلوات الله عليه، حيث قال عليه السلام: (.... وأجيء الى يثرب وأهدم الحجرة، وأخرج من بها، وهما طريان، فأمر بهما تجاه البقيع، وآمر بخشبتين يُصلبان عليهما، فتورِقُ من تحتهما، فيفتن الناس بهما [صفحة 80] أشد من الفتنة الأولى ......)) . والفتنة الأولى هنا يُراد منها فتنة السقيفة كما هو واضح وصريح هذا الحديث الشريف. إلا أن الكارثة المهولة أن الفتنة بهما حين الظهور الشريف أشد من الفتنة السابقة حتى أنها تطال أصحاب إمام زماننا صلوات الله عليه في أول وهلة ثم ينتبهون من غفلتهم فيعودون الى رشدهم وهداهم، وذلك ما تبينه الرواية الشريفة: (عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا قدم القائم عليه السلام وثب أن يكسر الحائط الذي على القبر، فيبعث الله تعالى ريحاً شديدةً، وصواعق، ورعوداً، حتى يقول الناس: إنما ذا لذا، فيتفرق أصحابه عنه حتى لا يبقى معه أحد، فيأخذ المعول بيده، فيكون ذلك اليوم فضل بعضهم على بعض بقدر سبقهم إليه، فيهدمون الحائط، ثم يُخرجهما غضين طرين، فيلعنهما، ويتبرأ منهما، ويصلبهما، ثم ينزلهما، ويُحرقهما، ثم يذريهما في الريح) (1). وقد روى نفس هذا الحديث الشريف المحدث الفقيه السيد علي بن عبد الكريم النيلي النجفي (ره) من أعلامنا في القرن التاسع في كتابه منتخب الأنوار المضيئة ص ۱۹۳، باختلاف يسير مع إضافة رقمية، أذكر الخبر بتمامه لأجلها، لعل فيها فائدة لمن له علم ومعرفة بعلم الأوفاق والأرقام حيث جاء: (إذا قدم القائم ٣٥١٤٤٢١) وهم أن يكسر الحائط الذي على القبر [صفحة 81] بعث الله ريحاً شديدة وصواعق ورعوداً حتى يقول الناس: إنما ذا لذاء فيتفرق أصحابه عنه حتى لا يبقى معه أحد منهم، فيأخذ المعول بيده فيكون أول من يضرب بالمعول، ثم يرجع إليه أصحابه إذا رأوه يضربه بالمعول فيكون ذلك اليوم فضل بعضهم على بعض بقدر سبقهم إليه، فيهدمون الحائط ثم يُخرجهما غضين طريين فيلعنهما ويتبرأ منهما ويصلبهما ثم ينزلهما فيحرقهما ثم يذريهما في الريح). والسر أيها المحب الموالي في أن فضل أصحاب الإمام عليه السلام بعضهم على بعض في ذلك اليوم بقدر سبقهم إليه، هو في مقدار وعمق براءتهم من أعداء آل محمد صلوات الله عليهم، فمن كانت براءته أشد عمقاً ورسوخاً وثباتاً يكون هو الأسبق، وهكذا فالسابق، فالمسبوق، ولا تكون براءة حقيقية من دون ولاية حقيقية ولا ولاية حقيقية من دون براءة حقيقية . وسيأتيك أيها العزيز في الفصل الثالث من فصول هذا الكتاب كلام عن البراءة ومعناها وفروعها، فأمعن النظر فيه، وأطل الفكرة في ما قاله أئمتنا عليهم أفضل الصلاة والسلام، فإن في ذلك خيراً كثيراً . [صفحة 82] الوقفة الثالثة: وتحدثنا الروايات الشريفة عن شدة هذه الفتنة، وصعوبة هذا الامتحان، وعن الذين يتساقطون عند التمحيص، وتنساب جموعهم كانسياب الأفاعي متتبعين آثار الضلالة القديمة، وسالكين الميامن والمياسر بعد جور عن طريق الهدى، ومعالم الحق والرشاد، وإنه التيه، ولاتيه مثله، والعاقبة هي الخسران المبين - أعاذنا الله تعالى وإياكم ياموالي صاحب الأمر (صلوات الله عليه) من مضلات الفتن، وثبت قلوبنا، وأقدامنا على نصرة إمامنا صلوات الله وسلامه عليه) وهذا إمامنا أبو جعفر الباقر صلوات الله عليهما يحدثنا فيقول: .... ثم يدخل (1) المسجد فينقض الحائط حتى يضعه الى الأرض، ثُمَّ يُخرج الأزرق وزريق) لعنهما الله غضين طريين يُكلِّمهما فيجيبانه، فيرتاب عند ذلك المبطلون، فيقولون: يكلم الموتى، فيقتل منهم خمسمائة مرتاب في جوف المسجد، ثم يُحرقهما بالحطب الذي جمعه ليُحرقا به علياً، وفاطمة، والحسن، والحسين ......)) . ولا غرابة في ارتياب المبطلين إذ أن الباطل قدما في صدورهم ورسخت (۱) الفاعل هنا ضمير الشأن المستتر العائد على إمام زماننا صلوات الله عليه . (۲) الأرزق وزريق كناية عن الأول والثاني، وفي ذلك إشارة الى الآية الشريفة (۱۰۲) من سورة [صفحة 83] جذوره في قلوبهم حتى وإن تظاهروا بما تظاهروا به من الصلاح والتدين والفقه فهم كما يصفهم أمير المؤمنين عليه السلام: (اتخذوا الشيطان لأمرهم ملاكا)، واتَّخذهم له أشراكا)، فباضَ وفَرَّخَ في صدورهم، ودب ودرج في حجورهم، فنظر بأعينهم، ونطق بألسنتهم، فركب بهم الزلل، وزَيَّنَ لَهم الخَطَل، فعلَ مَنْ قَد شَرِكَهُ الشيطان في سلطانه، ونطق بالباطل على لسانه) (٤) . فقلوبهم مركوزة في الباطل، والريب ملأ صدورهم، فهم في ريبهم وشكهم يترددون، ومن عين الضلالة يرتوون، وما قولهم: (يُكلم الموتى»، إلا كقول من سبقهم . ولقد سأل المفضل بن عمر (ره) - على ما في بعض الأحاديث - إمامنا الصادق صلوات الله عليه عن هذه الفتنة وأعاجيبها، فأجابه صلوات الله وسلامه عليه إجابة مفصلة، حيث يسأل المفضل (ره): يا سيدي، ثم يسير المهدي إلى أين؟ قال عليه السلام: إلى مدينة جدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فإذا وردها كان له فيها مقام عجيب يظهر فيه سرور المؤمنين وخزي الكافرين . قال المفضل: يا سيدي ما هو ذاك؟ قال: يرد الى قبر جده صلى الله عليه وآله، فيقول: يا معاشر الخلائق، (1) ملاكاً: قواماً يتقومون به . (۲) أشراكاً: مصائداً . [صفحة 84] هذا قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فيقولون: نعم، يا مهدي آل محمد، فيقول: ومن معه في القبر؟ فيقولون: صاحباه وضجيعاه أبو بكر وعمر، فيقول وهو أعلم بهما والخلائق كلهم جميعاً يسمعون: من أبو بكر وعمر؟ وكيف دفنا من بين الخلق مع جدي رسول الله صلى الله عليه وآله؟ وعسى المدفون غيرهما؟ فيقول الناس: يا مهدي آل محمد صلى الله عليه وآله، ما ههنا غيرهما إنهما دفنا معه لأنهما خليفنا رسول الله صلى الله عليه وآله وأبوا زوجتيه، فيقول للخلق بعد ثلاث: أخرجوهما من قَبريهما، فيخرجانِ غضين طريين لم يتغير خلقهما، ولم يشحب لونهما، فيقول: هل فيكم من يعرفهما؟ فيقولون: نعرفهما بالصفة، وليس ضجيعا جدك غيرهما . فيقول: هل فيكم أحد يقول غير هذا أو يشك فيهما؟ فيقولون: لا. فيؤخر إخراجهما ثلاثة أيام، ثم ينتشر الخبر في الناس ويحضر المهدي ويكشف الجدران عن القبرين، ويقول للنقباء (۱): ابحثوا عنهما، وانبشوهما، فيبحثون بأيديهم حتى يصلون إليهما، فيُخرجانِ غَضَيْنِ طَرِيَّين كصورتهما فيكشف عنهما أكفانهما، ويأمر برفعهما على دوحة يابسة نخرة فيصلبهما (1) هم أخص خواص أصحاب الإمام الحجة عليه السلام ويظهر من الروايات الشريفة أن عددهم إثنا عشر نقيباً، أحدهم وزير الإمام عليه السلام والبقية يقال لهم النقباء: جمع النقيب، [صفحة 85] عليها فتحيى الشجرة وتورق ويطول فرعها. فيقول المرتابون من أهل ولايتهما: هذا والله الشرف حقا، ولقد فزنا بمحبتهما وولايتهما، ويخبر من أخفى نفسه ممن في نفسه مقياس (۱) حبة من محبتهما وولايتهما، فيحضرونهما ويرونهما ويفتنون بهما، ويُنادي منادي المهدي عليه السلام: كل من أحب صاحبي رسول الله صلى الله عليه وآله وضجيعيه، فلينفرد جانباً، فتتجزأ الخلق جزئين أحدهما موال، والآخر متبرئ منهما . فيعرضُ المهدي عليه السلام على أوليائهما البراءة منهما، فيقولون: يا مهدي آل رسول الله صلى الله عليه وآله، نحن لم نتبرأ منهما، ولسنا نَعلَمُ أن لهما عند الله وعندك هذه المنزلة، وهذا الذي بدا لنا من فضلهما، أنتبرأ الساعة منهما، وقد رأينا منهما ما رأينا في هذا الوقت؟ من نضارتهما وغضاضتهما، وحياة الشجرة بهما؟ بل والله تتبرأ منك وممن آمن بك ومن لا يؤمن بهما، ومَن صَلَبهما، وأخرجهما، وفَعَلَ بهما ما فعل، فيأمر المهدي عليه السلام ريحاً سوداء فتهب عليهم فتجعلهم كأعجاز نَخْلٍ خاوية . ثم يأمر بإنزالهما فينزلان إليه فيحييهما بإذن الله تعالى، ويأمر الخلائق بالاجتماع ثم يقص عليهم قصص فعالهما ...) (1) . ولا أخفي عليك أيها العزيز فإنّ هذا الحديث لا يخلو من ارتباك واضح [صفحة 86] سببه الناقل أو الراوي إلا أنه يمكن القول بخصوصه: إنه بنحو إجمالي لا يخلو من معان مقبولة موافقة لروايات وأحاديث أخرى تسكن النفس إليها تقدم ذكر بعضها قبل قليل . إلا أن أمراً مهماً بينه هذا الحديث وهو حال المرتابين والمبطلين، وحال فئة ثانية وصفهم بهذا الوصف: من أخفى نفسه ممن في نفسه مقياس حبة من محبتهما وولايتهما)، وما هذا بشيء عجيب عند من عرف الدنيا وأهلها وتقلب أحوالها وأحوالهم . ويبين هذا الحديث أيضاً: أن النقباء وهم أخص خواص أصحاب إمام زماننا صلوات الله عليه، لا يفرون حين النبش، بل يباشرونه بأنفسهم، تسليماً وطاعة لأمر إمامهم صلوات الله عليه، حيث جاء فيه: ويقول للنقباء: ابحثوا عنهما، وانبشوهما، فيبحثون بأيديهم حتى يصلون إليهما .. اللهم وفقنا بحق ضلع الزهراء المكسور صلوات الله عليها أن نكون منهم. فإن لم يكن لنا وفير حظ في الكون منهم، فوفقنا أن تكون من خدامهم أو خدام خدامهم، آمين، آمين . [صفحة 87] الوقفة الأخيرة وهنا أشير بنحو إجمالي مقتضب إلى أهم الأسباب التي تدفع الإنسان الى السقوط في مهاوي هذه الفتنة الدامسة الظلمة ولعل من أهمها: أولاً - عدم تحقق معنى البراءة الحقيقية في القلوب والنفوس والضمائر. ثانياً - عدم توطين النفوس وتربيتها وتلقينها الدائم لمعاني التسليم والخضوع والانقياد لما يريده المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، وإن كان الذي يريده بحسب ظواهر الأمور مما لا يتناسب والأمزجة النفسية، والأذواق الاجتماعية، لاختلاف المشارب التربوية بين الناس من شخص لآخر. ثالثاً - عدم الانقطاع القلبي، والتوجه الذهني، والإخبات العقلي الواقعي في طريق مودة إمام زماننا صلوات الله عليه، وفناء خدمته الشريفة، إذ عدم ذلك يؤدي الى عدم الإخلاص والخلوص . ويضاف الى هذه الأمور الثلاثة بعض شيء مما تقدم ذكره في الفتنة الأولى من: ۱ الجهل بأحاديث أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم وما بينوه [صفحة 88] لشيعتهم من إرشادات وبيانات تشتمل على الوقاية الكاملة لمن أراد أن يتوقى، وتتضمن معاني العلاج الناجع لمن فاته أن يتقي . ۲. عدم التبصر بأحوال الماضين والغابرين من الأمم المتقدمة أو ما كان في هذه الأمة من انقسام الناس الى فريق اعتنق الباطل وأشرب حبه، وفريق عرف الحق فتمسك به وضحى دونه، وفريق خلط بين حق وباطل وموهوا بصبغة الحقِّ الكاذبة على الناس، فأضلوهم وهم شياطين هذه الأمة من خلفاء الجور، وحكام الظلم، وسلاطين الضلالة، ومن علماء الفسق والفجور، وطلاب الأموال والمناصب، والسمعة والجاه . ثم إنه يا عزيزي، أيها المحب الودود المتبرئ من أعداء أئمته عليهم السلام، لابد أن تعلم: أن أئمتنا عليهم السلام قد تحدثوا عن هذا الأمر وبينوه منذ السقيفة المشؤومة، فهذا إمامنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه، يقول لعمر بن الخطاب أيام خلافته: (يا مغرور، إني أراك في الدنيا قتيلاً بجراحة من عبد (1) أم معمر، تحكم عليه جوراً فيقتا، توفيقاً يدخل بذلك الجنة على رغم منك، وإن لك ولصاحبك الذي قُمتَ مقامه صلباً وهتكاً، تُخرجان من عند رسول الله (۱) هو أبو لؤلؤة فيروز النهاوندي الملقب ببابا شجاع الدین رضوان الله تعالى عليه، من حقق الله تعالى على يديه دعاء أم الحسن والحسين، سيدتنا الزهراء صلوات الله عليها وعليهما وآلهما، حين [صفحة 89] صلى الله عليه وآله، فتصلبان على أغصان دوحة يابسة، فتُورِقُ، فَيَفتَنُ بذلك من والاك. فقال عمر: ومن يفعل ذاك يا أبا الحسن؟ فقال: قوم قد فرقوا بين السيوف وأغمادها، ثم يؤتى بالنار التي أضرمت الإبراهيم، ويأتي جرجيس ودانيال وكل نبي وصديق، ثم يأتي ريح فينسفكما في اليم )۱()نسفا وأما زكريا بن آدم ولي أهل البيت المخلص رضوان الله تعالى عليه يحدثنا فيقول: إني لعند الرضا إذ جيئ بأبي جعفر (1) له، وسنّه أقل من أربع، فضرب بيده إلى الأرض، ورفع رأسه إلى السماء وهو يُفكر. فقال له الرضا بنفسي أنت لم طال فكرك؟ فقال: فيما صُنع بأمي فاطمة، أم والله لأخرجنهما، ثم لأحرقتهما، ثم لأذرينهما، ثم لأنسفهما في اليم نسفا .. فاستدناه وقبل ما (۱) عن مشارق الأنوار الشريف ص۷۹. (۲) هو أمامنا المعصوم التاسع أبو جعفر محمد بن علي الجواد صلوات الله عليهما وآلهما. (۳) ربما كان المراد من قوله هذا صلوات الله وسلامه عليه: أنه يفعل ذلك فيهما فيما لو كانت يده مبسوطة صلوات الله عليه، أو أن يكون القصد أن هذه الأفعال سيقوم بها ولده صاحب الأمر إمام زماننا صلوات الله عليهما، وما يفعله ولده فكأنه قد فعله وقام به، إذ ورد في أحاديثنا الشريفة ما يدل على هذا المعنى، ومن ذلك ما رواه شيخنا الكليني (ره)، في الكافي الشريف (عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ....... فإذا قلنا في الرجل منا شيئاً وكان في ولده أو ولد ولده فلا تنكروا ذلك عن الكافي الشريف ج 1 ص ٥٣٥ من ح ١، وربما تحقق ذلك الأمر في زمان رجعة إمامنا أبي جعفر الجواد صلوات الله وسلامه عليه، إذ رجعة [صفحة 90] بين عينيه، ثم قال: أنت لها، يعني الإمامة) (1). وأختم الكلام في هذا المقام، بما قاله أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، حين قال: ) العجب، مما أشربت قلوب هذه الأمة من حُبِّ هذا الرجل (۲) وصاحبه من قبله، والتسليم له في كل شيء أحدثه!!! . (۱) عن دلائل الإمامة الشريف ص ۲۱۲. [صفحة 91] الفتنةُ الثالثة: فتنةُ الطعام والشراب الفتنة الرابعة: فتنةُ نهر طالوت الفتنة الخامسة: فتنة يوم الأبدال فتنة الفتنة السادسة: المعترضين والخارجين عليه صلوات الله وسلامه عليه [صفحة 93] الوقفة الأولى: الفتنة الثالثة فتنة الطعام والشراب يحدثنا إمامنا أبو جعفر باقر العترة المطهرة صلوات الله عليه وعليها، فيقول: (إذا ظهر القائم عليه السلام ظهر براية رسول الله صلى الله عليه وآله، وخاتم سليمان، وحجر موسى وعصاه، ثم يأمر مناديه فينادي: ألا لا يحملن رجل منكم طعاماً ولا شراباً ولا علفاً، فيقول أصحابه: إنه يريد أن يقتلنا ويقتل دو ابنا من الجوع والعطش، فيسير ويسيرون معه، فأول منزل ينزله يضرب الحجر فينبع منه طعام وشراب وعلفٌ، فيأكلون ويشربون، ودوابهم حتى ينزلوا النجف بظهر الكوفة) (۱). وموطن الكلام هنا هو سوء ظنهم بالإمام عليه السلام، أو في تدبيره الشريف، حين يقولون كما في الحديث المذكور: «إنّه يريد أن يقتلنا ويقتل دوابنا من الجوع والعطش، ومرد هذا إلى أمور أهمها: أولاً - عدم الإعتقاد السليم، والذي ينشأ من عدم المعرفة الحقة لأهل البيت عليهم السلام عموماً، ولإمام زماننا صلوات الله عليه خصوصاً. ثانياً - ضحالة التفكير، وسخافة الرأي، وخسة الطبع، ودناءة النفوس، [صفحة 94] ومرد كل ذلك الى تعلق القلوب بهذه الدنيا وآثارها، وعدم توطينها على الطاعة المطلقة والتسليم المطلق لما يريده عليه أفضل الصلاة والسلام، وعدم الاستعداد للتضحية بكل شيء في سبيل الإمام عليه السلام الذي هو سبيل الله سبحانه وتعالى . ثالثاً - عدم رسوخ الإخلاص الحقيقي الصادق في تلكم النفوس المريضة المهزوزة - أعاذنا الله تعالى وإياكم من كل ذلك، ونجانا من كل فتنة، ووفقنا الطاعة إمام زماننا عليه السلام والتسليم لأمره في غيبته وحضوره - . ولا يخفى عليك أيها المحب الودود أن مثل هذا الحدث يكشف عن التحاق أناس بجيش الإمام عليه السلام وأصحابه المخلصين همهم في الدنيا والنيل من أوطارها بحسب ما يتمكنون وهذا ما ستبينه لنا الأحاديث المعصومية الشريفة التي سيأتي ذكرها في المطالب الآتية إن شاء الله تعالى. وإلا فإن خاصة الإمام عليه السلام ومن يعتمد عليهم في مهمات أموره صلوات الله عليه يصفهم إمامنا الصادق عليه السلام فيقول فيهم: ........ رجال كأن قلوبهم زبر (۱) الحديد لا يشوبها شك في ذات الله، أشد من الحجر، لو حملوا على الجبال لأزالوها، لا يقصدون براياتهم بلدةً إلا خربوها، كأن على خيولهم العقبان، يتمسحون بسرج الإمام عليه السلام يطلبون بذلك البركة، ويحفون به يقونه بأنفسهم في الحروب ويكفونه ما يريد فيهم. [صفحة 95] رجال لا ينامون الليل، لهم دوي في صلاتهم كدوي النحل، يبيتون قياماً على أطرافهم، ويصبحون على خيولهم، رهبان بالليل، ليون بالنهار، هم أطوع له من الأمة لسيدها، كالمصابيح كأن قلوبهم القناديل، وهم من خشية الله مشفقون، يدعون بالشهادة، ويتمنون أن يقتلوا في سبيل الله، شعارهم: بالثارات الحسين، إذا ساروا يسير الرعب أمامهم مسيرة شهر، يمشون الى المولى إرسالا، بهم ينصر الله إمام الحق)). فمن كانت هذه أوصافهم وخصالهم، لايتصور أن يصدر منهم مثل هذا الكلام الذي يكشف عن ضعف الهمة، ولؤم النقيبة (1) وسماجة (۳) السجية، وجبن الطوية (1) . ولقد أخبرنا أئمتنا عليهم السلام وحدثونا عن طعام وشراب جيش إمام زماننا صلوات الله عليه. فهذا شيخنا أبو جعفر الكليني (ره) يحدثنا: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أبو جعفر عليه السلام: إن القائم إذا قام بمكة، وأراد أن يتوجه الى الكوفة نادى مناديه: ألا لا يحمل أحد منكم طعاماً ولا شراباً، ويحمل حجر موسى بن عمران وهو وقر) بعير، فلا ينزل منزلاً إلا انبعث عين منه، فمن كان جائعاً شبع، ومن كان ظامئاً روى، فهو (۱) عن البحار الشريف ج ٥٢ ص ٣٠٨ من ح ۸۲. (۲) النقيبة نفس الإنسان، أو باطنه، أو عقله. (۳) السماجة: القبح. [صفحة 96] زادهم حتى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة) (1) . وفي الخرائج والجرائح لشيخنا القطب الراوندي (ره) هذا المعنى وهذا الحديث مع زيادة هي: .... فإذا نزلوا ظاهرها) إنبعث منه الماء واللين دائماً، فمن كان جائعاً شبع، ومن كان عطشاناً روي) (۳). وهنا يمكن القول: إن الاطلاع على مثل هذه الأحاديث الشريفة ومعرفة معانيها وأبعادها، يمكن الإنسان بعض الشيء من الخلاص من الوقوع في مثل هذه الفتن والامتحانات والتمحيصات. ثم إنه يا عزيزي لا يغلب على ظنك أن الأمر ينتهي عند هذا: أن قالوا ما قالوا، ثم تقول الرواية الشريفة المتقدمة: «فيسير ويسيرون معه، وتنتهي الفتنة حينما ينزلون أول منزل فيضرب الإمام عليه السلام الحجر فيأكلون ويشربون. نعم إنهم سيأكلون ويشربون إلا أنهم سيضلون ضلالاً بعيداً حين الفتنة الرابعة؛ التي ما كانت ولا تكون لولا هذه الفتنة ولولا كلامهم وما احتوته صدورهم من حديث القلوب ونواياها، وهواجس الأفكار وطواياها، ويأتيك بالأنباء من لم تزود ». [صفحة 97] الوقفة الثانية: الفتنة الرابعة فتنة نهر طالون تدور عجلة الدنيا، ويرسم التاريخ نفسه في كل يوم، وتعود الحقائق الماضية غضةً جديدة، ومعادن النفوس هي هي، وينهزم الباطل مدحوراً أمام جبروت الحق. وللحق دولة، وللباطل جولة، ولن تبقى إلا دولة الحق، وفي كل ذلك تَقْرَعُ الفتنة أجراسها، ويدوم التمييز بين الصحيح والأجرب وتأتينا سراعاً فتنة نهر طالوت التي يحدثنا عنها: ) أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن أصحاب طالوت أبتلوا بالنهر الذي قال الله تعالى: سنبتليكُم بنهر (1)، وإن أصحاب القائم عليه السلام يتلون بمثل ذلك) (٢) وروى شيخنا الطوسي (ره) في غيبته عن إمامنا الصادق عليه السلام: (إن أصحاب موسى (۳) ابتلوا بنهر، وهو قول الله عز وجل: (1) هذا المعنى مأخوذ من مضمون ماجاء في الكتاب الكريم إن الله مبتليكم بنهر، من الآية الشريفة (٢٤٩) من سورة البقرة المباركة. (۲) عن غيبة الشيخ النعماني (ره) ص ٣١٦ ج ١٣. [صفحة 98] إن الله مبتليكم بنهر، وإن أصحاب القائم يتلون بمثل ذلك) . وفتنة نهر طالوت يوجز لنا القرآن الكريم وصفها: فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلاً منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين . ولما برزوا الجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت ... (۲). وهنا أسئلة كثيرة تطرح نفسها، أثبت بعضها، وأجيب عليها بإيجاز: أ - من هو طالوت؟ الجواب: عبد صالح اختاره الله تعالى ملكاً لبني إسرائيل بعد تيههم وبعد أن جرى ماجرى عليهم من الظلم والتعسف والجور، كي تكون نجاتهم، ويتم خلاصهم على يديه. ب - لأي سبب كان ابتلاؤهم هذا؟ الجواب: يذكر شيخنا أبو علي الطبرسي (ره) في تفسيره ما يخص هذا الأمر فيقول: ..... وكان سبب ابتلائهم بالنهر شكايتهم قلة الماء، وخوف [صفحة 99] التلف من العطش ... ((۱)، وهو أمر شبيه بالذي ذكرته الأخبار الشريفة من قول أولئك القائلين من أصحاب إمام زماننا صلوات الله عليه: إنه يريد أن يقتلنا ويقتل دو ابنا من الجوع والعطش ». وعلى ذلك فإن السنن الإلهية تقتضي التمحيص والتمييز بين الصادق والكاذب، وبين المخلص، والمنافق، وبين المستقيم، والأعوج، فوقع التمحيص والامتحان لأجل ذلك. ج - كيف كان إمتحانهم؟ الجواب: لم يكن معهم ماء وقد أخذ العطش منهم مأخذاً فوصلوا نهراً فقال لهم طالوت ملكهم المنصوب عليهم من قبل الله تعالى وبطلب وإلحاح شديدين منهم: إنه من شرب من هذا الماء فليس من ولايتي في شيء، ومن لم يذقه فإنه مني ومن أوليائي، إلا من اغترف غرفة بيده، علماً أنهم لو جازوا النهر فإن جالوت بكل قوته وجنوده بانتظارهم. فهل يعبرون النهر بعطشهم الشديد والماء حولهم والأعداء الأقوياء بإنتظارهم، طوعاً لأمر قائدهم؟ أم يكرعون من الماء كروعاً، ويمنون أنفسهم بالنصرة، وهم في ذلك يخرجون عن حد الطاعة لوليهم، وينقضون مواثيقهم؟ د وأي شيء كانت نتيجة الامتحان؟ الجواب: يقول سيدنا العلامة الطباطبائي (ره): [صفحة 100] ) ولازم ذلك أن الكلام (1) يوجب وجود ثلاث طوائف الذين ليسوا منه (۲)، والذين هم منه والمغترفون وعلى هذا فالباقون معه بعد الجواز طائفتان الذين هم منه، والذين ليسوا من الخارجين (۳)، فجاز أن يختلف حالهم في الصبر والجزع والاعتماد على الله والقلق والاضطراب)). ويخلص لنا من كلام شيخنا الطبرسي (ره) في تفسيره أن: عدد الجيش الذي كان من بني إسرائيل: ۸۰۰۰۰ جندياً . عدد الذين بادروا الى النفاق وكانوا أكثر نفاقاً من غيرهم: ٧٦٠٠٠ منافقاً. عدد الذين نافقوا من بعد هم وكانوا أقل نفاقاً من الذين سبقوهم: ٣٦٨٧ منافقاً. عدد المخلصين الأوفياء: ۳۱۳ ولياً وفياً مخلصاً). وبالجمع بين ماجاء في تفسير الميزان وتفسير مجمع البيان تكون النتيجة هكذا: عدد الجيش ۸۰۰۰۰ عدد الذين شربوا أكثر من غرفة ۷۶۰۰۰ (۱) مراده الكلام القرآني بخصوص قصة طالوت وأصحابه. (۲) و الهاء) في منه عائدة على طالوت. (۳) الخارجون: المراد منهم هنا الذين شربوا من الماء أكثر من غرفة. [صفحة 101] عدد الذين شربوا غرفة واحدة عدد الذين لم يذوقوا الماء أصلاً: ويقول السيد الطباطبائي (ره) في تعليقه ضمن البحث الروائي الذي ذكره بهذا الخصوص: (وأما كون الباقين مع طالوت ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً بعدد أهل بدر فقد كثر فيه الروايات من طرق الخاصة والعامة، ...)). هـ - من الذين قالوا: ولا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، ومن الذين أجابوهم: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرةً بإذن الله والله مع الصابرين؟ الجواب: يقول العلامة الطباطبائي (ره): والتدبر في الآيات يُعطي أن يكون القائلون: لا طاقة لنا، هم المغترفون، والمجيبون لهم هم الذين لم يطعموه) أصلاً، ...)) . وأما الباقون فقد كان مصيرهم الفرار، والانحراف عن جادة الهدى وطريق الاستقامة وهم الأكثر وهو ديدن الناس في كل عصر وزمان، وفي كل بقعة ومكان. و ـ ما هو سر النجاح الموفق، والفشل الذريع، والتذبذب بين النجاح والفشل في هذا الامتحان وهذا التمحيص؟ الجواب: إن السر في كُلِّ ذلك هو الطاعة والتسليم لمن تجب طاعته ويجب التسليم له، وجوهر هذين الأمرين هو الولاء الحقيقي بشطريه: [صفحة 102] الإعتقادي والعاطفي أولاً، والعملي والعبادي ثانياً. ولا حقيقة للولاء من دون البراءة الواقعية من كل ما هو مضاد ومخالف لمن تجب ولايته حقاً سواء كان ذلك في دائرة الأشخاص والأفكار والعواطف والنوايا والأعمال، أو في أي دائرة أخرى تمس الحياة الدينية أو الدنيوية. والسر الكامن وراء كل ذلك هو حب الدنيا إذ لا يمكن للقلب الإنساني أن يجمع بين حب وولاء حقيقي لمن يجب حبه وولايته، وبين حب الدنيا وآثارها. إذ يقول سيد الأوصياء صلوات الله عليه وعليهم في وصف الدنيا ومن يحبها ويعشقها: (أقبلوا على جيفة قد افتضحوا بأكلها، واصطلحوا على حبها، من عشق شيئاً أعشى بصره، وأمرض قلبه فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع بأذن غير سميعة، قد خرقت الشهوات عقله، وأماتت الدنيا قلبه، وولهت عليها نفسه، فهو عبد لها، ولمن في يديه شيء منها، حيثما زالت زال إليها، وحيثما أقبلت أقبل عليها، .....)) . فبقدر ما يخرج من قلب العبد من حب الدنيا تكون هناك براءة، وبقدر تلكم البراءة تكون هناك ولاية، وبقدر هذه تكون الطاعة والتسليم. ومن هنا ينكشف لك أيها المحب الودود أن بقدر ماشربوا من الماء بقدر ما كانوا يحملون في قلوبهم من ولاية وبراءة وحب للدنيا فكانوا أصنافاً ثلاثة: صنف كرع من الماء حتى ارتوى فاشتد عطشه بعد ذلك، وصنف اغترفوا غرفة فكان عطشهم هيئاً، وصنف لم يذوقوا الماء فما عطشوا. [صفحة 103] أفليس طالب الدنيا - كما تصفه أحاديثنا الشريفة - كشارب البحر؟ فبقدر ما يشرب من مائه المالح بقدر ما يزداد عطشه وشوقه للماء، والحقيقة هذه هي هي بعينها، فهل من معتبر؟ ز - وسؤالنا السابع والأخير: وزبدة المخض من كل ذلك، ما هي؟ الجواب: إن الذي جرى في جيش طالوت سيجري بعينه - من جهة الأحداث والنتائج، لا من جهة الأشخاص - في جيش إمام زماننا صلوات الله عليه، ويقع في الفتنة أولئك الذين لم يكونوا قد نجحوا نجاحاً كاملاً في الامتحانات والاختبارات المتقدمة، بل حتى الذين فازوا في ما تقدم من التمحيص إذا لم يكن سعيهم حثيثاً للحفاظ على هذا الفوز، ولم تكن مراقبتهم لأحوالهم ونفوسهم دقيقة، فإن نهايتهم السقوط المريع إن لم يكن في هذا التمحيص ففي غيره فإن ما يأتي فهو أكثر وأكبر وأعظم! لله در النائبات فإنها صدأ اللثام وصيقل الأحرار [صفحة 104] الوقفة الثالثة: الفتنة الخامسة فتنة يوم الأبراك يحدثنا حافظ أسرار أهل البيت عليهم السلام جابر بن يزيد الجعفي رضوان الله تعالى عليه، عن إمامنا أبي جعفر الباقر صلوات الله عليهما إذ يقول، وهو يتحدث صلوات الله عليه عن إلتقاء جيش الهدى والحق مع جيش الضلال والكفر: ) ... حتى إذا التقوا) وهم (۲)، يوم الأبدال، يخرج أناس كانوا مع السفياني من شيعة آل محمد، ويخرج أناس كانوا مع آل محمد الى السفياني فهم من شيعته حتى يلحقوا بهم ويخرج كل ناس الى رايتهم، وهو يوم الأبدال) (۳). وهنا استفهامات، مع أجوبة موجزة: ۱. ما معنى يوم الأبدال؟ (۱) (واو الجماعة) في (التقوا) يعود على الإمام صلوات الله عليه وجيشه المنصور. [صفحة 105] الجواب: الأبدال في لغة العرب جمع لـ: «بدل»، أو: «بدل»، أو: بديل»، والثلاثة بمعنى واحد وهو: ما يحل محل غيره ويكون عوضاً عنه سواء كان موافقاً في المعنى للذي حل محله أو لم يكن، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضَل سواء السبيل (١)، أو ما جاء في سورة الكهف في قصة الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام: فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاةً وأقرب رحماً) (1) . وأجلى بياناً ومناسبة لما نحن فيه ماجاء في سورة التوبة إلا تنفروا يُعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كُلِّ شيء قدير (۳)، وكذا ماجاء في سورة محمد صلى الله عليه وآله: وإن تتولوا يستبدل قوماً غير كم ثم لا يكونوا أمثالكم) . فيكون المعنى بعد هذه المقدمات في وجهين: أولاً - يُراد من الأبدال هو رجوع كل فرع إلى أصله، فمن كان سفياني الهوى والحقيقة في جيش إمامنا عليه السلام يلحق بالسفياني ويأتي بدلاً عنه من كان مهدوي الهوى والحقيقة في جيش بن عنبسة لعنة الله عليه وعلى آبائه، فيلتحق بجيش الهدى والعدالة والنور. وكل جنس لاحق بجنسه. فيقال له: يوم الأبدال؛ لما يحدث من التبادل فيه بين أصحاب الحق، (1) من الآية الشريفة (۱۰۸) من سورة البقرة المباركة. (۲) الآية الشريفة (۸۱) من سورة الكهف المباركة. [صفحة 106] وأصحاب الباطل ثانياً - يُراد من الأبدال معنى التبديل والذي هو التغير والتحول والانتقال من حال إلى آخر، فمن الهدى إلى الضلال، ومن الضلال إلى الهدى .. - اللهم إنا تقسم عليك بطهارة فاطمة الزهراء، وعفاف زينب صلوات الله عليهما إلا ما نجيتنا من فتنة يوم الأبدال إن كنت قسمت لنا أن تدرك ذلك في أعمارنا هذه، أو كتبت لنا رجعة لنصرة إمامنا صلوات الله عليه - ۲. متى يكون هذا اليوم؟ الجواب: يكون وقته بعد فتح الإمام عليه السلام لبلاد الحجاز وسيره إلى العراق ومكثه في الكوفة الغراء مدة من الزمن، وتوجهه صلوات الله عليه بعد ذلك إلى بلاد الشام، وكما يظهر من تتبع الروايات الشريفة أن بين الظهور الشريف وهذا اليوم مدة زمنية ليست بالطويلة إذ يبدو أنها أقصى ما تكون دون السنة، بل ربما هي في غضون أشهر قلائل . والله ورسوله، وابن رسوله أعلم صلّى الله عليهما وآلهما أجمعين. . وفي أي البلاد تكون هذه الفتنة؟ الجواب: تقع أحداث هذه الفتنة وهذا التمحيص في بلاد الشام وقريباً من [صفحة 107] معروفة إلى اليوم بهذا الإسم وفيها قبر حجر بن عدي الشهيد وأصحابه الشهداء رضوان الله تعالى عليهم، لأن معاوية لعنة الله عليه أمر بقتلهم في نفس هذا المكان. ٠٤ وما حقيقة الذي يجري في يوم الأبدال؟ الجواب: حينما تلتقي الجموع وفي جيش السفياني أناس من الشيعة قد ساروا في ركابه: إما بسبب التضليل والخداع، أو ما يقوم به من أعمال يحاول فيها أن يموه، ويغطي على حقيقة وجهه القبيح الكريه. إذ يقول أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: (... ثم يغلبهم السفياني فيقتل منهم خلق كثير (1) ويملك بطونهم، ويعدل فيهم، حتى يُقال فيه: والله ما كان يُقالُ عليه إلا كذباً، والله إنهم لكاذبون ...) (). وإما بسبب الخوف الذي يملأ القلوب من وحشية السفياني وقسوته حتى يبلغ الحال بأهل المدينة أن يطيعوا أوامر السفياني حتى بعد فتحها من قبل الإمام عليه السلام كما في الرواية التي يذكرها شيخنا المجلسي (ره) (يخرج (۳) إلى المدينة فيقيم بها ماشاء ثم يخرج إلى الكوفة ويستعمل عليها رجلاً من أصحابه فإذا نزل الشفرة (4) جاءهم كتاب السفياني إن لم تقتلوه (1) هكذا في المصدر الذي نقلت عنه والصحيح: خلقاً كثيراً) . (۲) عن نوائب الدهور في علائم الظهور ج ۲ ص ۹۹، والكتاب باللغة الفارسية . (۳) الفاعل ضمير الشأن المستتر يعود على الإمام عليه السلام. (٤) الشفرة: إسم موضع كما يظهر من الرواية إلا أنه ليس معروفاً، وربما كانت الكلمة مصحفة [صفحة 108] لأقتلن مقاتليكم ولأسبين ذراريكم، فيقبلون على عامله فيقتلونه. فيأتيه الخبر فيرجع إليهم فيقتلهم، ويقتل قريشاً حتى لا يبقى منهم إلا أكلة (1) كبش ثم يخرج الى الكوفة، ويستعمل رجلاً من أصحابه فيقبل وينزل النجف) (1) . وكذاك فإنه في جيش إمامنا عليه السلام أناس كانوا شيعة لأهل البيت صلوات الله عليهم ففشلوا في الامتحان والاختبار، فقادهم الفشل إلى اتباع الكفر والضلالة. وهذا المعنى واضح في قول الرواية التي تقدم ذكرها: ويخرج ناس كانوا مع آل محمد الى السفياني فهم من شيعته، أي صاروا من شيعته بخروجهم عن آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين. وهكذا هي الفتن والابتلاءات، وهكذا هو التمحيص والاختبار. ولا ينال الفوز إلا ذو حظ عظيم. موضع في الحجاز، وقد ورد ذكرها في روايات أخرى يأتي ذكر بعضها لاحقاً إن شاء الله تعالى. وذكرت في الشعر كقول الأزور البجلي: بكل مهند وبكل عضب تركناهم بشقرة كالرميم وهو الموضع الذي هزمت فيه بنو سليم وقتل حينها رئيسهم في حربهم مع الحصين بن عمرو الأحمسي البجلي لما غزاهم وخرجوا في طلبه فاقتتلوا بالشقرة. [صفحة 109] الوقفة الرابعة: الفتنة السادسة فتنة المعترضين والخارجين عليه صلوات الله وسلامه عليه) في هذه الوقفة أيها المحب الودود سأستعرض لك أهم ماجاء من الأحاديث في هذه الفتنة وما يرتبط بمضمونها ومعناها، وإليكها هي: (۱) من حديث المفضل بن عمر (ره) عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه: قال المفضل: ياسيدي يقيم بمكة؟ قال: لا يا مفضل، بل يستخلف منها رجلاً من أهله، فإذا سار منها وثبوا عليه فيقتلونه، فيرجع إليهم فيأتونه مهطعين مقنعي رؤوسهم يبكون ويتضرعون، ويقولون يا مهدي آل محمد، التوبة التوبة، فيعِظُهم، وينذرهم، ويُحذرهم، ويستخلف عليهم منهم خليفة ويسير، فيتبون عليه بعده فيقتلونه، فيرد إليهم أنصاره من الجن والنقباء ويقول: ارجعوا فلا تبقوا فيهم بشراً إلا من آمن، فلولا أن رحمة ربكم وسعت كل شيء، وأنا تلك الرحمة [صفحة 110] فيرجعون إليهم، فوالله لا يسلم من المائة منهم واحد، لا والله ولا من ألف واحد) (1). (۲) من حديث إمامنا أبي جعفر الباقر صلوات الله عليهما، الذي رواه شيخنا أبو النضر العياشي (ره): .... ثم يدخل (1) المدينة فتغيب عنهم عند ذلك قريش، وهو قول علي بن أبي طالب عليه السلام: والله لودت قريش - أي عندها - موقفاً واحداً جزر جزور) بكل ما ملكت، وكل ما طلعت عليه الشمس أو غربت، ثم يحدث حدثاً، فإذا هو فعل ذلك، قالت قريش: اخرجوا بنا الى هذا الطاغية، فوالله أن لو كان محمدياً ما فعل، ولو كان علوياً ما فعل، ولو كان فاطمياً ما فعل، فيمنحه الله أكتافهم ()، فيقتل المقاتلة ويسبي الذرية، ثم ينطلق (۱) عن البحار الشريف ج ٥٣ ص ۱۱، من حديث طويل. (۲) الفاعل هنا ضمير الشأن المستتر العائد على إمام زماننا صلوات الله عليه. (۳) جزر جزور الجزور هو من الإبل خاصة ما كمل خمس سنين ودخل في السادسة، ويطلق على الذكر والأنثى. وجزر جزور أي تحره، وهو هنا كناية عن القتل الشديد. [صفحة 111] حتى ينزل الشقرة) فيبلغه أنهم قد قتلوا عامله، فيرجع إليهم فيقتلهم مقتلة ليس قتل الحرة (1) إليها بشيء) (۳). (۳) ما رواه شيخنا المفيد (ره) من حديث إمامنا وسيدنا باقر العترة الطاهرة صلوات الله عليه وعليها، إذ يقول: إذا قام القائم عليه السلام سار إلى الكوفة فيخرج منها بضعة عشر ألف نفس يدعون بالتبرية (3) عليهم السلاح فيقولون له: إرجع من حيث جئت فلاحاجة لنا في بني فاطمة فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم ثم يدخل الكوفة فيقتل بها كل منافق مرتاب ويهدم قصورها ويقتل مقاتلها حتى يرضي الله عز وجل)). (1) الشقرة: موضع في الحجاز تقدم الكلام بخصوصه. (۲) الحرة: واقعة معروفة في التأريخ حدثت في أيام يزيد لعنة الله عليه وعلى أبيه يضرب المثل بها في كثرة القتل . (۳) عن تفسير شيخنا العياشي (ره) ج ٢ ص ٥٧ وص ٥٨ من ح ٤٩. (٤) سيأتي الكلام عنهم مفصلا في الفتنة السابعة. [صفحة 112] و ما رواه شيخنا أبو جعفر الطوسي (ره) من حديث دخول إمامنا عليه السلام الكوفة وهدم المساجد الأربعة فيها، الى أن يقول: (ثم لا يلبث إلا قليلاً حتى يخرج عليه مارقة الموالي برميلة الدسكرة (1) عشرة آلاف شعارهم يا عثمان ياعثمان، فيدعو رجلاً من الموالي فيقلده سيفه فيخرج إليهم فيقتلهم حتى لا يبقى منهم أحد، ....) (٢). (۱) رميلة الدسكرة: لم تذكر مدينة بهذا الإسم المركب بحدود اطلاعي في كتب التاريخ أو معاجم البلدان، إلا أن رميلة لوحدها اسم لعدة مواضع هي: أ - منزل في طريق البصرة إلى مكة وهي معروفة اليوم. ب - قرية من قرى البحرين. ج - قرية من قرى بيت المقدس. وذكر الشيخ زين العابدين النجفي (حفظه الله في ج ۳ ص ۲۲۱ من كتابه بيان الأئمة عليهم السلام والرميلة اسم البلدتين بلدة في العراق، وبلدة في لبنان. وأما الدسكرة فهي كلمة ليست عربية إلا أنها تطلق على بناء كالقصر حوله بيوت للأعاجم يكون فيها الشراب والملاهي وهي من شؤون الملوك، أو هي بناء على هيئة القصر فيه منازل وبيوت للخدم والخشم، وقول أنها الصومعة وقول: أنها الأرض المستوية، والمعنى الأول والثاني أكثر شهرة . والدسكرة اسم القرية كبيرة تقع غربي بغداد، وهي أيضاً قرية في طريق خراسان من جهة العراق قرب شهرابان التي تقع شرقي بغداد والتي تعرف بدسكرة الملك لأن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك ملك الفرس [صفحة 113] مارواه شيخنا الأجل أبو جعفر الصفار (ره): (عن عثمان بن عيسى عن ابن مسكان، عن يونس بن ظبيان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أول خارجة خرجت على موسى بن عمران بمرج وانق (۱) وهو بالشام وخرجت على المسيح بحران (1) وخرجت على أمير المؤمنين عليه السلام بالنهروان، ويخرج على القائم بالدسكرة دسكرة الملك)، ثم قال لي: كيف مالح دير بين (٤) ما كي مالح، يعني: عند قريتك وهو بالنبطية) وذاك أن يونس كان من قرية دير بين ما يقال: الدسكرة الى عند دير بين ما)) . بيان ربما تكون هذه الرواية والتي قبلها تتحدثان عن مجموعة مارقة واحدة (1) جاء في البصائر الشريف: مرج وانق، وفي بحار الأنوار الشريف ج ٤٧ ص ٨٤ ٧٦: مرج دائق. وفي معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام ج ٤ ص ٣٤ ح ۱۱۰۲: مرج دابق». والمرج هو الأرض الواسعة الكثيرة النبات تمرج فيها الدواب أي تروح وتجيء ولم نجد لهذا المرج ذكراً في معجم البلدان إلا أن الرواية الشريفة نفسها قالت: إنه في الشام . (۲) حران: مدينة قديمة في العراق تقع على طريق الموصل والشام . (۳) في البصائر الشريف: وسكرة الملك والظاهر أنه تصحيف من النساخ أو خطأ مطبعي، إذ في البحار الشريف: «دسكرة الملك وهو الأنسب من جهة المعنى اللغوي وكذا في معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام. (٤) هكذا في البصائر الشريف، ومعجم أ- أحاديث الإمام عليه السلام، وأما في البحار: دير بيرما. [صفحة 114] كالذين مرقوا عن طاعة سيد الأوصياء صلوات الله عليه وعليهم. وهم آخر مجموعة من مجاميع الخوارج لعنة الله عليهم جميعاً. وربما يكون الذي رواه المؤرخ المسعودي (ره) في مروج الذهب موافقاً لما نحن فيه إذ ينقل عن أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام بعد واقعة النهروان ثم ركب و ومر بهم وهم صرعى، فقال: لقد صرعكم من غركم، قيل: ومن غرهم؟ قال الشيطان وأنفس السوء، فقال أصحابه: قد قطع الله دايرهم إلى آخر الدهر، فقال: كلاً، والذي نفسي بيده، وإنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء، لا تخرج خارجة إلا خرجت بعدها مثلها، حتى تخرج خارجة بين الفرات ودجلة (1) مع رجل يقال له الأشمط). يخرج إليه رجل منا أهل البيت فيقتله، ولا تخرج بعدها خارجة الى يوم القيامة) (۳). (1) إذا قلنا بموافقة هذه الرواية للروايتين السابقتين، فقوله عليه السلام: (بين الفرات ودجلة، قرينة مساعدة على معرفة أن رميلة الدسكرة في بلاد العراق، وقد تقدمت الإشارة الى ذلك. (۲) الأشمط من الشمط وهو الشيب، والأشمط من خالط بياض شعر رأسه سواد، والكلمة هنا في الرواية إما هي على سبيل الوصف أو اللقب فيكون المعنى كما ذكر قبل قليل، وإما أن تكون [صفحة 115] يحدثنا الصحابي الجليل الأكرم عبد الله بن أبي يعفور (ره)، فيقول: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعنده نفر من أصحابه، فقال لي يا ابن أبي يعفور هل قرأت القرآن؟ قال: قلت: نعم هذه القراءة، قال عنها سألتك ليس عن غيرها، قال: فقلت: نعم جعلت فداك، ولم؟ قال: لأن موسى عليه السلام حدث قومه بحديث لم يحتملوه عنه فخرجوا عليه بمصر، فقاتلوه، فقاتلهم، فقتلهم. ولأن عيسى عليه السلام حدث قومه بحديث فلم يحتملوه عنه فخرجوا عليه بتكريت فقاتلوه، فقاتلهم، فقتلهم، وهو قول الله عز وجل: فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين (١)، وإن أول قائم يقوم منا أهل البيت يحدثكم بحديث لا تحتملونه فتخرجون عليه برميلة الدسكرة فتقاتلونه، فيقاتلكم، فيقتلكم، وهي آخر خارجة تكون) (1) . وقد علق شيخنا المجلسي (ره) على هذا الخبر الشريف حين أورده فقال: بيان: قوله: «ولم»، أي ولم لم تسألني عن غير تلك القراءة، وهي المنزلة التي ينبغي أن يعلم، فأجاب عليه السلام بأن القوم لا يحتملون تغيير القرآن ولا يقبلونه واستشهد بما ذكر) (۳)، انتهى كلامه رفع مقامه. [صفحة 116] والتفت أيها العزيز لقوله عليه السلام مخاطباً ابن أبي يعفور (ره): ) يُحدثكم ... لا تحتملونه ... تخرجون عليه ... فتقاتلونه، فيقاتلكم، فيقتلكم) فإنك تجد الضمائر في هذه العبارات كلها ضمائر مخاطبة وهذا ما يشير إلى أن الفتنة هذه في الشيعة ومن الشيعة - نعوذ بالله تعالى وبوجه إمام زماننا صلوات الله عليه منها . . ومما يناسب المقام هو ذكر هاتين الروايتين اللتين رواهما شيخنا أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني (ره) في الكافي الشريف ۱ - (عن محمد بن سليمان عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: قلت له: جعلت فداك، إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها، ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال: لا، اقرأوا كما تعلمتم فسيجيئكم من يُعلمكم) (1) . ) عن سالم بن سلمة، قال: قرأ رجل على أبي عبدالله عليه السلام وأنا أستمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأها الناس. فقال أبو عبدالله عليه السلام: كُفّ عن هذه القراءة، إقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فاذا قام القائم عليه السلام قرأ كتاب الله عز وجل على حده، وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام. وقال: أخرجه علي عليه السلام إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله، وقد جمعته من اللوحين. فقالوا: هو ذا [صفحة 117] عندنا مصحف جامع فيه القرآن، لا حاجة لنا فيه. فقال: أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبدا، إنما كان علي أن أخبركم حين جمعته لتقرأوه) (1) . (۷) من حديث إمامنا وولينا باقر العلوم والمعارف صلوات الله وسلامه عليه: فبينا صاحب هذا الأمر قد حكم ببعض الأحكام، وتكلم ببعض السنن إذ خرجت خارجة من المسجد يريدون الخروج عليه، فيقول لأصحابه: إنطلقوا، فيلحقونهم في التمارين فيأتونه بهم أسرى، فيأمر بهم فيذبحون، وهي آخر خارجة يخرج على قائم آل محمد صلى الله عليه وآله) . بيان ليس هناك من تعارض بين ماجاء في الرواية الرابعة والخامسة وماتم ذكره في البيان بعدهما مع ماجاء في الرواية السادسة والسابعة، إذ ربما يكون المراد من آخر خارجة في البيان المذكور بعد الروايتين الرابعة والخامسة هم آخر من يبقى من الخوارج الذين عرفوا بهذا الاسم منذ واقعة صفين إذ لازالت لهم بقايا الى يومنا هذا منهم من يقطن في بلاد عُمان، ومنهم من يقطن في (۱) عن الكافي الشريف ج ٢ ص ٦٣٣ - ٢٣. [صفحة 118] شمال أفريقيا، ومنهم من يقطن في غيرهما، وهناك احتمال وجيه هو أن يخرج على الإمام عليه السلام من الشيعة أو من غيرهم ويرفعون من الشعارات ما رفعه الخوارج في وجه أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه فيشربون من نفس العين النجسة الآسنة التي شرب منها القوم لعنة الله عليهم في زمن سيد الأوصياء صلوات الله عليه وعليهم. وأما المراد من آخر خارجة في الرواية السادسة والسابعة على تقدير أن الروايتين المذكورتين تتحدثان عن مضمونين الحيثيتين مختلفتين لواقعة واحدة هو أنها آخر خارجة تخرج على الإمام عليه السلام مطلقاً وعلى أي مذهب كانوا، ومن أي مشرب وردوا، أفلا تنظر الى ما تقوله الرواية السابعة الشريفة: وهي آخر خارجة يخرج على قائم آل محمد صلى الله عليه وآله، من دون نظر إلى أي صفة كانت تميز هذه الخارجة عن غيرها، والله ورسوله و امام زماننا صلوات الله عليهما وآلهما أعلم. ومع هذا كله فإننا لا ننكر صحة وجود احتمال أن الرواية السادسة تتحدث عن خارجة غير الخارجة التي تتحدث عنها الرواية السابعة وحتى مع هذا الفرض والتقدير فالأمر سهل ولا يتجافى عن الذي تم بيانه قبل قليل وتتضح الأمور جلية بنحو أكثر إن شاء الله تعالى في المباحث الآتية. [صفحة 119] الوقفة الأخيرة بعد هذا المرور السريع في هذه الفتن الأربع وهي: الفتنة الثالثة، والرابعة، والخامسة، والسادسة، أقفُ بعض الشيء، ـ وقبل الشروع في الحديث عن: الفتنة السابعة، والتي هي: كثرة القتل. والفتنة الثامنة، والتي هي: التشريع والأحكام. وهما من أعظم الفتن والابتلاءات الشديدة بعد فتنة اللات والعزى والتي هي أعظم الفتن كلها وأساس النجاح والفشل فيها . . الأشير أيها المحب الودود إلى أن جميع هذه الفتن ماذكر منها وما لم يذكر تتسق في نظام بحيث يرتبط بعضها بالبعض الآخر. وتتصل نتائج النجاح والفشل في بعضها، مع نتائج النجاح والفشل في البعض الآخر . بل إنما هي سلسلة حلقية تعانقت حلقاتها وتماسكت إن صح التعبير مني بذلك فما إن تسقط هذه الحلقة من سلسلتها إلا كانت سبباً وداعياً لسقوط الحلقة التي بعدها وهكذا فإنّه نظام كنظام الخرز - كما وقع التعبير في بعض الروايات الشريفة - يتبع بعضه بعضاً. وعلى هذا فإن دراسة عامة ولو كانت في حدود الإجمال لاسباب هذه الفتن ونتائجها وأبعادها المختلفة لاتؤتي ثمارها إلا بعد التفحص في كل مجريات هذه التمحيصات بتمامها إن أمكن ذلك، أو على [صفحة 120] ولا عجب أيها الشيعي المخلص أن يلقى إمامنا عليه السلام ما يلقى، وإمامنا الصادق عليه السلام، يقول: القائم عليه السلام يلقى في حربه ما لم يلق رسول الله صلى الله عليه وآله، إن رسول الله صلى الله عليه وآله أتاهم وهم يعبدون حجارة منقورة (1)، وخشباً منحوتة، وإن القائم يخرجون عليه فيتأولون عليه كتاب الله، ويقاتلونه عليه) (۲)، وكفى بهذا قولاً وعبرة. [صفحة 121] الفِتْنَةُ السابِعَةُ كَثْرَةُ القَتْل [صفحة 123] وه شریف (اللهم صل على محمد وأهل بيته، وصل على ولي الحسن ووصيه ووارثه القائم بأمرك، والغائب في خلقك، والمنتظر لإذنك . اللهم صل عليه وقرب بعده، وأنجز وعده، وأوفِ عَهْدَه، واكشف عن بأسه حجاب الغيبة، وأظهر بظهوره صحائف المحنة (١)، وقدم أمامه الرعب، وثبت به القلب، وأقر به الحرب، وأيده بجند من الملائكة مسومين (۲)، وسلطه على أعداء دينك أجمعين، وألهمه: أن لا يدع منهم ركناً إلا هده، ولا هاماً إلا قدة "، ولا كيداً إلا ردة، ولا فاسقاً الأحدة، ولا فرعون إلا أهلكه، ولا ستراً إلا منكه ولا علماً إلا نكسه، ولا سلطاناً إلا كسبه، ولا رمحاً الاقصفه)) (1) هي صحائف محنة آل محمد صلوات الله عليهم وما تجرعوه من الغصص والمصائب العظيمة من لدن هذه الأمة الضالة المنحرفة عن الحق والاستقامة والهدى. (۲) مسومين معلمين بعلامة يعرفون بها في الحرب، وفي ذلك إشارة الى ماورد في الروايات الشريفة من أن الملائكة المسومين الذين نزلوا في بدر سيكونون في جيش إمامنا صلوات الله عليه يوم الفتح العظيم. [صفحة 124] ولا مطرداً) إلا خرقه)، ولا جنداً إلا فرقه، ولا منبراً إلا أحرقه ولا سيفاً الأكسره، ولا صَنَماً الارضه، ولا دماً إلا أراقه، ولا جوراً إلا أباده، ولا حصناً إلا هدمه، ولا باباً إلا ردمه، ولا قصراً إلا خربه، ولا مسكناً إلا فتشه، ولا سهلاً إلا أوطنه، ولا جبلاً إلا صعده، ولا كنزاً إلا أخرجه، برحمتك يا أرحم الراحمين) (۳). (۱) مطرد: هو الرمح القصير يطعن به الوحش. (۲) خرقه: تأتي بمعنى قطعه. [صفحة 125] الوقفة الأولى: نظرة عامة في هذه الوقفة - أيها المحب الودود - أعرض بين يديك طائفة من الأحاديث الشريفة، أجعلها في مجموعات متناسقة ومتقاربة في الدلالة والمضمون، وهي بكلّها تعطيك صورة إجمالية عن الخطوط العامة لهذه الفتنة التي نحن بصددها. ويأتيك شيء من التفصيل في الوقفات الآتية إن شاء الله تعالى . )أ( ۱- عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: قول الله عز ذكره وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) (۱)، قال: لم يجئ تأويل هذه الآية بعد، إن رسول الله صلّى الله عليه وآله رخص لهم لحاجته وحاجة أصحابه، فلو قد جاء تأويلها لم يُقبل منهم، ولكنهم يقتلون حتى يُوحد الله عز وجل وحتى لا يكون شرك)). [صفحة 126] بيان المراد من ترخيص رسول الله صلى عليه وآله: هو غض النظر عن المنافقين الذين كانوا بين المسلمين لأنهم كانوا يظهرون شيئاً، ويُخفون شيئاً آخر، وكان الحساب والمعاملة على ظواهر الأمور لا بواطنها؛ لأن الحكمة تقتضي ذلك. أما لو ظهر إمامنا عليه السلام فإنه لا يقبل منهم الظواهر الزائفة الكاذبة، بل يقتلهم حتى ينتشر التوحيد في آفاق الأرض، وتعلو كلمة الله العليا، وقريب ذلك إن شاء الله تعالى. ٢ ومما رواه شيخنا أبو جعفر الطوسي (ره)، عن إمامنا الباقر صلوات الله عليه من حديثه عن إمام زماننا عليه السلام يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلما وجوراً، ويفتح الله له شرق الأرض وغربها، ويقتل الناس حتى لا يبقى إلا دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ......)) . )ب( مارواه أبو بصير (ره) عن إمامنا الباقر صلوات الله عليه من أنّ في القائم عليه السلام سن من أربعة أنبياء: ...... قلت: وما سنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: إذا قام سار بسيرة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلا أنه يبين [صفحة 127] آثار محمد ويضع السيف على عاتقه ثمانية أشهر هرجاً هر جا) حتى يرضى) الله، قلت: فكيف يعلم رضا الله؟ قال: يُلقي الله في قلبه الرحمة) (). بيان هناك أحاديث تقول: إنه عليه السلام يسير بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله، وهناك أحاديث أخرى لسانها: أنه صلوات الله عليه لا يسير بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله. ولا تناقض في البين إذ الطائفة الأولى من هذه الأحاديث الشريفة ناظرة إلى حيثية هي غير الحيثية التي نظرت إليها الطائفة الثانية. فكونه صلوات الله عليه يسير بسيرة جده صلى الله عليه وآله لأنه من المصطفى والمصطفى منه، ولأن أولهم محمد، وأوسطهم محمد وآخرهم محمد بل كلهم محمد صلوات الله عليهم جميعاً. وأما كونه صلوات الله عليه لا يسير بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله فذلك من جهة أنه عليه السلام سيكون حسابه وتعامله مع الناس بملاحظة واقع الأمور وحقيقتها الباطنية، لا على أساس ظواهر الأمور وسذاجتها كما كان يفعل خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله إذ الظروف المتاحة له، والشرائط المناسبة لوضع الناس، والملابسات الموضوعية هي التي حالت بينه صلى الله عليه (۱) كناية عن كثرة القتل، إذ معنى الهرج هو الكثرة والاتساع. (۲) في غيبة الشيخ النعماني (ره) حتى رضي الله، وفي البحار الشريف ج ٥٢ ص ٣٤٧ - ٩٧ [صفحة 128] وآله وبين أخذ الناس على واقعهم الصادق، وحقيقتهم الأصلية. ۲ روى شيخ الطائفة (ره) عن الحسن بن هارون بياع الأنماط (۱)، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام جالساً فسأله معلى بن خنيس: أيسير القائم بخلاف سيرة علي عليه السلام؟ قال: نعم، وذلك أن علياً عليه السلام سار بالمن والكف لأنه علم أن شيعته سيظهر عليهم، وإن القائم إذا قام سار فيهم بالسيف والسبي، وذلك أنه يعلم أن شيعته لم يُظهر عليهم من بعده أبداً) (۳). ورواية أخرى تتناغم مع هذا المعنى: ) عن أبي بكر الحضرمي قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: لسيرة علي عليه السلام في أهل البصرة كانت خيراً لشيعته مما طلعت عليه الشمس، إنه علم أن للقوم دولة فلوسباهم لسبيت شيعته. قلت: فأخبرني عن القائم أيسير بسيرته؟ قال: إن علياً عليه السلام سار فيهم بالمن لما علم من دولتهم، وإن القائم يسير فيهم خلاف تلك السيرة لأنه لا دولة لهم)) . (4) ومما رواه شيخنا النعماني (ره) عن بشير النبال أنه قال: (1) الأنماط مفارش الصوف الملونة، وقد يقال لثياب الصوف الملونة: أنماط، ومفرده نمط. (۲) المن: هو الإنعام والتفضل، والذي يظهر أن المراد منه هنا هو إطلاق الأسير، وقد يضاف عليه عدم الإجهاز على الجريح، وعدم مطاردة الفار من ساحة القتال وقتله. [صفحة 129] لما قلت لأبي جعفر عليه السلام: إنهم يقولون إن المهدي لوقام لاستقامت له الأمور عفواً ولا يهريق محجمة دم، فقال: كلا والذي نفسي بيده لو استقامت لأحد عفواً لاستقامت لرسول الله صلى عليه وآله حين أدميت رباعيته، وشج) في وجهه، كلاً والذي نفسي بيده حتى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق)، ثم مسح جبهته) (*). والروايات الشريفة بهذا المضمون كثيرة جداً . )ج( ۱ روى شيخنا الطوسي (ره)، عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه حديثاً عن إمام زماننا عليه السلام، جاء فيه: .... ويقتل حتى يقول الجاهل لو كان هذا من ذرية محمد صلى الله عليه وآله لرحم) (1). ۲ - عن عبد الله بن سنان (ره)، عن صادق العترة الطاهرة صلوات الله عليه وعليها قال: يقتل القائم عليه السلام حتى يبلغ السوق قال: فيقول له رجل من ولد أبيه): (1) الضمير: (هم) يعود على أبناء العامة المخالفين (۲) الرباعية بفتح الراء هي السن التي تكون بين الناب والثنايا، وعند الإنسان أربع رباعيات. (۳) الشج: هو الجراحة في الوجه أو الرأس، وشجه: جرحه، أو شقه فأدماه . (٤) العلق: قطع الدم المتجمد، أو المتخثر، والمفرد: العلقة. (٥) عن البحار الشريف ج ٥٢ ص ٣٥٨ ج ١٢٣ (٦) عن غيبة الشيخ (ره) ص ١١٥. [صفحة 130] إنّك لتجفل (1) الناس إجفال النعم، فبعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله، أو بماذا؟ قال: وليس في الناس رجل أشد منه بأساً، فيقوم إليه رجل من الموالي، فيقول له: لتسكتن أو لأضربن عُنقَكَ، فعند ذلك يُخرِجُ القائم عليه السلام عهداً من رسول الله صلى الله عليه وآله)). - عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: بينا الرجل على رأس القائم يأمر وينهى، إذ أمر بضرب عنقه فلا يبقى بين الخافقين شيء إلا خافه) (۳). )د( ۱ - عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قلت له: صالح من الصالحين سمه لي - أريد القائم عليه السلام -، فقال: إسمه إسمي . قلت: أيسير بسيرة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: هيهات هيهات يازرارة ما يسير بسيرته. قلتُ: جعلت فداك، لم؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سار في أُمته بالمن كان يتألفُ الناس، والقائم يسير بالقتل، بذاك أمر في الكتاب الذي معه أن يسير (1) تجعل الناس: تشردهم، وتنفرهم . [صفحة 131] بالقتل ولا يستتيب أحداً، ويل لمن ناواه (۱) (۲). عن ابن دراج قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول في قول الله عز وجل: ﴿ قُلْ يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هُم يُنظرون) (۳)، قال: يوم الفتح: يوم تفتح الدنيا على القائم لا ينفع أحداً تقرّب بالإيمان ما لم يكن قبل ذلك مؤمناً وبهذا الفتح موقناً، فذلك الذي ينفعه إيمانه، ويعظم عند الله قدره وشأنه، وتزخرف له يوم البعث جنانه، وتحجب عنه نيرانه، وهذا أجر الموالين لأمير المؤمنين وذريته الطيبين، صلوات الله عليهم أجمعين) (4) . (هـ) ۱ - (عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن علياً عليه السلام قال: كان لي أن أقتل المولي (*) وأجهز (1) على الجريح، ولكني تركت ذلك للعاقبة من أصحابي إن جرحوا لم يُقتلوا، والقائِم لَهُ أَن يقتل المولي، ويُجهز على الجريح)). (۱) ناواه عاداه و نازعه، واعترض عليه، ورد عليه (۲) عن غيبة الشيخ النعماني (ره) ص ۲۳۱ ح ١٤ . (۳) الآية الشريفة (۲۹) من سورة السجدة المباركة. (٤) عن تأويل الآيات الظاهرة ج ٢ ص ٤٤٥ - ٩ . [صفحة 132] ٢ - عن جابر بن يزيد الجعفي رضوان الله تعالى عليه، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: متى يكون هذا الأمر؟ فقال: أنى يكون ذلك ياجابر ولما يكثر القتل بين الحيرة والكوفة ((١). - وقد روى شيخنا المجلسي (ره)، عن الفضيل بن يسار (ره)، عن إمامنا الصادق المصدق صلوات الله عليه حديثاً في وصف خيرة أصحاب إمامنا الغائب الشاهد عليه السلام جاء فيه: ...... كأن قلوبهم زُبر الحديد لا يشوبها شَكٍّ في ذات الله، أشد من الحجر، لو حَمَلوا على الجبال لأزالُوها، لا يقصدون براياتهم بلدة إلا خربوها، ...)) . توضيح من الموضوعات التي تحدثت عنها روايات الظهور الشريف وبكثرة واضحة هو كثرة القتل للمنحرفين عن جادة الحق والذين طمست قلوبهم طمساً بحيث لا يهتدون سبيلاً وإن أرشدوا - وما أكثرهم!!! - . [صفحة 133] والمقتولون هؤلاء ليسوا من طائفة بعينها، أو شعب بعينه، أو طريقة أو مذهب معين، إنما سيطال القتل كل منحرف رائع عن طريق الإسلام الحق والذي هو إسلام محمد وعلي وآلهما المعصومين صلوات الله عليهم، وغيره كفر وضلالة ونفاق وشرك وإلحاد، ولادين إلا دينهم عليهم السلام وسيكون القتل أيضاً جزاءاً عادلاً لكل أولئك المتلبسين بلباس التشيع والمنتحلين كذباً الولاء لآل محمد صلوات الله عليهم من أهل العلم والفقه أو من غيرهم. ولا غرابة في ذلك، إذ أن الإمام عليه السلام يريد تطهير الأرض، ولا يمكن ذلك ما لم يستأصل عليه السلام كل الذوات النجسة، حيث الاطهارة للأرض ومن عليها إلا بقتلهم وإهلاكهم. وقد استعرضت لك - أيها المحب الودود الراكب في سفينة النجاة - في الوقفة الأولى المتقدمة طائفة من الأحاديث الشريفة تتناول في موضوعاتها خطوطاً عامة، أو جهات متعددة يتمكن الناظر إليها من رسم صورة إجمالية للفتنة السابعة وأبعادها المختلفة والتي سيأتي بيان التفصيل فيها في الوقفات الآتية إن شاء الله تعالى. [صفحة 134] الوقفة الثانية: النار الحسيني الشريف أتعلم أم أنت لا تعلم بأن جراح الضحايا فم أتعلم بأن جراح الشهيد تبقى عن الثأر تستفهم (1) ومما رواه شيخنا أبو جعفر الكليني (ره)، عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه في زيارة سيد الشهداء عليه أفضل الصلاة والسلام: ) السلام عليك يا حجة الله وابن حجته، السلام عليك يا قتيل الله وابن قتيله، السلام عليك ياثار الله وابن ثاره السلام عليك ياوتر الله الموتور في السماوات والأرض، أشهد أن دمك سكن في الخلد، واقشعرت له أظلة العرش، وبكى له جميع الخلائق، وبكت له السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن ما بينهن، ومن يتقلب في الجنة والنار من خلق ربنا، وما يرى [صفحة 135] ومالا يرى، أشهد أنك حجة الله وابن حجته، وأشهد أنك قتيل الله وابن قتيله، وأشهد أنك ثائر الله وابن ثائره، وأشهد أنك وتر الله الموتور في السماوات والأرضِ،........ ولقد جاء في زيارة سيد الشهداء صلوات الله عليه يوم عاشوراء، والمعروفة بزيارة الناحية المقدسة: (فلتن أخرتني الدهور، وعافني عن نصرك المقدور، ولم اكن لمن حاربك محارباً، ولمن نصب لك العداوة مناصبا، فلاند بنك صباحاً ومساء، ولا بكين لك بدل الدموع دماً، حسرةً عليك، وتأسفاً على مادهاك، وتلهفاً حتى أموت بلوعة المصاب، وغصة الاكتياب) (٢). وإن أبا بصير يحدثنا عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه في وصف إمام زماننا عليه أفضل الصلاة والسلام حين الظهور الشريف: (يا أبا محمد) إنه يخرج موتوراً) غضبان أسفاً لغضب الله على هذا الخلق، يكون عليه قميص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم الذي عليه (1) عن الكافي الشريف ج ٤ ص ٥٧٦ من ج ٢. (۲) عن البحار الشريف ج ۱۰۱ ص ۳۲۰. [صفحة 136] يوم أحد، وعمامته السحاب، ودرعه درع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، السابغة، وسيفه سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذو الفقار، يجرد السيف على عاتقه ثمانية أشهر يقتل هرجا، ....) (١). وينقل الفضيل بن يسار (ره) عن صادق العترة أيضاً صلوات الله عليه وعليها في وصف أصحاب إمامنا عليه السلام: ) يدعون بالشهادة، ويتمنون أن يُقتلوا في سبيل الله، شعارهم: بالثارات الحسين، ...). ويحدثنا شيخنا الصدوق (ره) بطريقه عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: يابن رسول الله ما تقول في حديث روي عن الصادق عليه السلام، أنه قال: إذا خرج القائم عليه السلام قتل ذراري قتلة الحسين عليه السلام بفعال آبائهم؟ فقال عليه السلام هو كذلك. فقلت: وقول الله عز وجل: ولا تزر وازرة وزر أخرى) ما معناه؟ قال: صدق الله في جميع أقواله، ولكن ذراري قتلة الحسين عليه السلام يرضون بفعال آبائهم ويفتخرون بها، ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه ولو أن رجلاً قتل بالمشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله عزّ (1) عن غيبة الشيخ النعماني (ره) ص ۳۰۸ من ح ۲. [صفحة 137] وجل شريك القاتل، وإنما يقتلهم القائم عليه السلام إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم، .....)) . وفي زيارة وارث الشريفة ۱ - (فلعن الله أمةً قتلتكَ، ولعن الله أمةٌ ظَلَمتك، ولعن الله أمةً سمعت بذلك فرضيت به، يا مولاي يا أبا عبدالله، ...)). ۲ - (فلعن الله أمة أسرَجَتْ وألجمت وتهيأت لقتالك يا مولاي يا أبا عبد الله، ...). وفي زيارة عاشوراء الشريفة (فلعن الله أمة أسست أساس الظلم والجور عليكم أهل البيت، ولعن الله أمة دفعتكم عن مقامكم وأزالتكم عن مراتبكم التي رتبكم الله فيها، ولعن الله أمة قتلتكم، ولعن الله الممهدين لهم بالتمكين من قتالكم، برئت إلى الله وإليكم منهم ومن أشياعهم وأتباعهم وأوليائهم .....)) . ومثل هذه المعاني العزيزة كثيرة في الزيارات الشريفة والأدعية المباركة، وفيرة في الأحاديث المعصومية الكريمة، ولا يخفى ذلك على من جاس خلال الديار، واقتفى آثار الأخبار. (1) عن عيون الأخبار الشريف ج ۱ ص ۲۱۲ وص ۲۱۳ من حه. [صفحة 138] وهنا فائدتان: القائدة الأولى ومَنْ قُتِل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يُسرف في القتل إنه كان منصورا (1). كلام في قراءتها: وقع الاختلاف في قراءة هذا المقطع من الآية الشريفة المتقدمة الذكر: فلا يسرف) وبيان ذلك يكون في: أولاً - المكتوب في المصاحف الشريفة المتداولة والمعروفة بين أهل القبلة والتي كتبت وفقاً لرواية حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي القراءة عاصم بن أبي النجود الكوفي كما هو المعروف والمشهور: فلا يسرف) إذ وضعت الضمة على الياء، والسكون على السين، والكسرة تحت الراء وتركت الفاء من دون علامة مطلقاً. إلا أن المعروف في رسم المصحف أنه إذا ما عري الحرف حتى من علامة السكون مع تشديد الحرف التالي له كما في المقام الذي بين أيدينا: [صفحة 139] فلا يُسرف في) فإن ذلك يدل على إدغام الحرف الأول في الحرف الثاني إدغاماً كاملا، ولاشيء آخر، وعليه إن صح هذا وتم فإن التلاوة ستكون وفقاً لذلك بتسكين القاء . ثانياً - قرأ حمزة، والكسائي، وابن عامر، وخلف، وحذيفة، وابن و تاب، ومجاهد، والأعمش: فلا تسرف) وقرأ أبو مسلم السراج، وأبو مسلم العجلي: فلا يُسرف وقراءتان عن أبي: فلا تسرفوا، و فلا يسرفوا) وإذا ما أردت التفصيل في هذا القراءات ومعرفة مصادرها فدونك معجم القراءات القرآنية ج ۳ ص ۳۲۰ مسلسل ٤٥٣٠، سورة الإسراء، آية ٣٣ . ثالثاً - والذي نجده في روايات أهل البيت عليهم السلام أن لهذه الآية الشريفة قراءتين: الأولى: فلا يُسرف) بلحاظ أن (لا) هنا هي لا الناهية التي تجزم الفعل المضارع وتفيد معنى النهي والزجر. ويتم هذا المعنى وفقاً لتفسير الآية الشريفة في عموم القتل . [صفحة 140] بلحاظ أن (لا) هنا هي لا النافية التي لا تفعل شيئاً إعرابياً ظاهراً في الفعل المضارع. إنما تفيد معنى النفي ويتم هذا الكلام وفقاً لتأويل الآية الشريفة أو تفسيرها بقتل سيد الشهداء صلوات الله عليه كما نصت على ذلك طائفة كبيرة من الأحاديث المعصومية الشريفة. كلام في دلالاتها الواقعية ومعناها المحض: وهل هناك كلام يستحق الذكر في مثل هذه المقامات غير كلامهم صلوات الله عليهم؟! وهذا كلامهم النوري المقدس، فاغتنمه وتبصر به، تلق عجباً: ١ - عن شيخنا الكليني (ره)، عن بعض أصحاب إمامنا الصادق صلوات الله عليه، قال: (سئلته عن قول الله عز وجل: ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فَلا يُسرف في القتل، قال: نزلت في الحسين عليه السلام، لو قتل) أهل الأرض به ما كان سَرَفاً) (٢). ۲ - (عن محمد بن سنان عن رجل قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قوله تعالى: ومَن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً)، قال: ذلك قائم آل محمد يخرج فيقتل بدم الحسين فلو قَتَلَ أهل الأرض لم يكن مسرفاً، وقوله: فلا يسرف في القتل أي لم يكن ليصنع شيئاً فيكون مسرفاً، ثم قال أبو عبدالله عليه السلام: يقتل [صفحة 141] والله ذراري قتلة الحسين بفعال آبائها) (۱). ۳ - (عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: سألته عن قول الله عز وجل: ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يُسرف في القتل، قال: نزلت في الحسين عليه السلام، لوقتل وليه أهل الأرض به ما كان مسرفاً، ووليه القائم عليه السلام) (۲). بل جاء مروياً في كتاب علائم الظهور: (وحين يقول الناس عن إمام زماننا عليه السلام: إنه يقتل ولا يرحم يرتقي المنبر صلوات الله عليه ويخرج نعلاً هي لسيد الشهداء صلوات الله عليه، ويقول: لو أني قتلت جميع الأعداء، ماوفوا بهذا الدم الذي تلطخ به سير) هذه النعل))، وفي خبر آخر، أنه يقول صلوات الله عليه: (لو أني قتلت أهل العالم أجمعهم ما كانوا عوضاً لسير هذه النعل)) . وذكر هذين الحديثين أيضاً: العلامة الأجل الميرزا محمد تقي الموسوي الإصفهاني (ره)، في كتابه الذي أمره إمام زماننا عليه السلام بتصنيفه، وقد أمره صلوات الله عليه أن يعنونه: (مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم عليه السلام) . وذلك في ج ١ ص ٤٥٨ ح ٩٢٧ وح ٩٢٨ . (1) عن تفسير البرهان الشريف ج ۲ ص ٤١٨ ح ٥، نقله عن كامل الزيارات الشريف. (۲) عن تأويل الآيات الظاهرة ج ۱ ص ۲۸۰ ح ۱۰. (۳) سير النعل: هو رباطه وحزامه الذي يشد به حين إنتعاله . [صفحة 142] تذييل وهذه أيها المحب الثائر المفجوع بحسين فاطمة صلوات الله عليهما وآلهما طائفة من المصادر التي ذكرت هذا المعنى وماجاء فيه من الأحاديث المعصومية الشريفة: ۱ - كامل الزيارات الشريف ص ٦٣ باب ١٨ حه. ٢- تفسير شيخنا العياشي (ره) ج ۲ ص ۲۹۰ و ص ٢٩١ ح ٦٤ و ح ٦٥ وح ٦٧ وح ٦٩. ٣ - تأويل الآيات الظاهرة ج ۱ ص ۲۸۰ ح ۹ و ۱۰ . ٤ - التفسير الصافي الشريف ج ۳ ص ۱۹۱. ه - تفسير نور الثقلين الشريف ج ٣ ص ١٦٢ و ص ١٦٣ ح ١٩٥ و ١٩٦ وح ۱۹۹ و ۲۰۰ و ۲۰۱. ٦ - تفسير البرهان الشريف ج ۲ ص ٤١٨ وص ٤١٩ ح ٣ و ٥ و ح ٧ وح وح ٩ و ١١ و ١٤ - تفسير كنز الدقائق الشريف ج ٥ ص ٥١٦ وص ٥١٧ . - البحار الشريف ج ٤٤ ص ۲۱۸ وص ۲۱۹ ح ٥ و ٦ وح ٧ وح ۱۰. ۹ - البحار الشريف ج ٤٥ ص ٢٩٨ ح ۷. ۱۰ - البحار الشريف ج ٥١ ص ۳۰ ح . [صفحة 143] الفائدة الثانية ) أين الطالب بدم المقتول بكربلاء؟) (۱) أدرك تراتك (٢) أيها الموتور فَلَكُم بِكُلِّ يد دم مهدور ما صارم إلا وفي شفراته نَحرُ لَآلِ محمد منحور ولو أنك إستأصلت كل قبيلة قَتْلاً فَلا سَرَفٌ ولا تبذير خذهم فَسُنَةُ جَدكم ما بينهم منسيةٌ وكِتابُكم مهجور غصبوا الخلافة من أبيك وأعلنوا إن النبوة سحرها مأثور والبضعة الزهراء أمك قد قضت قرحي الفواد وضلعها مكسور وأبوا على الحسن الزكي بأن يرى مثواه حيث محمد مقبور واسئل بيوم الطف سيفك إنه قد كلم الأبطال فهو خبير يوم أبوك السبط شمر غيرة للدين لما أن عفاه) دثور بأبي القتيل وغسله على الدما وعليه من أرج الشا كافور ظمان يعتلج الغليل بصدره وتبل للخطي منه صدور وتحكمت بيض السيوف بجسمه ويح السيوف فحكمهن يجور وغدت تدوس الخيل منه أضالعاً سر النبي بطيها مستور وهوين ألوية الشريعة نكصاً وتعطل التهليل والتكبير (٥) (۱) عن المفاتيح الشريف ص ٥٣٥، من دعاء الندبة المبارك. (۲) تراتك ذحولك. (۳) عفاه: غطاه. [صفحة 144] وإليك أيها المحب المحزون ومضات قدسية من نفح العصمة، سلسلت بحسب دلائلها المعنوية: (۱) عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه في زيارة جده المظلوم عليه أفضل الصلاة والسلام: ) ضَمَنَت الأرض ومن عليها دمك وتارك يابن رسول الله .. (۲) وفي مقام آخر من نفس هذه الزيارة الشريفة: ) وأنك ثار الله في الأرض من الدم الذي لا يدرك ثاره من الأرض إلا بأولياتك)). (۳) وما جاء عن صادق العترة الطاهرة صلوات الله عليه وعليها في زيارة أخرى لإمامنا الشهيد العطشان صلّى الله عليه ولعن الله قاتليه، في مخاطبة الشهداء الأبرار: ) وأن الله مدرك بكم تاركم، وأنتم سادة الشهداء في الدنيا والآخرة)) . [صفحة 145] وعنه صلوات الله عليه في الزيارة التي أشرنا إليها أولاً، في مخاطبة الشهداء الأطهار أيضاً: (الله مدرك لكم وتزكم، ومدرك بكم في الأرضِ عدوة)). (٥) وقال عليه السلام مخاطباً جده الحسين صلوات الله عليه: ) وانك ثار الله في أرضه حتى يستثير لك من جميع خلقه)). وقليل هذا - اي والله - سيري يا حسين (٦) وعنه صلوات الله عليه: ) وأنك ثار الله في الأرض والدم الذي لا يُدرِكُ ثارة " أحدٌ من أهل الأرض، ولا يُدركه الا الله وحده)). (۱) عن كامل الزيارات الشريف ص ١٩٦ باب ٧٩ من ح 1. (۲) عن كامل الزيارات الشريف ص ١٩٦ باب ۷۹ من ح ۱. [صفحة 146] وفي الزيارة الشريفة أيضاً: ) وبك يدرك عند الله أهل الترات طلبتهم . (۸) وجاء أيضاً في زيارته الشريفة صلوات الله عليه: ) وبكَ يُدْرِكُ أهلُ الترات من عباد الله طلبتهم . (۹) ومسك الختام ماجاء في زيارة سيد الشهداء صلوات الله عليه عن إمامنا الصادق عليه السلام: ) وبكم يدرك الله ترة كل مؤمن يطلب بها)). (1) عن كامل الزيارات الشريف ص ١٩٦ باب ٧٩ من ح ۱ ... [صفحة 147] ومن نور الدعاء الشريف: مثالثا قفقها عن أبي حمزة الثمالي (ره)، عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه: اسم رب الحسين (شف صدر الحسين اللهم رب الحسين وهب برم ولحسين، وسم رب الحسين انتقم من رضي بقتل الحسين السم رب الحسين انتقم من خالف الحسين اللهم رب (الحسين انتقم من فرح بقتل الحسين) (1) . آمين، آمين وفي كتاب علائم الظهور: أنه إذا ظهر القائم، قام بين الركن والمقام، وينادي بأعلى صوته: ألا يا أهل العالم، أنا القائم المنتظر . ألا يا أهل العالم، أنا الصمصام المنتقم. ألا يا أهل العالم، إن جدي الحسين قتلوه عطشانا. ألا يا أهل العالم، إن جدي الحسين سحقوه عريانا. ألا يا أهل العالم، إن جدي الحسين طرحوه عدوانا (٢). [صفحة 148] الوقفة الثالثة: قتل النواصب والمرجنة «لعنة الله عليهم جميعاً وهنا مقدمة تشتمل على مقامين المقام الاول الناصب لعنة الله عليه في حديث أهل البيت عليهم السلام )أ( ) عن عبد الله بن سنان عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت لأنك لا تجد رجلاً يقول: أنا أبغض محمداً وآل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولّونا، وأنكم من شيعتنا) (١). )ب( عن محمد بن أحمد بن زياد، وموسى بن محمد بن علي بن عيسى قال: كتبت إليه يعني علي بن محمد عليهما السلام أسأله عن الناصب هل أحتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاد إمامتهما؟ [صفحة 149] فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب) (۱). )ج( ) عن ابن أبي يعفور، قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من ادعى إمامة من الله ليست له، ومَن جَحدَ إماماً من الله، ومن زعم أن لهما (1) في الإسلام نصيباً)). )د( ) عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام - في حديث - قال: وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت فهو شرهم؛ فإن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب، وإن الناصب لنا أهل البيت لأنجس )1() منه تعليق: وإليك أيها المحب الودود ما يرويه ابن المغازلي الشافعي في كتاب المناقب: (۱) عن الوسائل الشريف ج ٦ ص ٣٤١ وص ٣٤٢ ح ١٤. (۲) الضميرة هما، يشير إلى الجبت والطاغوت . [صفحة 150] عن ابن عباس قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله إذ أقبل علي بن أبي طالب غضبان، فقال له النبي صلّى الله عليه وآله: ما أغضبك؟ قال: آذوني فيك بنوعمك . فقام رسول الله صلى الله عليه وآله مغضباً فقال: يا أيها الناس من آذى علياً فقد آذاني، إن علياً أولكم إيماناً وأوفاكم بعهد الله يا أيها الناس من آذى علياً بعث يوم القيامة يهودياً أو نصرانياً . قال جابر بن عبدالله الأنصاري: يارسول الله، وإن شهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله؟ فقال: ياجابر، كلمة يحتجزون بها أن لا تسفك دماؤهم وأن لا يستباح أموالهم وأن لا يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)). وإذا البينات لم تغن شيئاً فالتماس الهدى بهن عياء وإذا ضلت العقول على علم فماذا تقوله النصحاء؟! [صفحة 151] المقام الثاني في تعريف المرجئة لعنة الله عليهم أولاً - قال شيخنا الطريحي (ره) في مجمع البحرين ومطلع النيرين: ) وقد أختلف في المرجئة فقيل: هم فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، سموا مرجئة لاعتقادهم أن الله تعالى أرجأ تعذيبهم عن المعاصي، أي أخره عنهم. وعن إبن قتيبة، أنه قال: هم الذين يقولون الإيمان قولاً بلا عمل، لأنهم يقدمون القول ويؤخرون العمل . وقال بعض أهل المعرفة بالملل: إن المرجئة هم الفرقة الجبرية الذين يقولون: إنّ العبد لافعل له، وإضافة الفعل إليه بمنزلة إضافته إلى المجازات كجرى النهر، ودارت الرحى، وإنما سميت المجبرة مرجئة لأنهم يؤخرون أمر الله ويرتكبون الكبائر) (١). الى أن يقول (ره): ) وفي الحديث خطاباً للشيعة: (أنتم أشد تقليداً أم المرجئة، قيل: أرادَ بهم ماعدا الشيعة من العامة، اختاروا من عند أنفسهم رجلاً بعد رسول الله وجعلوه رئيساً، ولم يقولوا بعصمته عن الخطأ، وأوجبوا طاعته في كُلِّ ما يقول، ومع ذلك قلدوه في كل ماقال، وأنتم نصبتم رجلاً - يعني علياً عليه [صفحة 152] السلام - وإعتقدتم عصمته عن الخطأ ومع ذلك خالفتموه في كثير من الأمور، وسماهم مرجئة لأنهم زعموا أن الله تعالى أخر نصب الإمام ليكون نصبه باختيار الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله. وفي الحديث: (القرآن يخاصم به المرجئ والقدري والزنديق الذي لا يؤمن به »، وفسر المرجئ بالأشعري، والقدري بالمعتزلي . وفي حديث آخر قال: ذكرت المرجئة والقدرية والحرورية فقال عليه السلام: (لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة التي لا يعبدون الله على )۱()شي (ع ثانياً - وقال الشيخ الثقة أبو محمد الحسن النوبختي (ره) في كتابه الفرق: فلما قتل علي عليه السلام التقت الفرقة التي كانت معه والفرقة التي كانت مع طلحة والزبير وعائشة فصاروا فرقةً واحدة مع معاوية ابن أبي سفيان - إلا القليل منهم من شيعته ومن قال بإمامته بعد النبي صلى الله عليه وآله - وهم السواد الأعظم وأهل الحشو وأتباع الملوك وأعوان كل من غلب أعني الذين التقوا مع معاوية فسموا جميعاً المرجئة؛ لأنهم توالوا المختلفين جميعاً وزعموا أن أهل القبلة كلهم مؤمنون بإقرارهم الظاهر بالإيمان ورجوا لهم جميعاً المغفرة) (٢). وفي نسخة أخرى من نفس هذا الكتاب المذكور إضافة على المعنى [صفحة 153] المتقدم: (ولم يبق مع إبنه الحسن إلا القليل من الشيعة ...)). ثم ذكر (ره) افتراق المرجئة الى أربع فرق وذكر طائفة من وجوههم ورجالاتهم: ١ - أبو حنيفة . ۲ - مالك بن أنس . - محمد بن إدريس الشافعي . ٤ - سفيان بن سعيد الثوري . ه - ابن أبي ليلى - شريك بن عبدالله . - غيلان بن مروان . - جهم بن صفوان وغيرهم من أبناء العامة والمخالفين لمذهب الحق إذ لا يراد من المرجئة إلا هؤلاء ولذا نجد الشيخ النوبختي (ره) يقول في موضع آخر: ) فجميع أصول الفرق كلها الجامعة لها أربع فرق الشيعة والمعتزلة والمرجئة، والخوارج) (٢). وقال مثله أيضاً شيخنا الأجل سعد بن عبد الله الأشعري القمي رضوان الله تعالى عليه في كتابه المقالات والفرق [صفحة 154] ) فجميع أصول الفرق كلها الجامعة لها أربعة فرق الشيعة، والمرجئة، والمعتزلة، والخوارج)(1). وذكر أيضاً (ره) في ص ٥ وص ٦ رقم ١٤ من كتابه المذكور نفس الكلام الذي ذكره شيخنا النوبختي (ره) في تعريف المرجئة. ثالثاً - والذي يظهر من الأحاديث المعصومية الشريفة أن المرجئة عنوان يطلق على منكري الإمامة والوصية والعصمة المنصوصة من الله سبحانه وتعالى ونبيه الأعظم صلى الله عليه وآله. ولذا يقول سيد الأوصياء صلوات الله عليه وعليهم: (علموا صبيانكم من علمنا ما ينفعهم الله به، لا تغلب عليهم المرجئة برأيها) (٢). والكلمة الشريفة هذه تكشف عن وجود المرجئة حتى في زمن سيد الأوصياء صلوات الله عليه وعليهم، لاكما تقدم ذكره من إطلاق هذا العنوان على من شايع معاوية لعنة الله عليه ودان بدين ضلالته و جاهليته. وفي الكافي الشريف: عن جميل بن دراج وغيره، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: بادروا أولادكم) بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة) (1). ويحدثنا شيخنا الكليني (ره): (عن محمد بن عبيدة قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: يا محمد أنتم أشد تقليداً أم المرجئة؟ قال: قلتُ: قلدنا (۱) عن المقالات والفرق ص ١٥. (۲) عن الوسائل الشريف ج ١٥ ص ۱۹۷ ح ه، وهو مقتطف من حديث الأربعمائة المعروف. [صفحة 155] وقلدوا، فقال: لم أسألك عن هذا، فلم يكن عندي أكثر من الجواب الأول، فقال أبو الحسن عليه السلام: إن المرجئة نصبت رجلاً لم تُفرض طاعته وقلدوه وأنتم نصبتم رجلاً وفرضتُم طاعته ثم لم تقلدوه، فهم أشد منكم تقليداً) (1) . رابعاً - ومن هنا روى شيخنا أبو جعفر الكليني (ره) طائفة من الأحاديث المعصومية الشريفة في هذا السياق وهذا المعنى، أقتطف لك بعضاً منها: أ - عن أبي بكر الحضرمي، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أهل الشام شر أم أهل الروم؟ فقال: إن الروم كفروا ولم يُعادونا، وإن أهل الشام كفروا وعادونا) (٢). ب - عن أبي مسروق، قال: سألني أبو عبدالله عليه السلام: عن أهل البصرة ماهم؟ فقلت: مرجئة وقدرية وحرورية، فقال: لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد الله على شيء) (۳). ج - (عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: أهل الشام شر من أهل الروم، وأهل المدينة شرّ من أهل مكة، وأهل مكة يكفرون بالله جهرة) (4) . د - (عن أبي بصير، عن أحدهما) عليهما السلام، قال: إن أهل مكة (۱) عن الكافي الشريف ج ١ ص ٥٣ ٢. (5) الضمير «هما» يشير الى الإمامين المعصومين (۲) عن الكافي الشريف ج ٢ ص ٤١٠ ٥. الباقر والصادق صلوات الله عليهما . [صفحة 156] ليكفرون بالله جهرة، وإن أهل المدينة أخبث من أهل مكة، أخبث منهم سبعين ضعفاً) (1). والسر في خبث أهل المدينة إلى هذا الحد هو عداوتهم لأهل البيت عليهم السلام، وموالاتهم ونصرتهم لأعدائهم لعنة الله عليهم. وبعد هذه المقدمة أعرض بين يديك أيها المحب الودود نماذج من أحاديثنا الشريفة والتي تتناول مقتلة النواصب والمرجئة لعنهم الله تعالى على يد إمامنا صلوات الله عليه: (۱) ) عن بشير بن أبي أراكة النبال - ولفظ الحديث على رواية بن عقدة ـ، قال: لما قدمت المدينة إنتهيت إلى منزل أبي جعفر الباقر عليه السلام، فإذا أنا ببغلته مسرجة بالباب فجلست حيال الدار، فخرج فسلمت عليه فنزل عن البغلة وأقبل نحوي، فقال: ممن الرجل؟ فقلت: من أهل العراق، قال: من أيها؟ قلت: من أهل الكوفة، فقال من صحبك في هذا الطريق؟ قلت: قوم من المحدثة، فقال: وما المحدثة؟ قلت: المرجئة، فقال: ويح هذه المرجئة إلى من يلجؤون غداً إذا قام قائمنا؟ قلت: إنهم يقولون: لو قد كان ذلك كنا وأنتم في العدل سواء، فقال: [صفحة 157] من تاب تاب الله عليه، ومن أسر نفاقاً فلا يُبعد الله غيره، ومن أظهر شيئاً أهرق الله دمه، ثم قال: يذبحهم والذي نفسي بيده كما يذبح القصاب شاته، وأوماً بيده إلى حلقه، قلت: إنهم يقولون: إنه إذا كان ذلك استقامت له الأمور فلا يهريق محجمة دم، فقال: كلا والذي نفسي بيده حتى تمسح وأنتم العرق والعلق، وأومأ بيده إلى جبهته) (1) . (۲) ومن حديث مفصل يرويه المحدث الثقة عبد الأعلى الحلبي (ره) عن إمامنا أبي جعفر الباقر صلوات الله عليهما يقول فيه: .... حتى إذا صعد النجف قال (۲) لأصحابه: تعبدوا ليلتكم هذه فيبيتون بين راكع وساجد يتضرعون إلى الله حتى إذا أصبح، قال: خُذوا بنا طريق النخيلة وعلى الكوفة جند مجند (۳)، قلت: جند مجند؟ قال: إي والله حتى ينتهي إلى مسجد إبراهيم عليه السلام بالنخيلة فيصلي فيه ركعتين فيخرج إليه من كان بالكوفة من مرجئها وغيرهم من جيش السفياني، فيقول لأصحابه: إستطردوا لهم ثم يقول: كُروا عليهم. قال أبو جعفر عليه السلام: ولا يجوز والله الخندق منهم مخبر، ...) (). (1) عن غيبة الشيخ النعماني (ره) ص ٢٨٣ وص ٢٨٤ ج ١. (۲) الفاعل هنا ضمير الشأن المستتر العائد على إمام زماننا صلوات الله عليه. [صفحة 158] ) عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تبارك وتعالى: الذين يمشون على الأرض هونا (۱)، إلى قوله: حسنت مستقراً ومقاما، ثلاث عشر آية، قال: هم الأوصياء يمشون على الأرض هونا، فإذا قام القائم عرفوا كل ناصب نصب عليه فإن أقر بالإسلام وهو الولاية وإلا ضربت عنقه، أو أقر بالجزية فأداها كما يؤدي أهل الذمة ((٣). (٤) عن إمامنا وولينا الصادق المصدق صلوات الله عليه: يقدم القائم عليه السلام حتى يأتي النجف فيخرج إليه من الكوفة جيش السفياني وأصحابه، والناس معه، وذلك يوم الأربعاء فيدعوهم ويُناشِدُهم حقه ويخبرهم أنه مظلوم مقهور، ويقول: من حاجني في الله فأنا أولى الناس بالله - إلى آخر ما تقدم من هذه (4) - فيقولون: إرجع من حيث شئت لا حاجة لنا فيك، قد خبرناكم واختبرناكم فيتفرقون من غير قتال. فإذا كان يوم الجمعة يعاود فيجيء سهم فيصيب رجلاً من المسلمين فيقتله (1) من الآية الشريفة (٦٣) من سورة الفرقان المباركة. (۲) من الآية الشريفة (٧٦) من سورة الفرقان المباركة. (۳) عن تفسير فرات الكوفي (ره) ص ۱۰۷ وص ۱۰۸، طبعة النجف الأشرف، وص ٢٩٣ ٣٩٥، [صفحة 159] فيقال إن فلاناً قد قتل، فعند ذلك ينشر راية رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا نشرها انحطت عليه ملائكة بدر فإذا زالت الشمس هبت الريح له فيحمل عليهم هو وأصحابه فيمنحهم الله أكتافهم ويُولّون، فيقتلهم حتى يدخلهم أبيات الكوفة، .....)). (٥) من حديث رواه شيخ الطائفة (ره)، عن أبي بصير (ره)، يتناول فيه شيئاً مما يحدث في زمان ظهور إمامنا صلوات الله عليه، فيقول: .... ثم لا يلبث إلا قليلاً حتى يخرج عليه مارقة الموالي برميلة الدسكرة عشرة آلاف شعارهم ياعثمان يا عثمان فيدعو رجلاً من الموالي فيقلده سيفه فيخرج إليهم فيقتلهم حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يتوجه إلى كابل شاه وهي مدينة لم يفتحها أحد قط غيره فيفتحها، ثم يتوجه إلى الكوفة فينزلها وتكون داره ويبهرج (1) سبعين قبيلة من قبائل العرب ...) (۳). وقد جاء مروياً عن صادق العترة الطاهرة صلوات الله عليه وعليها: ) لا تذهب الدنيا حتى تندرس أسماء القبائل، ويُنسب القبيلة إلى رجل منكم فيقال لها: آل فلان، وحتى يقوم الرجل منكم إلى حسبه ونسبه وقبيلته فيدعوهم فإن أجابوه وإلا ضرب أعناقهم ((٤) . (۱) عن البحار الشريف ج ٥٢ ص ٣٨٧ من ح ٢٠٥ (٤) عن البحار الشريف ج ٥٢ ص ٣٨٩. [صفحة 160] ولا يخفى عليك أيها المحب الودود فيما لو تأملت في كثير من الأحاديث الشريفة التي تتعانق موضوعاتها مع موضوعنا الذي بين أيدينا لرأيت أن القتل في العرب سيكون كثيراً، والسر في ذلك يكمن في كون أغلبهم وأكثرهم من المخالفين لأهل البيت عليهم السلام، وإن لهم من المواقف المخزية والمعادية للحق فيما لو ظهر إمامنا صلوات الله عليه، إضافة الى أن الكثير ممن يدعي التشيع منهم سيسقط ويفشل في امتحانات واختبارات زمن الغيبة الشريف وذلك ما تتحدث عنه طائفة كبيرة من الأحاديث المعصومية الشريفة. حيث جاء عن إبن أبي يعفور، قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: ويل لطغاة العرب، من أمر قد اقترب، قلتُ: جعلت فداك كم مع القائم من العرب؟ قال: نفر يسير، قلت: والله إن من يصف هذا الأمر (1) منهم لكثير، قال: لابد للناس من أن يُمحصوا ويُميزوا ويُغربلوا ويستخرج في الغربال خلق كثير) (٢). وروى أبو بصير (ره): (عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: مع القائم عليه السلام من العرب شيء يسير، فقيل له: إن من يصف هذا الأمر منهم لكثير، قال: لابد للناس من أن يُمحصوا ويُميزوا ويُغربلوا، وسيخرج من الغربال خلق كثير) (۳). وفي غيبة شيخنا الطوسي (ره): (عن أبي عبدالله عليه السلام، أنه قال: (1) الأمر كناية عن التشيع والولاء لأهل البيت عليهم السلام . [صفحة 161] إتق العرب فإن لهم خبر سوء، أما إنه لا يخرج مع القائم منهم واحد (1). وروى شيخنا الأجل إبن أبي زينب النعماني (ره) حديثاً عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه، جاء في بعضه: (والله لكأني أنظر إليه (1) بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد، على العرب شديد، وقال: ويل لطغاة العرب من شر قد اقترب (۳). وفي بحار الأنوار الشريف، عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه: (ما بقي بيننا وبين العرب إلا الذبح، وأو ما بيده إلى حلقه)). ودونك أيها العزيز إضمامة من الأحاديث المعصومية الشريفة التي تتناول بالبيان تقتيله عليه أفضل الصلاة والسلام لعنصر الفساد والضلالة بني أمية لعنهم الله قاطبة)، وطغاة قريش ونصابها، وبني شيبة سراق بيت الله الحرام ومن نصب العداء لأهل البيت عليهم السلام وخالف طريقتهم من العرب والفرس لعنة الله عليهم جميعاً. (۱) عن غيبة الشيخ (ره) ص ٢٨٤. ولعل المراد من ذلك طواغيت العرب من ظلمة سلاطينهم، وفسقة علمائهم وقرائهم ومن سار في ركابهم أعاذنا الله تعالى وإياكم منهم. (۲) الضمير المتصل عائد على إمام زماننا صلوات الله عليه. (۳) عن غيبة الشيخ النعماني (ره) ص ١٩٤ من ح ١ . (٤) عن البحار الشريف ج ٥٢ ص ٣٤٩ ج ١٠١. [صفحة 162] (اللهم إني أتقرب إليك في هذا اليوم، وفي موقفي هذا، وأيام حياتي، بالبراءة منهم، واللعنة عليهم، وبالموالاة لنبيك وآل نبيك عليه وعليهم السلام)). اللهم لا تجعلني من خُصماء آلِ محمد عليهم السلام، ولا تجلعني من أعداء آل محمد عليهم السلام، ولا تجعلني من أهل الحنق والغيظ على آل محمد عليهم السلام، فإنّي أعوذ بك من ذلك فأعذني، وأستجير بك فأجرني)). (۱) روى شيخنا الطوسي (ره) في غيبته، عن عبيد الله بن شريك: مر الحسين عليه السلام على حلقة من بني أمية وهم جلوس في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله، فقال: أما والله لا تذهب الدنيا حتى يبعث الله مِني رَجُلاً يقتل منكم ألفاً ومع الألف ألفاً، ومع الألف ألفاً، فقلت: جعلتُ فداك إن هؤلاء أولاد كذا وكذا لا يبلغون هذا، فقال: ويحك، في ذلك الزمان يكون الرجل من صلبه كذا وكذا رجلاً وإنّ مولى القوم من أنفسهم) (۳). (۲) ومن خطبة الأمير المؤمنين صلوات الله عليه جاء فيها: فانظروا أهل بيت (۱) عن المفاتيح الشريف ص ٤٥٧، من زيارة عاشوراء المعروفة، والمروية عن إمامنا الباقر عليه السلام. [صفحة 163] نبيكم، فإن لبدوا فالبدوا، وإن استنصروكم فانصروهم، فليفرجن الله الفتنة برجل منا أهل البيت، بأبي إبن خيرة الإماء، لا يعطيهم إلا السيف هرجاً هرجاً موضوعاً على عاتقه ثمانية أشهر، حتى تقول قريش: لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا . يغريه الله ببني أمية حتى يجعلهم حطاماً ورفاتاً، ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا . سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا (۱) (1) . (۳) (عن الحارث الأعور الهمداني، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: بأبي إبن خيرة الإماء - يعني القائم من ولده عليه السلام - يَسومُهم خسفاً، ويسقيهم بكأس مصبّرة، ولا يعطيهم إلا السيف هرجاً، فعند ذلك تتمنى فجرة قريش لو أن لها مفاداة من الدنيا وما فيها ليغفر لها، لا نكف عنهم حتى يرضى الله) (۳). (٤) حدثنا عبد الله بن شريك العامري، عن بشر بن غالب الأسدي، قال: قال لي الحسين بن علي عليهما السلام: يا بشر ما بقاء قريش إذا قدم القائم المهدي منهم خمسمائة رجل فضرب أعناقهم صبراً، ثم قدم خمسمائة (1) الآيتان الشريفتان (٦١) و (٦٢) من سورة الأحزاب المباركة. [صفحة 164] فضرب أعناقهم صبراً، ثم خمسمائة فضرب أعناقهم صبراً، قال: فقلتُ له: أصلحك الله أيبلغون ذلك؟ فقال الحسين بن علي عليهما السلام: إن مولى القوم منهم، قال: فقال لي بشير بن غالب أخو بشر بن غالب: أشهد أن الحسين بن علي عليهما السلام عد على أخي ست عدات، .....)) . (٥) ) عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام، يقول: لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج لأحب أكثرهم ألا يروه مما يقتل من الناس، أما إنه لا يبدأ إلا بقريش فلا يأخذ منها إلا السيف، ولا يعطيها إلا السيف، حتى يقول كثير من الناس: ليس هذا من آل محمد، ولو كان من آل محمد الرحم)). (٦) ) وروى عبد الله بن المغيرة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا قام القائم من آل محمد صلوات الله عليهم، أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة فضرب أعناقهم، ثم خمسمائة أخرى، حتى يفعل ذلك ست مرات . قلت: ويبلغ عدد هؤلاء هذا؟ قال: نعم منهم ومن مواليهم)). (1) عن غيبة شيخنا النعماني (ره) ص ٢٣٥ وص ٢٣٦ ح ٢٣. [صفحة 165] من حديث رواه أبو بصير (ره)، عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه يصف فيه ظهور إمامنا عليه السلام ورايته المنصورة، فيقول فيه: (وسيفه سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذو الفقار، يُجرد السيف على عاتقه ثمانية أشهر يقتل هرجاً، فأول ما يبدأ ببني شيبة (1) فيقطع أيديهم ويعلقها في الكعبة ويُنادي مناديه: هؤلاء سُراقُ الله، ثم يتناول قريشاً، فلا يأخذ منها إلا السيف، ولا يُعطيها إلا السيف، ....)) . (۸) من حديث الرجل الذي نذر جارية لبيت الله الحرام، وسؤاله إمامنا الباقر صلوات الله عليه، وما قاله بنوشيبة لعنة الله عليهم إلى أن قال صلوات الله عليه: (قل لهم: قال لكم أبو جعفر: كيف بكم لو قد قطعت أيديكم وأرجلكم وعلّقت في الكعبة، ثم يُقال لكم: نادوا نحن سُراقُ الكعبة، فلما ذهبت لأقوم قال: إنني لستُ أنا أفعل ذلك، وإنما يفعله رجل مني) (*). (۱) بنو شيبة: هم أولاد شيبة بن عثمان، حجاب الكعبة في الجاهلية، وحتى في الإسلام، بل إلى يومنا هذا لا يزال أولادهم حجاباً للبيت . (۲) عن غيبة شيخنا النعماني (ره) ص ۳۰۸) من ح ۲. (۳) الضمير هم يعود على بني شيبة. [صفحة 166] وفي الكافي الشريف، عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه من حديث مقارب للحديث المتقدم في المضمون، جاء فيه: (أما إن قائمنا لو قد قام لقد أخذهم) وقطع أيديهم وطاف بهم، وقال: هؤلاء سُراقُ الله) (٢). (۹) (عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف، ما يأخذ منها إلا السيف، وما يستعجلون بخروج القائم؟ والله مالباسه إلا الغليظ، وما طعامه إلا الشعير الجشب، وما هو إلا السيف، والموت تحت ظل السيف ((۳). (۱۰) عن رفيد مولى أبي هبيرة، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك يابن رسول الله، يسير القائم بسيرة علي بن أبي طاب في أهل السواد؟ فقال: لا يارفيد إن علي بن أبي طالب سار في أهل السواد بما في الجفر الأبيض)، وإن القائم يسير في العرب بما في الجفر الأحمر ()، قال: (1) الضمير (هم) يعود على بني شيبة أيضاً. (۲) عن الكافي الشريف ج ٤ ص ٢٤٣ من ح ٤ . (۳) عن غيبة الشيخ النعماني (ره) ص ٢٣٤ ج ٢١. (٤) و (٥) الجفر الأبيض، والجفر الأحمر: هما من مواريث النبوة، ودلائل الإمامة، وخصائص [صفحة 167] فقلت له: جعلت فداك وما الجفر الأحمر؟ قال: فأمر إصبعه إلى حلقه فقال: هكذا: يعني الذبح، ....) (1) . بيان: السواد ربما المراد منه عامة بلاد العرب لقول الإمام عليه السلام في نفس الرواية الشريفة: (وإن القائم يسير في العرب ... »، جواباً على سوال رفيد عن أهل السواد، وربما يراد من السواد في هذه الرواية الشريفة كما هو المعروف بلاد العراق، ويكون الجواب حينئذ عن عرب العراق لاعن غيرهم. إذ السواد بالتحديد كما يقول الحموي في معجم البلدان ج ۳ ص ۲۷۲: (وحد السواد من حديثة الموصل طولاً إلى عبادان، ومن العذيب بالقادسية الى حلوان عرضاً، ...) . (۱۱) وجاء مروياً عن الفقيه الجليل الثقة عبدالله بن سنان (ره): عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا خرج القائم عليه السلام لم يكن بينه وبين العرب والفرس إلا السيف لا يأخذها إلا بالسيف ولا يعطيها إلا به) (۳). [صفحة 168] الوقفة الرابعة: قتل النصاب وأهل الضلالة وأتباعهم ممن يدعي التشيع ويتلبس بلباسه لعنة الله عليهم جميعاً » إذ جاء في الرواية: (عن أبي جعفر محمد بن علي صلوات الله عليه، أنه قال: لو قد قام قائمنا بدأ بالذين ينتحلون (1) حبنا، فيضرب أعناقهم) (٢) . وأولاء هم أهل النفاق، وأصحاب اللقمة التي متى ما دسمت ارتفعت أصواتهم، وعلا نعيقهم بادعائهم النصرة والوفاء، ومتى ما جَفَتْ الدنيا وأوجسوا خيفة على شهواتهم الدنيئة وأمنياتهم السخيفة نكصوا على أعقابهم وباعوا كل شيء في سبيل لاشيء، وهم الذين سيقيم الإمام عليه السلام فيهم حدود الله تعالى، فهذا أبو حمزة الثمالي رضوان الله تعالى عليه يحدثنا فيقول: قال أبو عبد الله عليه السلام: لن تبقى الأرض إلا وفيها منا عالم يعرف الحق من الباطل. قال: إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية، وأيم الله لو دعيتم لتنصرونا لقلتُم: لا نفعل، إنما نتقي، ولكانت التقية أحب إليكم من آبائكم وأمهاتكم، ولوقد قام القائم عليه [صفحة 169] السلام ما احتاج إلى مسائلتكم عن ذلك، ولأقام في كثير منكم (1) من أهل النفاق حد الله)) . وصنف آخر من عُشّاقِ السمعة والجاه والمطامع يحدثنا عنهم المفضل بن عمر رضوان الله تعالى عليه فيقول: سمعت أبا عبدالله عليه السلام، يقول: لو قام قائمنا بدأ بكذابي الشيعة فقتلهم) (۳). ولذا نقرأ في دعاء الندبة الشريف: (أين المعد لقطع دابر الظلمة؟؟؟!!! أين قاصم شوكة المعتدين؟؟؟!!! أين هادم أبنية الشرك والنفاق؟؟؟؟!!! أين مبيد أهلِ الفُسُوقِ والعصيان والطغيان؟؟؟!!! أين حاصد فروع الغي والشقاق؟؟؟؟!!! أين طامس آثار الزيغ والأهواء؟؟؟!!! أين قاطع حبائل الكذب والافتراء؟؟؟!!! أين مبيد العناة والمردة؟؟؟!!! أين مستأصل أهل العنادِ والتضليل والإلحاد؟؟؟!!! اين معز الأولياء، ومذل الأعداء؟؟؟!!!) . (۱) منكم: أي من الشيعة، إذ الكلام موجه لهم. (٤) عن المفاتيح الشريف ص ٥٣٥، مقاطع [صفحة 170] وها هو المفضل (ره) يقول في وصيته لشيعة أهل البيت عليهم السلام: (لا تأكلوا الناس بآل محمد، فإني سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: افترق الناس فينا على ثلاث فرق: فرقة أحبونا انتظار قائمنا ليصيبوا من دنيانا فقالوا وحفظوا كلامنا وقصروا عن فعلنا، فسيحشرهم الله إلى النار، وفرقة أحبونا وسمعوا كلامنا ولم يقصروا عن فعلنا، ليستأكلوا الناس بنا فيملأ الله بطونهم ناراً يسلّط عليهم الجوع والعطش، وفرقة أحبونا وحفظوا قولنا وأطاعوا أمرنا ولم يخالفوا فعلنا فأولئك منا ونحن منهم)) . وليس خفياً عليك أيها العزيز إذا ما أمعنت النظر في أوصاف هذه الفرق فإنك ستجد أن هذه التقسيمات في نفس المجتمع الذي يدعي التشيع والولاء، بل إنك ستلتفت إلى أن من أوضح مصاديق هذه الفرق المذكورة، وبالأخص الفرقة الثانية هم من طبقة قد يعدون في نظر عامة الشيعة خواصاً ومقدسين و....، ولا خاصية أو قدسية أو غير ذلك لهم، بل هم يموهون ويخدعون من يتمكنون من خداعه والتمويه عليه بمختلف الأساليب العلمية، أو العقلية، أو العملية، أو العبادية، أو غيرها . ولا أريد الإطالة عليك في بيان مثل هذه المعاني إذ الحر تكفيه الإشارة . وفي العين غنى للعين أن تنطق أفواه وللقلب على القلب دليل حين يلقاه (۲) [صفحة 171] ويقول سيد الأوصياء صلوات الله عليه وعليهم في وصف أبغض الخلائق الى الله تعالى: ..... ورجلٌ قَمَشَ جَهلاً، موضع في جهال الأمة، عاد في أغباش الفتنة، عم بما في عقد الهدنة، قد سماه أشباه الناس عالماً وليس به، بكر فاستكثر من جمع، ما قَلَّ مِنهُ خَيرٌ مما كثر، حتى إذا ارتوى من ماء أجن، 6 واكثر من غير طائل، جلس بين الناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره، فإن نَزَلَتْ به إحدى المبهمات هيأ لها حشواً رئاً مِن رَأيهِ، ثم قطع به، فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ، فإن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب. جاهل خباط جهالات، عاش ركاب عشوات، لم يعض على العلم بضرس قاطع. يَذْرُو الروايات ذرو الريح الهشيم، لاملي - والله - بإصدار ما وَرَدَ عليه، ولا أهل لما قُرظَ به، لا يحسبُ العِلم في شَيْءٍ مما أنكره، ولا يرى أن من وراء ما بلغ مذهباً لغيره، ...) (۱). وأذكر هنا أيها العزيز اللبيب بياناً؛ لما قد يكون ليس حاضراً في ذهنك معناه من هذه الكلمات الشريفة: قَمَشَ: جَمَعَ . موضع: مُسرع في إضلال الأمة. عاد من العدو وهو الجري بسرعة. أغباش الفتنة ظلمتها. [صفحة 172] أشباه الناس: البعيدون عن أهل البيت عليهم السلام، إذ الأحاديث المعصومية الشريفة تبين لنا أن الناس حقيقة هم أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم الأبرار، وغيرهم غناء. والغثاء هو الوسخ والقذر. بكر فاستكثر من جمع، ماقل منه خير مما كثر يشير عليه السلام إلى كثير من المسائل العلمية والمطالب الفكرية التي لا نفع في وجودها مطلقاً والتي قد ينشغل الإنسان بتحصيلها واللهاث وراء سرابها، والتبكير لأجل جمعها وحفظها. ماء اجن: هو الماء الفاسد الذي تغير لونه وطعمه ورائحته، كماء البالوعة، والكنيف مثلاً. اكثر إستكثر، أي طلب الكثرة. خباط: مبالغة من خابط، وهو الذي يسير في الليل والظلام الحالك على غير هدى. يذرو الروايات ذرو الريح الهشيم أي [صفحة 173] الهشيم وهو ما ييس من النبت وتفتت وتهشم، فلا يعبأ بها، بل يطرحها، ويرفضها، مبرراً ذلك الأمر بأساليب ملتوية يُخدَعُ بها من يُخدع وهذا هو شأن أعداء أهل البيت عليهم السلام أو من سار في ركابهم، أعاذنا الله تعالى وإياكم منهم ومن أحابيلهم. إذ تكون منزلة أحاديث النبي صلى الله عليه وآله، وأحاديث الأئمة عليهم السلام عندهم بمنزلة الهشيم فيفعلون بها ما يشاؤون وما يحلو لهم، حاشا علماؤنا الأجلاء المخلصون، وفقهاؤنا الأتقياء العاملون الذين جعلوا أهل البيت عليهم السلام نصب أعينهم عَلَماً، وعملاً، وأخلاقاً، وسلوكاً، وفقهاً، وفتوى، وعقيدة، وذهاباً وإياباً. ولا عجب في كُلِّ ذلك، حيث يقول صلوات الله وسلامه عليه: ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله .......)، إلى أن يقول صلوات الله عليه: (وإلههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، أَفَأَمَرهُم الله سبحانه بالاختلاف فأطاعوه، أم نهاهم عنه فعصوه، أم أنزل الله [صفحة 174] يقولوا، وعليه أن يرضى؟ أم أنزل الله سبحانه ديناً تاماً فقصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن تبليغه وأدائه، والله سبحانه يقول: ما فرطنا في الكتاب من شَيْءٍ ﴾ (١)، وفيه تبيان لكُلِّ شَيءٍ، وذكر أن الكتاب يُصدق بعضه بعضا، وأنه لا اختلاف فيه، فقال سبحانه: ﴿ ولو كان من عند غير الله الوجدوا فيه اختلافاً كثيرا) (٢) وإن القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا به) . وهذا هو حال أعداء أهل البيت عليهم السلام الذين اتبعوا أهواءهم، وعبدوا أنفسهم، وحكموا في الحق آرائهم. فهذا أبو حمزة الثمالي (ره) يحدثنا فيقول: (سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن صاحب هذا الأمر لو قد ظهر لقي من الناس مثل مالقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وأكثر)) . ويروي لنا الفضيل بن يسار (ره) فيقول: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن قائمنا إذا قام استقبل من جهل الناس أشد مما استقبله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم من جهال الجاهلية، قلت: وكيف ذاك؟ قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أتى الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان والخشب المنحوتة، وإن قائمنا إذا قام أتى الناس وكلهم (۱) من الآية الشريفة (۳۸) من سورة الأنعام المباركة. (۲) من الآية الشريفة (۸۲) من سورة النساء المباركة. [صفحة 175] يتأول عليه كتاب الله، يحتج عليه به، ثم قال: أما والله ليدخلن عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحر والقر)) . وقد تقدم ذكر رواية جاء فيها هذا المعنى عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه حين يقول: (... وإن القائم يخرجون عليه فيتأولون عليه كتاب الله ويقاتلونه عليه) (٢) . ولاشك فإن الوجدان، والتجارب الماضية أو الحاضرة من سيرة الناس مع الأئمة عليهم السلام يحكمان بأن الذي يمتلك القدرة على التأول ليس هو البقال، أو الحمال، أو المكاري، أو القصاب ومن كان على شاكلتهم، إنما هو من يمتلك حظاً من علم، ولاريب أنه من علم الدين أيضاً، أكان حقاً أم باطلاً. ويتبدد استغرابنا من كل ذلك حينما نمعن النظر أيها المحب الموالي فيما قاله صادق العترة الطاهرة صلوات الله عليه وعليها الحمران رضوان الله تعالى عليه وهو يحدثه عن علائم الظهور الشريف وأحوال الناس وما يكونون عليه في زمان غيبة إمامنا صلوات الله وسلامه عليه، إذ يقول: ورأيت الفقيه يتفقه لغير الدين يطلب الدنيا والرئاسة، ورأيت الناس مع مَنْ غَلَب) (۳). ويحدثنا عن هذه المعاني شيخنا الصدوق (ره)، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث يقول: (وقل الفقهاء الهادون، وكثر فقهاء الضلالة والخونة) (٤). حيث يتناسق هذا المعنى مع الرواية الشريفة عن إمامنا الزكي العسكري [صفحة 176] صلوات الله عليه: (... فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا في بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، ...) (1) . وقد قال شيخنا الأعظم الأنصاري (ره) في فرائده بعد أن أورد تمام هذا الحديث الكريم . ... هذا الخبر الشريف اللائح منه آثار الصدق ....)). ووجه التناسق بين هذا الحديث الشريف والذي قبله هو قوله عليه السلام: وذلك لا يكون إلا في بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم »، لأن منهم من يصفه رسول الله صلى الله عليه وآله، فيقول: (فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء منهم خرجَتْ الفتنة وإليهم تعود) (۳). وتزول فتنتهم الدهماء هذه فيما لو ظهر صلوات الله وسلامه عليه، إذ يقول سيد الأوصياء، صلوات الله عليه وعليهم في خطبة من خطبه الشريفة يتحدث فيها عن ظهور إمام زماننا صلوات الله عليه فيقول واصفاً: ..... والنصر بين يديه، والعدل تحت أقدامه، ويُظهر للناس كتاباً جديداً، وهو على الكافرين صعب شديد ....))، الى أن يقول عليه السلام: ويستدعي إلى بين يديه كبار اليهود، وأحبارهم، ورؤساء دين النصارى وعلماءهم، ويحضر التوراة والإنجيل والزبور، والفرقان، ويجادلهم على (۱) عن تفسير الامام العسكري عليه أفضل الصلاة والسلام ص ٣٠٠، من حديث طويل (۲) عن فرائد الأصول، أو حجية المظنة، المعروف بالرسائل ص ٨٦، الطبعة الحجرية. [صفحة 177] كل كتاب بمفرده، ويطلب منهم تأويله، ويُعرفهم تبديله، ويحكم بينهم كما أمر الله ورسوله) (1). ثم يقول عليه أفضل الصلاة والسلام، وهو موطن الحاجة والشاهد: ثم يرجع بعد ذلك إلى هذه الأمة الشديدة الاختلاف، القليلة الإئتلاف، وسيدعى إليه من سائر البلاد، الذين ظنوا أنهم من علماء الدين، وفقهاء اليقين، والحكماء، والمنجمين والمتفلسفين، والأطباء، والضالين، والشيعة المذعنين؛ فيحكم بينهم بالحق فيما كانوا فيه يختلفون، ويتلوا عليهم بعد إقامة العدل بين الأنام: وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (...)). وهم الذين يصفهم إمامنا الحسن العسكري صلوات الله وسلامه عليه، فيقول: (وهم أضَرُّ على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي عليهما السلام وأصحابه) (٤) . ومثل هؤلاء ليس لهم من جزاء واقعي في عالم الدنيا إلا على يديه الشريفتين، وسيفه العادل المبارك صلوات الله وسلامه عليه إذ أنه سينتقم منهم حقيقة الانتقام وذاك ما يقوله أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام: وينتقم من أهل الفتوى في الدين لما لا يعلمون، فتعساً لهم ولأتباعهم، أكان الدين ناقصاً فتمموه؟ أم كان به عوج فقوموه؟ أم الناس هموا بالخلاف فأطاعوه؟ أم أمرهم بالصواب فعصوه؟) (). (۱) و (۳) و (٥): عن بيان الأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام ج ۳ ص ۲۹۸ (۲) من الآية الشريفة (۱۱۸) من سورة النحل المباركة. [صفحة 178] ويؤيد هذا المعنى ما رواه المحدث الأجل أبو الحسن المرندي (ره) في كتابه نور الأنوار: .... فإذا خرج القائم من كربلاء وأراد النجف والناس حوله، قتل بين كربلاء والنجف ستة عشر ألف فقيه؛ فيقول الذين حوله من المنافقين: إنه ليس من ولد فاطمة وإلا ترحمهم، فإذا دخل النجف وبات فيه ليلة واحدة، فخرج منه من باب النخيلة محاذي قبر هود وصالح استقبله سبعون ألف رجل من أهل الكوفة يُريدون قتله فقتلهم جميعاً فلا ينجى (1) منهم أحد) (٢). وليس مستبعداً أن يكون السبعون ألفاً هؤلاء من أتباع فقهاء الضلالة الذين ينتقم منهم الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام بين النجف وكربلاء وقد يظهر هذا المعنى أيضاً من كلام يذكره المحدث المرندي (ره) نقلاً عن كتاب فتوحات القدس لإبن عربي جاء فيه: .... ويدعو إلى الله بالسيف ويرفع المذاهب عن الأرض فلا يبقى إلا الدين الخالص، أعداؤه مقلدة العلماء أهل الاجتهاد؛ لما يرونه من الحكم بخلاف ما ذهب إليه أئمتهم فيدخلون كرهاً تحت حكمه خوفاً من سيفه، يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواصهم، يُبايعه العارفون من أهل الحقائق (1) لعل بناء الفعل المضارع هنا للمجهول كناية عن عدم وجود جريح فيهم بحيث لا يتمكن أي شخص من إنجاء أي فرد منهم بمعالجته من جراحاته، وإنما يقتلون عن آخرهم لعنة الله عليهم. وفي بيان الأئمة عليهم السلام ج ۳ ص ١٦٨ نقلاً عن الكتاب المبين: (فلا ينجو منهم أحد) . [صفحة 179] عن شهود وكشف بتعريف إلهي، له رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه، ولولا أن السيف بيده لأفتى الفقهاء بقتله ولكن الله يظهره بالسيف والكرم، فيطمعون ويخافون ويقبلون حكمه من غير إيمان، بل يضمرون خلافه ويعتقدون فيه إذا حكم فيهم بغير مذهبهم: أنه على ضلالة في ذلك الحكم؛ لأنهم يعتقدون أن أهل الاجتهاد في زمانه قد انقطعوا، وما بقي مجتهد في العالم، وأنّ الله لا يوجد بعد أئمتهم أحداً له درجة الاجتهاد، وأما من يدعى التعريف الإلهي بالأحكام الشرعية فهو عندهم مجنون فاسد الخيال لا يلتفتون إليه ((١). وقد نقل هذا الكلام شيخنا زين العابدين (حفظه الله تعالى، في بيان الأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام ج ۳ ص ۹۸ و ص ۹۹، عن فتوحات القدس لإبن عربي . وأما في إلزام الناصب ج ۲ ص ۱۷۳ و ص ١٧٤ نقل شيخنا المحدث اليزدي الحائري (ره) نفس هذا الكلام وذكر أنه نقله عن الفتوحات المكية لإبن عربي، وحين مراجعة الفتوحات المكية ج ٣ ب ٣٦٦، كان المذكور فيه هكذا ..... ويدعو إلى الله بالسيف، فمن أبي قتل، ومن نازعه خذل، يُظهر من الدين ما هو الدين عليه في نفسه ما لو كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم لحكم به، يرفع المذاهب من الأرض، فلا يبقى إلا الدين الخالص، أعداؤه مقلّدة (1) العلماء أهل الاجتهاد لما يرونه من الحكم [صفحة 180] بخلاف ما ذهبت إليه أئمتهم فيدخلون كرهاً تحت حكمه خوفاً من سيفه وسطوته ورغبة فيما لديه، يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواصهم..... . وبالجملة فإنّ هذه المعاني وهذا الكلام جاء منقولاً في طائفة من الكتب والأسفار باللغتين العربية والفارسية أشير إلى بعضها: ۱ - الفتوحات المكية، لإبن عربي ج ٣ ب ٣٦٦ . ۲ - فتوحات القدس لإبن عربي أيضاً، نقل عنه صاحب بيان الأئمة عليهم السلام، والمحدث المرندي (ره) في نور الأنوار. - ينابيع المودة، للحافظ القندوزي الحنفي ص ٤٦٨ . ٤ - نور الأنوار، للشيخ أبي الحسن المرندي ص ٣٤٥ . ه - علائم الظهور (۱)، للميرزا محمد ناظم الاسلام ص ۲۹ ٦ - إلزام الناصب، للشيخ علي اليزدي الحائري ج ۲ ص ۱۷۳ وص ١٧٤ . نوائب الدهور في علائم الظهور للسيد حسن المير جهاني الطباطبائي ج ٤ ص ٣٣ . - بشارة الإسلام للسيد مصطفى آل السيد حيدر الكاظمي ص ۳۳۹ طبعة طهران. ٩ - يوم الخلاص، المؤلّفه كامل سليمان ص ۲۷۹ ۱۰ - الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف عند أهل السنة، للشيخ مهدي الفقيه إيماني ج ١ ص ١٠٦. [صفحة 181] ۱۱ - بيان الأئمة عليهم السلام، للشيخ زين العابدين النجفي ج ۳ ص ۹۸ وص ۹۹. وغير ذلك من المصادر الأخرى، إلا أنه لا يخفى عليك أيها العزيز إنما أخذنا ماذكره ابن عربي بنحو من الاعتبار، لا الاعتماد القطعي؛ لما قيل من تشيعه و استبصاره واعتناقه لمذهب الحق، ومع كل ذاك فإنا لا نملك دليلاً على نسبة هذا الكلام أو صدوره عن المعصومين صلوات الله عليهم، ولكن الكلام جر الكلام فوصلنا في أطرافه وشجونه إلى مثل هذا المقام، فكان وكان . وقد جاء في بيان الأئمة عليهم السلام ج ۳ ص ۹۹: ... إذا خرج الإمام المهدي فليس له عدو مبين إلا الفقهاء خاصة، ولولا السيف بيده لأفتى الفقهاء بقتله، ....)، وفي يوم الخلاص ص ۲۷۹ نفس هذه المعاني وهذا الكلام، وفيه أيضاً: .... أعداؤه الفقهاء المقلدون يدخلون تحت حكمه خوفاً من سيفه وسطوته، ورغبة فيما لديه، ...) . ومثل هذه الكلمات، وهذه المعاني يفسرها البعض في علماء العامة باعتبار أنهم قد حصروا الاجتهاد في أئمتهم الأربعة وهذا هو المشهور عندهم والمعروف لديهم وإن خالف بعضهم في ذلك. ويفسرها آخرون في علماء السوء ممن يدعي التشيع والانتساب لمذهب الحق لاعتبارات أخرى، ولا يصلح العطار ما أفسد الدهر، وتحضرني أبيات لعل فيها تلويحاً أو [صفحة 182] إنا وما نكتم من أمرنا كالثورِ إذ قُرْبَ للناخع (1) أو كالتي يحسبها أهلها عذراء بكراً وهي في التاسع كُنَّا نُرفيها) فقد مُرقَتْ واتسع الخرق على الراقع كالثوب إذ (٣) أنهج فيه البلى أعيا على ذي الحيلة الصانع ويُضاف إلى ما تقدم فإنه أيها العزيز قد وردت في كتبنا الحديثية الشريفة روايات تتحدث عن خروج طائفة كبيرة من علماء الدين والفقهاء والقراء ممن يُقال عنهم شيعة، وماهم بشيعة أبدا، لعنة الله عليهم جميعاً. وإني ذاكر لك ما يمكنني ذكره، وما يسنح به المقام من الإشارة إليه: (۱) في منتخب الأنوار المضيئة للمحدث السيد النيلي (٤) (ره) ص ۱۹۳ وص ١٩٤ ) عن أبي جعفر عليه السلام، أنه قال: إذا ظهر القائم على نجف الكوفة خرج إليه قراء أهل الكوفة قد علقوا المصاحف في أعناقهم وأطراف رماحهم شعارهم يا ٦٤٢١٢١ يا ٢٤٧، فيقولون: لا حاجة لنا فيك يا ابن (1) الناخع هو الذابح، وقيل له الناخع لأن الذبح يكون من المنخع وهو موضع الذبح بين الرأس والرقبة، وأصله مأخوذ من النخاع. (۲) ترقيها نخيطها وتصلحها. (۳) أسرع فيه البلى . [صفحة 183] فاطمة، قد جربناكم فما وجدنا عندكم خيراً، إرجعوا من حيث جئتُم، فيقتلهم حتى لا يبقى منهم مخبر). (۲) في إرشاد شيخنا المفيد (ره) ص ٣٦٤، طبعة بيروت، الأعلمي: ) ... عن أبي جعفر عليه السلام، في حديث طويل، أنه قال: إذا قام القائم (عليه السلام) سار إلى الكوفة فيخرج منها بضعة عشر ألف نفس يدعون البترية عليهم السلاح، فيقولون له: إرجع من حيث جئت لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم، ثم يدخل الكوفة فيقتل بها كل منافق مرتاب، ويهدم قصورها ويقتل مقاتلها حتى يرضى الله عزّ وعلا). وفي البحار الشريف ج ۵۲ ص ۳۳۸ ح ۸۱ نقل نفس هذا الحديث عن الإرشاد الشريف مع اختلاف في بعض ألفاظه مرده إلى اختلاف النسخ والمضمون واحد . وفي تاريخ ما بعد الظهور للسيد محمد الصدر ص ٥٧٠ جاءت نفس هذه الرواية منقولة عن الإرشاد الشريف مع الإشارة الى وجود نسختين مختلفتين فيما يطلق على هذه الطائفة الضالة المضلة: ١ - البترية . [صفحة 184] في بحار الأنوار الشريف ج ٥٣ ص ١٦ من حديث طويل مفصل يرويه المفضل (ره) عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه جاء في بعضه: ) فيقول الحسني: الله أكبر مد يدك يا ابن رسول الله حتى نبايعك فيمد يده فيبايعه، ويبايعه سائر العسكر الذي مع الحسني إلا أربعين ألفاً أصحاب المصاحف: المعروفون بالزيدية، فإنهم يقولون: ما هذا إلا سحر عظيم). فيختلط العسكران فيُقبل المهدي عليه السلام على الطائفة المنحرفة، فيعظهم ويدعوهم ثلاثة أيام، فلا يزدادون إلا طغياناً وكفراً، فيأمر بقتلهم فيقتلون جميعاً، ثم يقول لأصحابه: لا تأخذوا المصاحف، ودَعُوها تكون عليهم حسرةً كما بدلوها وغيروها وحرفوها ولم يعملوا بما فيها) . (٤) وفي بيان الأئمة عليهم السلام لشيخنا زين العابدين النجفي (حفظه الله) ج ۳ ص ۱۰۱ نقلاً عن الكتاب المبين وردت روايتان: الأولى: هي نفسها التي تقدم ذكرها قبل قليل والتي رواها شيخنا المفيد (ره) في الإرشاد الشريف . (1) يقولون ذلك لعنة الله عليهم، حينما يرون ما يرون من الدلائل والمعجزات التي يطلبها السيد [صفحة 185] والثانية: (عنه عليه السلام في حديث: ويسير الى الكوفة فيخرج منها ستة عشر ألفاً من البترية شاكين في السلاح، قراء القرآن، فقهاء في الدين، قد قرعوا جباههم ()، وشمّروا ثيابهم)، وعمهم النفاق، وكلهم يقول: يا ابن فاطمة، ارجع لا حاجة لنا فيك، فيضع السيف فيهم على ظهر النجف عشية الإثنين من العصر إلى العشاء فيقتلهم أسرع من جزر جزور، فلا يفوت منهم رجل، ولا يصاب من أصحابه أحد، دماؤهم قربان) إلى الله تعالى) . وحين مراجعة هذا العبد للكتاب المبين ج ۲ ص ١٤٥: فإن المذكور هناك: (البرية)، وليس: (البترية) ولا تغفل يا عزيزي المحب فإن يوم الإثنين الذي سيقتلون في عشيته هؤلاء الفجرة الكفرة يُذكرنا بيوم السقيفة البغيض المشؤوم، وما هؤلاء الذين سيخرجون معلنين رفضهم للإمامة الإلهية إلا سيئة من سيئات أولئك الذين قامت على أكتافهم النجسة سقيفة بني ساعدة، وإن تلبسوا بلباس التشيع ونصبوا الفقه والقرآن كميناً يصطادون به كل مُغفّل أعمى القلب والبصيرة. وكم ظلموا الزهراء صلوات الله عليها في حياتها وبعد شهادتها، وإلى يومنا هذا: (۱) قرعوا جباههم إما هو كناية عن أثر السجود في جباههم، أو إشارة إلى حلقهم رؤوسهم وجزهم شعورهم . (۲) شعروا ثيابهم: أي رفعوها، وهو كناية عن السعي والجد والاجتهاد . [صفحة 186] يازهرا * يازهرا * يازهرا بنت من! أمر من! حليلة من! ويلٌ لمن من ظُلمها وأذاها (٥) في دلائل الإمامة للمحدث الإمامي الطبري (ره) ص ٢٤٢، عن إمامنا الباقر صلوات الله عليه .... ويسير إلى الكوفة فيخرج منها ستة عشر ألفاً من البترية شاكين في السلاح قراء القرآن فقهاء في الدين ....)، الى قوله عليه السلام: (فيضع السيف فيهم على ظهر النجف عشية الإثنين من العصر إلى العشاء فيقتلهم أسرع من جزر جزور فلا يفوت منهم رجل ولا يُصاب من أصحابه أحد ....) . وفي معجم أحاديث الإمام المهدي عليه أفضل الصلاة والسلام ج ٣ ص ٣٠٦ ح ٨٤٥، ورد إسمهم: (البترية) . وكذا في ص ۳۰۸ ح ٨٤٧ من نفس الجزء، ورد إسمهم: (البترية). وأما في روضة الواعظين لشيخنا الفتال النيسابوري (ره) ج ٢ ص ٢٦٥: وقال الباقر عليه السلام، في حديث طويل: إذا قام القائم سار إلى الكوفة فيخرج منها بضعة عشر ألف يدعون التبرئة ...) . وفي إثبات الهداة الشريف لشيخنا الحر العاملي (ره) ج ۷ ص ٥٦ [صفحة 187] وفي بشارة الإسلام لسيدنا السيد مصطفى آل السيد حيدر (ره) ص ۲۷۲ طبعة طهران، مؤسسة البعثة: (يدعون بالتبرية) . فيخلص عندنا أيها المحب الودود بعد اطلاعك على اختلاف النسخ والأخبار في العنوان الذي عنونت به هذه المجموعة الملعونة أن إسمهم هو: ١ - البترية . ٢ - البرية . - الزيدية ٤ - التبرئة . ه - التبرية . ولا يخفى عليك فإن إسم الزيدية والبترية إسم الفرقة واحدة، إذا قلنا: إن المراد من البترية هي الطائفة الزيدية المعروفة بهذا الإسم، والمنقرضة في زماننا هذا، إذ الزيدية المعاصرة في بلاد اليمن وغيرها ليست من البترية. وأما التبرئة فيقوى في الظن أنها تصحيف عن التبرية. ولذا فإني أيها العزيز سأجعل حديثي عن أقوى إحتمالين هما: البترية، والتبرية [صفحة 188] البترية طلب ويُحتمل في معناها: أولاً - الفرقة الضالة المنحرفة عن أهل البيت عليهم السلام والذين عرفوا بهذا الإسم، حيث يقول شيخنا الطريحي (ره) ) البترية بضم الموحدة (۱) فالسكون، فرق من الزيدية، قيل نسبوا إلى المغيرة بن سعد ولقبه الأبتر، وقيل البترية هم أصحاب كثير النوا، والحسن بن أبي صالح، وسالم بن أبي حفصة، والحكم بن عيينة، وسلمة بن كهيل، وأبو المقدام ثابت الحداد، وهم الذين دعوا إلى ولاية علي عليه السلام فخلطوها بولاية أبي بكر وعمر ويثبتون لهم الإمامة ويبغضون عثمان وطلحة والزبير وعائشة، ويرون الخروج مع ولد علي عليه السلام)). وجاء في فرق الشيعة لأبي محمد الحسن النوبختي (ره) ص ۳۸ و ص ۳۹ قريب من هذا المعنى والمضمون . وفي المقالات والفرق لشيخنا سعد بن عبد الله الأشعري (ره) ص ۷، رقم ٢٥، وص ۱۰ رقم ۳۷، وص ۱۷ و ۱۸ رقم ٥٢، وص ٧٣ رقم ١٤٣، كل ذلك قريب من المعنى المتقدم الذكر الذي ذكره شيخنا الطريحي (ره). وقد قال عنهم إمامنا الصادق صلوات الله عليه: (لو أن البترية صف [صفحة 189] واحد ما بين المشرق إلى المغرب، ما أعز الله بهم ديناً) (1) . وروى شيخنا الكشي (ره): (عن سدير، قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام ومعي سلمة بن كهيل، وأبو المقدام ثابت الحداد، وسالم بن أبي حفصة، وكثير النواء، وجماعة معهم، وعند أبي جعفر عليه السلام أخوه زيد بن علي عليهم السلام، فقالوا لأبي جعفر عليه السلام: نتولّى علياً وحسناً وحسيناً ونتبرأ من أعدائهم . قال: نعم . قالوا: نتولى أبابكر، وعمر، ونتبرأ من أعدائهم . قال: فالتفت إليهم زيد بن علي، قال لهم: أتتبرون من فاطمة؟! بترتم أمرنا بتركم الله، فيومئذٍ سُموا البترية) (٢). و مراده صلوات الله عليه من قوله: (أتتبرؤون من فاطمة؟! »، هو أنهم قالوا: «نتولى أبا بكر وعمر ونتبرأ من أعدائهم »، إذ البراءة من أعداء أبي بكر وعمر براءة من الزهراء المعصومة الطاهرة المطهرة صلوات الله عليها، حيث أنهما ألد أعداء الصديقة الكبرى أم الحسن والحسين صلوات الله عليهم جميعاً، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين، مع ذلك وتبصر . ولا يخفى عليك أيها المحب فإن هذه الفرقة بهذه الخصائص قد انقرضت وما بقي من الزيدية اليوم من غير هذه الفرقة. وإنا حتى لو قلنا: بوجودها في زماننا هذا بنفس الخصائص المتقدمة الذكر، وأنه لازال لهم خلف السلفهم [صفحة 190] المتقدم. فبحسب الواقع الاجتماعي في عصرنا الحاضر لا وجود لهم في العراق مطلقاً وبالذات في مدينة النجف الأشرف والكوفة الغراء حيث عاصمة المذهب الاثني عشري الحق ولا حق في غيره، اللهم إلا أن نقول: إن هذه الفرقة البترية ستنبعث من جديد في أرض العراق، وماذلك بشيء مستحيل. إلا أن النظر إلى الظروف الموضوعية والشرائط التأريخية والمناسبات الزمانية والمكانية يدعم الظن باستبعاد هذا التصور وهذا الاحتمال ويجعل القوة في احتمال آخر . ثانياً - قد يُراد من البترية بضم الباء، أو البترية بفتحها أولئك الفقهاء والعلماء والقراء الذين يحملون اعتقاداً أبتراً، أو معرفة بتراء بأهل البيت عليهم السلام عموماً، وبإمام زمانهم صلوات الله عليه خصوصاً، كما يقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه، مخاطباً سلمان وأباذر رضوان الله تعالى عليهما بعد أن بين لهما شيئاً من مقاماته ومقامات أوصيائه المعصومين صلوات الله عليهم: يا سلمان و یا جندب، قالا: لبيك يا أمير المؤمنين صلوات الله عليك، قال عليه السلام من آمن بما قلت وصدق بما بينت وفسرت وشرحت وأوضحت ونورت وبرهنت فهو مؤمن ممتحن امتحن الله قلبه للإيمان وشرح صدره للإسلام وهو عارف مستبصر قد انتهى وبلغ وكمل، ومن شك، وعند، وجحد، ووقف، وتحير، وارتاب، فهو مقصر وناصب ((۱). [صفحة 191] فكل أولئك الشاكين، والمعاندين، والجاحدين، والواقفين، والمتحيرين، والمرتابين في مقامات أهل البيت عليهم السلام، وما لهم من شأن عظيم عند الله سبحانه وتعالى، ممن يقال لهم بين الناس: أنهم فقهاء، أو علماء، أو قراء، أو غير ذلك، يحملون عقيدة بتراء يصفهم لأجلها أمير المؤمنين عليه السلام: أنهم مقصرون ناصبون . اللهم إنا نسألك البراءة منهم، ونعوذُ بجلال وجهك الكريم أن تجعلنا منهم أو من أتباعهم (۲) التبرية إذا كانت الكلمة مفتوحة التاء، غير مشددة ياؤها، فإن معناها هو معنى التبرئة. وقد مر قبل قليل في أن عقيدة البترية تتضمن معنى البراءة من سيدتنا الزهراء صلوات الله وسلامه عليها. وسواء تبرأوا منها سلام الله عليها، أو والوا أعداءها، فالمعنى والمضمون والدلالة واحدة. وأما إذا كانت الكلمة مكسورة التاء، مشددة ياؤها، وهو الأرجح، فإنّ معناها: يرجع إلى التبر وهو الذهب غير المضروب وغير المسكوك والمراد من ذلك: أولاً - أن هؤلاء الفقهاء والعلماء والقراء الضالين المنحرفين عن إمام زمانهم صلوات الله عليه هم عبدةُ الدُّنيا؛ إذ التبر رمز للتعلق الدنيوي [صفحة 192] وصف فقهاء وعلماء وقُراءِ الضلالة في الزمان الذي يكون قريباً من زمان ظهوره الشريف، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (وعندها يكون أقواماً يتفقهون لغير الله) (۱)، وعن إمامنا الصادق صلوات الله وسلامه عليه: (ورأيت الحرام يُحلّل والحلال يُحرم، ورأيت الدين بالرأي، وعطل الكتاب وأحكامه .(۳). ويقول أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: وتميل الفقهاء إلى الكذب، وتميل العلماء إلى الريب))، وقال أيضاً عليه أفضل الصلاة والسلام: (وفقهاؤهم يفتون بما يشتهون، وقضاتهم بمالا يعلمون يحكمون، وأكثرهم بالزور يشهدون، مَن كانَ عِندَه درهم كان عندهم مرفوعا، ومن عَلِموا أنه مقل فهو عندهم موضوع، والفقير مهجور ومبغوض، والغني محبوب ومخصوص، ...) (٤)، وقال أيضاً صلوات الله عليه: (يتفقه الناس لغير الدين، ويتعلمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة)) . ثانياً - وقد يكون المقصود من هؤلاء التبرية هم أكلة في الإمام عليه السلام وحقوقه وأمواله من دون إذنه ورضاه، إذ قد ورد في التوقيع الشريف الصادر من الناحية المقدسة صلوات الله عليها، بواسطة السفير (۱) عن إلزام الناصب ج ٢ ص ١٤٠. (۲) عن الكافي الشريف ج ٨ ص ٥٥ من ح ٧. (۳) عن الزام الناصب ج ٢ ص ٢٢٥ . [صفحة 193] الثاني رضوان الله تعالى عليه جواباً على مسائل محمد بن جعفر الأسدي (ره): ..... وأما ما سألت عنه من أمر من يستحل ما في يده من أموالنا ويتصرف فيه تصرفه في ماله من غير أمرنا، فمن فعل ذلك فهو ملعون ونحن خُصماؤه يوم القيامة. فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: المستحل من عترتي ما حرم الله ملعون على لساني ولسان كل نبي، فمن ظلمنا كان من جملة الظالمين، وكان لعنة الله عليه لقوله تعالى: ألا لعنة الله على الظالمين (1))) . فانتبه أيها المحب الودود لقوله عليه السلام: ١ - ١ يتصرف فيه تصرفه في ماله من غير أمرنا) ۲ - (فهو ملعون ونحن خصماؤه يوم القيامة) . وقال أيضاً صلوات الله عليه في نفس هذا التوقيع الشريف: ) وأما ما سألت عنه من أمر الضياع (۳) التي لناحيتنا، هل يجوز القيام بعمارتها وأداء الخراج منها وصرف ما يفضل من دخلها إلى الناحية احتساباً للأجر وتقرباً إلينا؟ فلا يحلُّ لأحد أن يتصرف من مال غيره بغير إذنه، فكيف يحلُّ ذلك في مالنا؟! من فعل شيئاً من ذلك من غير أمرنا فقد استحل منا ما حرم عليه، ومن أكل من أموالنا شيئاً فإنّما يأكل في بطنه ناراً (1) من الآية الشريفة (۱۸) من سورة هود المباركة. (۲) عن كمال الدين وتمام النعمة ج ۲ ص ٥٢٠ وص ٥٢١ من ح ٤٩، وفي الوسائل الشريف ج 1 [صفحة 194] وسيصلي سعيرا) (1). فانظر أيها المحب اللبيب إن من يتصرف في أمواله عليه السلام من دون إذنه ورضاه مسخوط عليه مغضوب عليه، وإن لم يأخذ منها شيئاً لنفسه وإنما يتصرف فيها احتساباً للأجر وتقرباً إليه صلوات الله عليه، مع صرفه لما يحصل عليه من أرباح وأموال في سبيل الامام صلوات الله وسلامه عليه. فإذا كان هذا حال من يريد التقرب واحتساب الأجر، فما حال من يأكل أمواله الشريفة صلوات الله عليه شراهة وإسرافاً وتبذيراً لها في ماحل أوما وإلى هذا المعنى يشير التوقيع الشريف الآخر: .... لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من أكل من مالنا درهماً حراماً) (٢). وربما تسأل ياعزيزي عن علامة أو سمة تميز بها أمثال هؤلاء الفقهاء الفساق، والعلماء الفجار، والقراء الخونة، عن غيرهم من فقهاء أهل البيت عليهم السلام الذين يرتضيهم إمامنا عليه أفضل الصلاة والسلام، فذاك ما يقوله إمامنا الزكي العسكري صلوات الله عليه: ... وكذلك عوام أمتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة، والتكالب على حطام الدنيا وحرامها، وإهلاك من يتعصبون عليه (1) عن كمال الدين وتمام النعمة ج ۲ ص ٥٢١ من ح ٤٩، وفي الوسائل الشريف ج ٦ ص ٣٧٧ من ح ٦. [صفحة 195] وإن كان الإصلاح أمره مستحقاً، وبالترفق بالبر والإحسان على من تعصبوا له، وإن كان للإذلال والإهانة مستحقاً. فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء، فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم . فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً الأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه . وذلك لا يكون إلا في بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم) (1) . فهؤلاء وأمثالهم - أعاذنا الله تعالى وإياكم منهم ومن أتباعهم - هم الذين يشهرون سيوفهم، ويشحذون ألسنتهم، ويظهرون خبثهم ونجاستهم في معارضتهم ومواجهتهم لإمامنا صلوات الله وسلامه عليه، وليس لهم من عاقبة إلا الخسران المبين . قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا . الذينَ ضَلَّ سَعيهم في الحياةِ الدُّنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً (٢). ويحضرني ما قاله الشاعر في الحجاج الثقفي لعنة الله عليه: أسد علي وفي الحروب نعامة فزعاء تفزع من صفير الصافر هلا برزت إلى غزالة) في الوغى بل كان قلبك في جناحي طائر (۱) عن تفسير الإمام العسكري صلوات الله عليه ص ٣٠٠ من ح ١٤٣ . (۲) الآيتان الشريفتان (۱۰۳) و (١٠٤) من سورة الكهف المباركة. [صفحة 196] الوقفة الخامسة: أمره الشريف بقتل طائفة من جنده وعسكره ليس غريباً أن يأمر صلوات الله وسلامه عليه قسماً من أصحابه المخلصين: أن يقتلوا طائفة كبيرةً من جنده وعسكره؛ لما يحملون من اعوجاج في نفوسهم، وقلوبهم لا ترجى له الاستقامة، ولا يرجى لهم الصلاح والتشيع الواقعي . واولئك هم الذين تتراكم في قلوبهم الأفكار الخبيثة؛ بسبب عدم تسليمهم، وفشلهم في الامتحانات والتمحيصات المتقدمة، وخصوصاً فتنة اللات والعزى، أو ما يقال لها: فتنة العجل والسامري، والتي لها مدخلية كبيرة في هذا الامتحان الذي نحن بصدده. وإليك أيها المحب بعضاً من الأحاديث الشريفة التي تتعلّق بهذا المعنى: (۱) روى شيخنا المفيد (ره) في كتابه الإختصاص الشريف ) عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق عليه السلام، قال: إذا قام القائم أتى رحبة الكوفة، فقال (۱) برجله: هكذا، وأوماً بيده إلى موضع، ثم [صفحة 197] قال: احفروا ههنا، فيحفرون فيستخرجون: إثني عشر ألف درع، وإثني عشر ألف سيف، وإثني عشر ألف بيضة (١)، لكل بيضة وجهين، ثم يدعو إثني عشر ألف رجل من الموالي من العرب والعجم فيلبسهم ذلك، ثم يقول: من لم يكن عليه مثل ما عليكم فاقتلوه) (٢). وروى ذلك أيضاً شيخنا المجلسي (ره) في بحار الأنوار الشريف ج ٥٢ ص ۳۷۷ ح ۱۷۹ (۲) ومن حديث رواه الأصبغ بن نباتة (ره)، عن سيد الأوصياء صلوات الله عليه وعليهم، جاء فيه: .... ثم خرج يمشي حتى انتهى إلى باب قصر الإمارة بالكوفة، فركض رجله فتزلزلت الأرض، ثم قال: أما والله لقد علمت ما ههنا، أما والله لو قد قام قائمنا لأخرج من هذا الموضع: إثني عشر ألف درع، واثني عشر ألف بيضة لها وجهان، ثم ألبسها إثني عشر [ألف ] رجلاً من ولد العجم، ثم ليتأمر بهم ليقتلن كل من كانَ على خلاف ماهم عليه)، وإني أعلم ذلك وأراه كما أعلم هذا اليوم)). (1) البيضة الخوذة. (۲) عن الإختصاص الشريف ص ٣٣٤. (۳) الكلمة بين المعقوفتين ليست في المصدر الذي نقلنا عنه هذه الرواية الشريفة، والذي يظهر من سياق هذه الرواية، ومن الرواية التي قبلها: أن هذه الكلمة قد سقطت بفعل النساخ، أو غيرهم. [صفحة 198] وليس بعجب أن يجري هذا الأمر في هذه الأمة، بعد أن كان قد جرى في الأمم الماضية، إذ ورد في تفسير الآية الشريفة، عن إمامنا العسكري صلوات الله وسلامه عليه: وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتُم أنفسكم باتخاذكُمُ العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم (1). أنه قال عليه السلام: (.... وذلك أن موسى عليه السلام لما أبطل الله تعالى على يديه أمر العجل، فأنطقه بالخبر عن تمويه السامري . وأمر موسى عليه السلام أن يقتل من لم يعبده من يعبده، تبراً أكثرهم وقالوا: لم نعبده. فقال الله عز وجل لموسى عليه السلام: إبرد هذا العجل الذهب بالحديد برداً، ثم ذره في البحر فمن شرب مائه إسود شفتاه وأنفه وبان ذنبه، ففعل فيان العابدون، وأمر الله تعالى الاثني عشر ألفا) أن يخرجوا على الباقين شاهرين السيوف يقتلونهم ونادى مناديه: ألا لعن الله أحداً اتفاهم بيد أو (1) الآية الشريفة (٥٤) من سورة البقرة المباركة. (۲) وهؤلاء الإثنا عشر ألفاً: هم الذين لم يعبدوا العجل، ولم يتبعوا السامري على ما يظهر من هذه الرواية، ومن غيرها . فالحظ أيها المحب، أن عددهم هو نفسه عدد أصحاب الإمام عليه السلام المخلصين، الذين يأمرهم بقتل من يستحق القتل في جيشه صلوات الله عليه . [صفحة 199] رجل، ولعن الله من تأمل المقتول لعله تبينه حميماً أو قريباً، فيتوقاه ويتعداه إلى الأجنبي، فاستسلم المقتولون، فقال القاتلون: نحن أعظم مصيبة منهم؛ نقتل بأيدينا آبائنا وأبنائنا وأخواتنا (۱) وقراباتنا ونحن لم نعبد فقد ساوى بيننا وبينهم في المصيبة، فأوحى الله تعالى إلى موسى: يا موسى، إني إنما امتحنتهم بذلك لأنهم ما اعتزلوهم لما عبدوا العجل، ولم يهجروهم، ولم يعادوهم إلى ذلك، قُل لهم: من دعا الله بمحمد صلى الله عليه وآله وسلّم أن يُسهل عليه قتل المستحقين للقتل بذنوبهم، فقالوا فسهل الله عليهم ذلك ولم يجدوا لقتلهم لهم ألماً، .......)). (٤) وهنا لابد من الإشارة إلى أمرين مهمين: الأول - إن بني إسرائيل لما أعرضوا عن هرون على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام، وتوجهوا إلى العجل؛ زاد الله سبحانه وتعالى في فتنتهم لأنهم هم الذين أوقعوا أنفسهم في هذه الفتنة؛ بتركهم وصية نبيهم موسى على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام على أساس استحسان عقلي أجوف ماكر شيطاني حين جاءهم السامري وهو من كبارهم ومقدميهم فقال لهم، كما يحدثنا إمامنا الزاكي العسكري صلوات الله عليه: (... فجاء السامري فشبه على مستضعفي بني إسرائيل، وقال: وعدكم [صفحة 200] موسى أن يرجع إليكم بعد أربعين ليلة، وهذه عشرون ليلة وعشرون يوماً تمت أربعون أخطأ موسى ربه، وقد أتاكم ربكم؛ أراد أن يُريكم أنه قادر على أن يدعوكم إلى نفسه بنفسه، وأنه لم يبعث موسى الحاجة منه إليه، فأظهر لهم العجل الذي كان عمله، فقالوا له: كيف يكون العجل إلهاً؟ قال لهم: إنما هذا العجل مكلمكم منه ربكم كما كلم موسى من الشجرة، فالإله في العجل كما كان في الشجرة فضلوا بذلك .....،وأضلواء فضلوا وأضلوا على أساس هذا الاستحسان العقلي الزائف، ولذا يحدثنا إمامنا أبو جعفر الباقر صلوات الله عليهما، فيقول: (.... ثم أوحى الله إلى موسى: إنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلّهم السامري وعبدوا العجل وله خوار، فقال موسى عليه السلام: يارب العجل من السامري، فالخوار ممن؟ فقال: مني ياموسى، إني لما رأيتهم قد ولّوا عني إلى العجل أحببت أن أزيدهم فتنةً، ....). ومن هنا يتجلى هذا المعنى واضحاً فيما قاله إمامنا الحسن السبط صلوات الله عليه في خطبته الشريفة، بعد هدنته مع معاوية لعنة الله عليه: ) ... ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ماولت أمة أمرها رجلاً قط، وفيهم من هو أعلم منه، إلا لم يَزَلْ أمرهم يذهب سفالاً، حتى [صفحة 201] يرجعوا الى ملة عبدة العجل ... وقد ترك بنوا إسرائيل هارون، واعتكفوا على العجل، وهم يعلمون أن هارون خليفة موسى، وقد تركت الأمة علياً عليه السلام، وقد سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله، يقول لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير النبوة فلا نبوة بعدي ....)(1). وأظن أن في هذا كفاية وعبرة لمن أراد أن يعتبر، وما التوفيق إلا بالتمسك بعروة إمام زماننا صلوات الله عليه، والأخذ بحجزته الشريفة . الثاني - إن الذين لم يعبدوا العجل لم يتبرأوا براءة واقعية ممن عبد العجل في زمان غيبة موسى على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام لذلك كانت فتنتهم شديدةً أن أمروا بقتل آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وقراباتهم، كي تتطهر نفوسهم وقلوبهم مما علق بها من عدم البراءة من أعداء أولياء الله سبحانه وتعالى. ولذا تقول الرواية الشريفة التي تقدم ذكرها: فأوحى الله تعالى إلى موسى: يا موسى إني إنما امتحنتهم بذلك لأنهم ما اعتزلوهم لما عبدوا العجل، ولم يهجروهم، ولم يعادوهم ... »، فكذلك 6 الحال في زمان غيبة إمامنا صلوات الله عليه، فإن من سلك طريقاً يؤدي إلى علم أو عبادة أو عمل أو أي شأن آخر من شؤون حياة الإنسان لا رابطة له مع أهل البيت عليهم السلام بنحو عام، ومع إمام زماننا صلوات الله عليه بنحو خاص، فإنه يلزم البراءة منه ومن عمله، وإلا ففتنة العجل والسامري ستدوسه بأقدامها في زمان ظهور إمامنا عليه أفضل الصلاة والسلام. [صفحة 202] الوقفة الأخيرة وهي تشتمل على نظرات: النظرة الأولى نظرة سريعة فاحصة في روايات الفتنة السابعة المتقدمة الذكر ۱ - يظهر من الروايات الشريفة المتقدمة أن الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام سيتخذ القتل والتقتيل اسلوباً لاستئصال الانحراف والاعوجاج والظلم والفساد والإلحاد من على وجه البسيطة. إذ أن الواقع العملي، والوضع الاجتماعي يشهدان أن لا طريق لبسط العدالة الحقيقية، ونشر الهدى العلوي، وإزالة الظلم الشنيع بكل معانيه، مع الضلالة بكل أبعادها وأصنافها، إلا بقطع رؤوس تلكم الذوات النجسة من أي مذهب كانت ومن أي فرقة افترقت أو اجتمعت كي تستريح البشرية من أحابيلهم الخبيثة، وخططهم الماكرة، ومزخرفاتهم التي تُموه بكل معنى جميل في مظاهره الخداعة والتي هي في حقيقتها أصلُ كُلِّ بغض، وعداء، وحسد، وحقد، وخبث، ومرض عضال لاشفاء للنفوس والقلوب منه. أعاذنا الله تعالى وإياكم من كل هذه المعاني ووفقنا لخدمة محمد وآل محمد صلوات الله عليهم، وشيعتهم العارفين الأوفياء . [صفحة 203] المضمون مع المذكور من الأحاديث الشريفة تركز على ما يسمى في عصرنا الحاضر: (منطقة الشرق الأوسط ... ولذا فإن الناظر إلى هذه الأحاديث الشريفة بنحو خاص، أو إلى كل الأحاديث التي تناولت شؤون إمام زماننا صلوات الله عليه المختلفة بنحو عام فإنه سيلحظ ذكراً متكرراً لبلاد: الحجاز، وماجاورها من دول الخليج، والعراق وإيران وبلاد الشام بما فيها: سورية، والأردن، وفلسطين، ولبنان . ولا يعني ذلك أن الأحاديث الشريفة لم تذكر إلا هذه البلدان، إنما المقصود أن أكثر الحديث في الروايات الشريفة عن هذه المناطق وشعوبها. - يجد المتصفح لهذه الأخبار الشريفة أن أكثر القتل سيكون في أهل القبلة. وأنه صلوات الله وسلامه عليه سيقتل، ويقتل، ويقتل أعداداً كثيرة جداً من أبناء العامة ومن المنحرفين ممن يتلبس بالتشيع كذباً لتحصيل الدنيا وجاهها المزيف وأموالها الزائلة، وإن القتل سيطال الرؤوس الخبيثة والأتباع التافهين لتخليص البشرية من هذه القاذورات والقمامات المتعفنة؛ كي يرى الناس طريق الحق في ولاية علي وآل علي صلوات الله عليهم أجمعين، وتعمر السعادة حينئذ كل جهة من جهات هذه الحياة التي طالما غمرها الشقاء والظلم والجهل والمتاهة، في غيبة إمام زماننا صلوات الله وسلامه عليه. ٤ - قد يسأل سائل عن حال النصارى واليهود والبوذيين وغيرهم من [صفحة 204] بين أيدينا ليس من مقاصده التوغل في مثل هذه المطالب. وإنما غايتنا البحث فيما يلقاه السائرون في ركابه الشريف صلوات الله عليه من بلاء وتمحيص واختبار. وأسأله تعالى أن يوفقني لبسط الكلام في مثل هذه الموضوعات في مقام اخر، خدمة من هذا العبد لشيعة آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين. ه - وللعلامة السيد محمد الصدر في كتابه تاريخ ما بعد الظهور بحث في هذا الخصوص، أنقل بعضاً منه لتتميم الفائدة والمنفعة، إذ يقول: .... ولكننا إن لاحظنا المقتولين في هذه الحملة (1) وجدناها موجهة ضد اولئك الفاشلين في التمحيص الذي كان جزءاً رئيسياً من التخطيط العام لما قبل الظهور فكل من تطرف نتيجة للتمحيص إلى طرف الباطل، يكون الآن مقتولاً لا محالة. ولذا نسمع من هذه الأخبار أنه عليه السلام يقتل أعداء الله، ويقتل كل منافق مرتاب، وأنه لا يستتيب أحداً، وأنه يقتل قوماً يرفضون ثورته ويقولون له: إرجع، لا حاجة لنا ببني فاطمة. وكل هؤلاء هم الفاشلون في التمحيص السابق على الظهور. ولا تنفع هذا الفاشل توبته بين يدي المهدي عليه السلام، بل سيقتله المهدي عليه السلام ولا يستتيبه، أي لا يطلب منه التوبة، ولا يسمعها منه، وقد سبق أن سمعنا عن الإمام المهدي عليه السلام نفسه أنه قال: فليعمل كل امرئ منكم بما يقرب به من محبتنا، ويجتنب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإن أمرنا بغتة [صفحة 205] فجاءة حين لا تنفعه توبة، ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة (1). ولعل هذا هو المقصود من قوله تعالى: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا)، كما جاءت به بعض الروايات، وهذا هو المعنى الظاهر من الآية عند مراجعة سياقها، ...) (۳). إلى أن يقول: (وأما الناجحون الممحصون في هذا التخطيط العام، فهم المؤمنون بالمهدي عليه السلام المبايعون له الآمنون في دولته السعداء في ظل عدله، وهم الذين يباشرون القتل تحت قيادته، وقد سبق أن سمعنا عنهم أنه يعطي الواحد منهم قوة أربعين رجلاً، لا يكفون سيوفهم حتى يرضى الله عز وجل)). (1) الحوبة: هي الخطيئة، والإثم. [صفحة 206] النظرة الثانية با نظرة تأمل واعتبار هذه طائفة من الأحاديث المعصومية الشريفة أنقلها بين يديك أيها المحب الودود تشتمل على تلميحات وتلويحات لها علقة بالذي نحن فيه وأتركها دون تعليق لبيان معانيها وإشاراتها، كي أجعل منها محطة تأمل، ووقفة اعتبار تجيل نظرك فيها وفكرك حولها: (۱) عن أبي خالد الكابلي قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام أن يسمي القائم حتى أعرفه بإسمه، فقال: يا أبا خالد، سألتني عن أمر لو أن بني فاطمة عرفوه الحرصوا على أن يقطعوه بضعة، بضعة) (1) . (۲) روى شيخنا المفيد (ره): (عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لا يخرج القائم حتى يخرج قبله إثنا عشر من بني هاشم كلهم يدعو إلى نفسه) (٢). [صفحة 207] ) عن مالك بن ضمرة، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: يا مالك بن ضمرة كيف أنت إذا اختلفت الشيعة هكذا - وشبك أصابعه وأدخل بعضها في بعض - فقلت: يا أمير المؤمنين ما عند ذلك من خير. قال: الخير كله عند ذلك، يا مالك عند ذلك يقوم قائمنا فيقدم سبعين رجلاً يكذبون على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلّم فيقتلهم، ثم يجمعهم الله على أمر واحد)(1). (٤) روى شيخنا أبو جعفر الكليني (ره): (عن مفضل بن عمر، قال: كنتُ عند أبي عبدالله عليه السلام وعنده في البيت أناس، فظننت أنه إنما أراد بذلك غيري، فقال: أما والله ليغيبين عنكم صاحب هذا الأمر وليخملن هذا حتى يقال: مات، هلك، في أي واد سلك؟ ولتكفأن كما تكفا السفينة في أمواج البحر، لا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، وكتب الإيمان في قلبه، وأيده بروح منه . ولترفعن إثنتا عشرة رايةً مشتبهة، لا يدرى أي من أي؟ قال: فبكيت فقال: ما يبكيك يا أبا عبد الله (۲) فقلت: جعلت فداك، كيف لا أبكي وأنت [صفحة 208] تقول: إثنتا عشرة راية مشتبهة، لا يدرى أي من أي؟! قال: وفي مجلسه كوة (۱) تدخل فيها الشمس، فقال: أبينة هذه؟ فقلت نعم . قال: أمرنا أبين من هذه الشمس) (1) . (٥) روى شيخنا المفيد(ره)، عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام، أنه قال: إذا قام قائم آل محمد صلى الله عليه وآله ضرب فساطيط، ويُعلم الناس القرآن على ما أنزل الله عز وجل، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم، لأنه يُخالف فيه التأليف) (3) . (٦) ) عن أبان بن تغلب، قال: سمعت أبا عبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام، يقول: إذا ظهرت راية الحق لعنها أهل المشرق وأهل المغرب، أتدري لم ذاك؟ قلت: لا، قال: للذي يلقى الناس من أهل بيته قبل خروجه (()) . (1) الكوة: هي النقبة في الحائط وهي غير النافذة. (۲) عن الكافي الشريف ج ۱ ص ۳۳۸ و ص ۳۳۹ ح ۱۱. [صفحة 209] عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: إذا رفعت راية الحق لعنها أهل المشرق والمغرب، قلت له: مم ذلك؟ قال: مما يلقون من بني هاشم) (1) . (۸) ) عن إبراهيم بن عبد الحميد، قال: أخبرني من سمع أبا عبدالله عليه السلام يقول: إذا خرج القائم عليه السلام خرج من هذا الأمر (1) من كان يرى أنه من أهله، ودَخَلَ فيه شبه عبدة الشمس والقمر (۳) . (۹) اللهم صل وسلم على إمام زماننا، وعلى خدامه، وأعوانه على غيبته ونأيه () ()، (واجعلنا ممن تنتصر به لدينك، وتُعِزُّ به نصر وليك، ولا تستبدل بنا غيرنا فإن استبدالك بنا غيرنا عليك يسير، وهو علينا كثير) (٢) . (۱) عن المصدر المتقدم ص ٢٩٩ جه. (۲) الأمر كناية عن المذهب الحق: وهو التشيع الإثنا عشري الإمامي المعصومي الخالص . (۳) عن غيبة الشيخ النعماني (ره) ص حا. ح ۱. ۳۱۷ (٤) النأي: هو البعد. [صفحة 210] النظرة الثالثة الحَسَدُ مرض العلماء القاتل (۸) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما ازداد عبد علماً، فازداد في الدنيا رغبةً، إلا ازداد من الله بعدا)) . وقال سيد الأوصياء صلوات الله عليه وعليهم: زلة العالم كانكسار السفينة تَغْرَقُ وتُغرق)) . خبيث هذا المرض الذي يأكل الدين أكلاً فلا يبقي منه شيئاً ... إنه الحسد البغيض... وأبغض أنواعه ما كان بين أهل العلم؛ لأنه يقودهم إلى الاختلاف الذي يكون سبباً لضلال شيعة أهل البيت عليهم السلام وتيههم ..... وهو بدوره أيضاً يقود العلماء والفقهاء الذين أصيبوا به إلى فتنة معارضة الإمام عليه السلام، وهي الكفر بعينه، بل أكفر الكفر ... ويا ويل أمة، أو [صفحة 211] طائفة ينهش الحسد قلوب أهل العلم فيها، ويهيمن على عواطف كبرائها ومشايخها، وإليك أيها المحب الودود شواهد لعلنا نعتبر منها أو بها: (۱) ينقل سيدنا نعمة الله الجزائري (ره) فيقول: (لما كنتُ في شيراز لتحصيل العلوم العقلية، أتيتُ إلى شيخنا الفاضل البحراني الشيخ جعفر، فقلت له: ما تقول في تفسير الشيخ عبد علي الحويزي: (نور الثقلين) وهو تفسير القرآن بالأحاديث، وكان أول من فسر القرآن بالأخبار في عصرنا هذا، فأجابني: مادام الشيخ عبد علي حياً فلا يساوي تفسيره فلساً واحداً، أما إذا مات فأول من يكتبه أنا، ثم أنشد: ترى الفتى ينكر فضل الفتى مادام حياً فإذا ما ذَهَبْ لج به الحرص على نكتة يكتبها عنه بماء الذهب) (1) . بيان الشيخ جعفر المذكور في هذه القصة هو الشيخ جعفر بن كمال الدين البحراني (ره) المتوفي سنة ۱۰۹۱هـ، كان أستاذاً للسيد الجزائري (ره) في شيراز ثم انتقل بعد ذلك إلى بلاد الهند واستقر فيها إلى وفاته، حيث كان مرجعاً للشيعة في حيدر آباد وما إليها (٢). [صفحة 212] ما ذكره السيد الخوانساري (ره) في روضات الجنات - وهو الخبير بأحوال العلماء وتأريخهم - من تعجبه من وجود مودة وصفاء حقيقة بين إثنين من العلماء الأقران المعاصر أحدهما للآخر، وهما: سيدنا الميرداماد (ره)، وشيخنا البهائي (ره)، إذا يقول: (وكان بينهما أيضاً خلطة تامة، ومواخاة عجيبة، قلما يوجد نظيرها في سلسلة العلماء، ولاسيما المعاصرين منهم ....)(1). وفي الإشارة ما يغني عن العبارة، ورب سكوت أبلغ من كلام. (۳) ومما قاله سيدنا السيد شهاب الدين المرعشي (قده)، في حديث له مع بعض تلامذته: (الحسد في بداية الأمر كالنقطة السوداء في قلب الحسود فإن لم يعالج الحسود نفسه بالأساليب التي ذكرها علماء الأخلاق، كأن يدعو الله جل جلاله أن يزيلها منه، ويفكر في ذلك، بأنه لماذا يريد إزالة النعمة من أخيه، فإن الله هو المعطي وهو المانع، هو النافع وهو الضار، فيطلب النعمة من ربه كما أنعم الله على محسوده، ومن ثم يعالج نفسه، فإنّ بذرة الحسد لولا علاجها وإماتتها في النطفة) فإنها تنمو، وتكون تلك [صفحة 213] البذرة في يوم شجرة ظلماء تأخذ تمام وجود الإنسان. ثم قال: كان والدي يحضر درس المحقق الآخوند صاحب الكفاية، وكنت أرافقه في الطريق، وكان يرى شخصاً ممن تلبس بزي أهل العلم، وما كان يراه والدي إلا ويدعو عليه قائلاً: اللهم اخذله في الدنيا والآخرة وسمعت ذلك منه مراراً، فسألته يوماً عن سبب ذلك. فقال والدي هذا الذي تراه كان يحضر مع شيخ آخر من بلدته درس الآخوند، وكان الأستاذ يمدح صاحبه بالذكاء والفطنة. وإذا به اشتعلت فتيلة الحسد في وجود هذا الشيخ. وفي يوم أبتلي صاحبه بالزكام، وكنتُ عنده لعيادته، فدخل هذا الشيخ، وقال له: عندي دواءك، فجاءه بمسحوق ووضعه في إناء وناوله. وبعد سويعة أخذ المسكين يتقيأ، وتغير لونه، وبعد ساعات ارتحل إلى جوار ربه، وعلمنا أنه سقاه السم؛ وذلك من شدة حسده. وقد أيتم أربعة أطفال من حنان الأب، وهكذا يفعل الحسد بأهله، ويأكل الإيمان كما يأكل النار الحطب . وقال قدس سره: إن الشيخ هادي من علماء النجف الأشرف قد كفر وضُرب بعصا الكفر نتيجة الحسد لاغير، فإنه كان عالماً فاضلاً لم يكتب إلا الصواب، ولم أجد في كتاباته ما يدل على الكفر والزندقة، وإنما كان منشأ القول بتكفيره، أنه زار الميرزا حبيب في أيامه الأخيرة، وكان شيخان في الباب فجيء بالشاي وشربه الشيخ هادي، وأتى الخادم ورفع الإستكان [صفحة 214] يقول طهروا الإستكان فإنه قد شرب منه الكافر، وسرعان ما انتشر هذا الخبر، وارتحل الميرزا بعد ثلاثة أيام، ولم يسأل عن حقيقة الحال، ولكن ثبت أنهما قالا ذلك من عند أنفسهما حسداً بالشيخ هادي، ولكن بقي تكفير الشيخ على ألسنة العوام، ........)) . بيان: ۱ - مراده (ره) من الشيخ هادي هو الشيخ هادي بن ملا محمد أمين الطهراني النجفي (ره) المتوفى سنة ۱۳۲۱هـ، كان من العلماء المحققين الأجلاء)، وكانت له مصنفات كثيرة، وباع علمي طويل . ۲ - ومراده (ره) من الميرزا حبيب هو العالم الجليل الفاضل الميرزا حبيب الله الرشتي (ره)، من جهابذة علماء الطائفة ومراجعها ومحققيها المتوفى سنة ١٣١٢ هـ) . (٤) وقد يبلغ الحسد حداً - والعياذ بالله تعالى - لا أن يقتل الحاسد المحسود، بل يقتل الحاسد نفسه إيذاءاً ووقيعة بالمحسود، وهذا من أعجب الحسد وأخبثه (۱) عن قبسات من حياة السيد المرعشي (ره) ص ٩٦ وص ۹۷، للعالم الوجيه الفاضل السيد عادل العلوي حفظه الله . (۲) إن أردت التفصيل: فعليك بمعارف الرجال ج ٣ من ص ٢٢٥ إلى ص ۲۲۸، لشيخنا العلامة [صفحة 215] إذ يحدثنا السيد مصطفى مرتضى العاملي (ره)، فيقول: (إنه كان في أيام موسى الهادي ببغداد رجل من أهل النعمة، وكان له جار في دون حاله وكان يحسده، ويسعى بكل مكروه يمكنه، ولا يقدر عليه. قال: فلما طال عليه أمره، وجعلت الأيام لا تزيده إلا غيظا، اشترى غلاماً صغيراً، فربّاه وأحسن إليه، فلما شب الغلام واشتد وقوي عصبه، قال له مولاه يابني إني أريدك لأمر من الأمور جسيم، فليت شعري، كيف لي أنت عند ذلك؟ قال: كيف يكون العبد لمولاه، والمنعم عليه، المحسن إليه. والله يا مولاي لو علمت أن رضاك في أن أتقحم في النار لرميت نفسي فيها، ولو علمت أن رضاك في أن أغرق نفسي في لجة البحر لفعلت ذلك، وعدد عليه أشياء فسر بذلك من قوله، وضمه إلى صدره، وأكب عليه يترشفه ويُقبله، وقال: أرجو أن تكون ممن يصلح لما أريد . قال: يا مولاي إن رأيت أن تمن على عبدك فتخبره بعزمك هذا، ليعرفه، ويضم عليه جوانحه، قال: لم يأن لذلك بعد، وإذا كان فأنت موضع سري، ومستودع أمانتي، فتركه سنة، فدعاه، فقال: أي بني قد أردتك للأمر الذي كنت أرشحك له، قال له: يا مولاي مرني بما شئت، فوالله لا يزيدني في الأيام إلا طاعة لك قال: إن جاري فلاناً قد بلغ مني مبلغاً أحِبُّ أن أقتله؟ [صفحة 216] أمكنك أحالوا ذلك علي، ولكني دبرت أن تقتلني أنت، وتطرحني على سطحه، فيؤخذ ويقتل بي، فقال له الغلام: أتطيب نفسك بنفسك، ومافي ذلك تشف من عدوك، وأيضاً فهل تطيب نفسي بقتلك، وأنت أبر من الوالد الحدب، والأم الرفيقة، قال: دَع عنك هذا، فإنما كنتُ أربيك لهذا، فلا تنقض علي أمري، فإنه لاراحة لي إلا في هذا، قال: الله، الله، في نفسك يا مولاي، وأن تتلفها للأمر الذي لا تدري أيكون أم لا؟ وإن كان لم ترمنه ما أملت وأنت ميت .. قال: أراك لي عاصياً، وما أرضى حتى تفعل ما أهوى، قال: أما إذا صح عزمك على هذا فشأنك وماهويت، لأصير إليه بالكره لا بالرضا، فشكره على ذلك، وعمد إلى سكين فشحذها، ودفعها إليه، وأشهد (1) على نفسه أنه دبره، ودفع إليه من ثلث ماله ثلاثة آلاف درهم، وقال: إذا فعلت ذلك فخذ في أي بلاد الله شئت، فعزم الغلام على طاعة المولى بعد التمنع والالتواء. فلما كان آخر ليلة من عمره، قال: تأهب لما أمرتك به، فإني موقظك في آخر الليل، فلما كان في وجه السحر قام وأيقظ الغلام، فقام مذعوراً، وأعطاه المدية، فجاء حتى تسور حائط جاره برفق، فاضطجع على سطحه واستقبل القبلة ببدنه، وقال للغلام ها وعجل، فترك السكين على حلقه [صفحة 217] وفرى أوداجه، ورجع الى مضجعه وخلاه يتشحط بدمه، فلما أصبح أهله خفي عليهم خبره، فلما كان آخر النهار أصابوه على سطح جاره مقتولاً، فأخذ جاره، وأحضروا وجوه المحلة لينظروا إلى الصورة، ورفعوه وحبسوه، وكتبوا بخبره الى الهادي، فأحضره، فأنكر أن يكون له علم بذلك، وكان الرجل من أهل الصلاح فأمر بحبسه، ومضى الغلام إلى إصبهان، وكان هناك من أولياء المحبوس وقرابته، وكان يتولى العطاء للجند بإصبهان، فرأى الغلام وكان به عارفاً، فسأله عن أمر مولاه - وكان قد وقع الخبر إليه - فأخبره الغلام حرفاً حرفاً، فأشهد على مقالته جماعة وحمله إلى مدينة السلام، وبلغ الخبر الهادي، فأحضر الغلام، فقص أمره كله عليه، فتعجب الهادي من ذلك وأمر بإطلاق الرجل المحبوس، وإطلاق الغلام أيضاً) (1). وليس من تعليق أو كلام على هذه الحادثة إلا قول سيد الأوصياء صلوات الله عليه وعليهم: (ويح الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله) (٢). وهنا أيها المحب الودود أقتطف باقةً من أحاديث أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم يتحدثون فيها عن هذا المرض الخبيث الفتاك وأضراره وعواقبه، أعاذنا الله تعالى من مخالبه المقيتة، بولاء آل محمد عليهم أفضل الصلاة والسلام، ورعاية إمام زماننا عجل الله تعالى فرجه الشريف. [صفحة 218] عن داود الرقي، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: إتقوا الله ولا يحسد بعضكم بعضاً، إن عيسى بن مريم كان من شرايعه السيح) في البلاد، فخرج في بعض سيحه ومعه رجل من أصحابه قصير وكان كثير اللزوم لعيسى عليه السلام، فلما انتهى عيسى إلى البحر، قال: بسم الله بصحة يقين منه، فمشى على ظهر الماء، فقال الرجل القصير حين نظر إلى عيسى عليه السلام جاره: بسم الله بصحة يقين منه فمشى على الماء ولحق بعيسى عليه السلام، فدخله العجب بنفسه، فقال: هذا عيسى روح الله يمشي على الماء، وأنا أمشي على الماء فما فضله علي، قال: فرمس في الماء فاستغاث بعيسى فتناوله من الماء فأخرجه، ثم قال له: ما قلت يا قصير؟ قال: قلت: هذا روح الله يمشي على الماء وأنا أمشي على الماء فدخلني من ذلك عجب، فقال له عيسى: لقد وضعت نفسك في غير الموضع الذي وضعك الله فيه فمقتك الله على ما قلت، فتب إلى الله عز وجل مما قلت، قال: فتاب الرجل، وعاد إلى مرتبته التي وضعه الله فيها، فاتقوا الله ولا يحسدن بعضكم بعضاً) (٢). (1) السيح: هو التنقل في الأرض وعدم الاستقرار في موضع واحد عبادة، وزهدا، وإعراضاً عن [صفحة 219] ) عن الفضيل بن عياض، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن المؤمن يغبط (۱) ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط ((٢). وهل هناك أوضح من هذا القانون الشريف: إن المؤمن يغبط ولا يحسد) فإذا دخل الحسد في قلبه كان منافقاً، إذ يقول سيد الأوصياء صلوات الله عليه وعليهم: (لا يكون المؤمن حسودا) (۳). وقال نبينا صلى الله عليه وآله: (إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)(1). وفي حديث عن إمامنا باب الحوائج موسى بن جعفر صلوات الله عليهما، عن آبائه عليهم السلام: (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله، ذات يوم لأصحابه: ألا إنه قد دَب إليكم داء الأمم من قبلكم، وهو الحسد ليس بحالق الشعر، لكنه حالق الدين .....)) . فلتقر عين الحاسد إذا حين يحلق دينه بنفسه فتعساً له وتعساً، (1) يغبط: من الغبطة وهو أن يتمنى الإنسان أن يرزقه الله تعالى مارزق غيره، دون أن يتمنى زوال النعمة عن الغير. (۲) عن الكافي الشريف ج ۲ ص ۳۰۷ ح ۷. (۳) عن غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي (ره) تبويب الشيخ مصطفى درايتي ص ٣٠٠ ج ٦٨١٤. [صفحة 220] ولا عجب في كل ذلك، إذ أن الحسد يزيل محبة أهل البيت عليهم السلام من القلوب أيضاً، فهذا شيخنا الكليني (ره) يروي: ) عن جراح المدائني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب)(1). وهل الإيمان إلا محبتهم، ومودتهم، وولايتهم، وطاعتهم، ومعرفتهم، والتسليم لأمرهم ومرادهم، والسالمية لهم، والتوجه والتوسل والانقطاع لهم وبهم وإليهم صلوات الله عليهم؟ (۳) وكيف لا يكون الحسد - أعوذ بالله تعالى منه - ماحقاً المحبة آل الرسول صلوات الله عليهم من القلوب، وأمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام يقول عنه: أ - (الحسد مقنصة (1) إبليس الكبرى ((۳). والتفت لقوله عليه السلام: (الكبرى)، وتبصر في ذلك ب - (إياك والحسد فإنه شر شيمة، وأقبح سجية، وخليقة إبليس)). ج - (خلو الصدر من الغل) والحَسَد من سعادة العبد) (1) . (٥) الغل: الحقد والغش، والأضغان. (۱) عن الكافي الشريف ج ٢ ص ٣٠٦ ج ٢. (٦) عن غرر الحكم ودرر الكلم الشريف ص ٣٠٠ - ٦٨٠٢. (۲) المقنصة المصيدة. [صفحة 221] د - (ثمرة الحسد شقاء الدنيا والآخرة) (1). ويحدثنا شيخنا أبو النضر العياشي (ره)، فيقول: ) عن يونس بن ظبيان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: بينما موسى بن عمران عليه السلام يناجي ربه ويكلمه إذ رأى رجلاً تحت ظل عرش الله فقال: يارب من هذا الذي قد أظله عرشك؟ فقال: يا موسى، هذا ممن لم يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله) (1) . فأين من هو تحت ظل عرش رب العالمين؟! وأين من ثمرة حسده شقاء الدنيا والآخرة؟! ولهذا فإن أولئك الذين يفتك فيهم حسدهم البغيض من الفقهاء والعلماء والقُراء يشهرون سلاحهم لعنة الله عليهم، في وجه إمام زماننا صلوات الله وسلامه عليه. ولقد روى شيخنا الصدوق (ره) في خصاله الشريف، عن سيد الأوصياء صلوات الله عليه وعليهم: (إن الله عز وجل يُعذِّبُ ستة بستة: العرب بالعصبية، والدهاقنة) بالكبر، والأمراء بالجور، والفقهاء بالحسد، (۱) عن المصدر المتقدم ص ٣٠١ - ٦٨٥٧. (۲) عن تفسير شيخنا العياشي (ره) ج ١ ص ٢٤٨ ح ١٥٦. [صفحة 222] والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق (1) بالجهل)) . فعذاب من يستحق العذاب من الفقهاء إنما هو بالحسد، ذلك المرض القاتل الذي يقتل كل معاني الرحمة والإنسانية في قلب صاحبه المشؤوم . كيف، لا؟! وإمامنا الصادق صلوات الله عليه يحذر منه بكل قوة، وينهى عنه بكل شدة في وصيته الشريفة التي كتبها لشيعته وأمرهم بمدارستها والنظر فيها وتعاهدها والعمل بها: وإياكم أن يحسد بعضكم بعضاً، فإن الكفر أصله الحسد) (۳). فواغوثاه، ثم واغوثاه، ثم واغوثاه ........ أي مرض هذا؟!!! وأي إثم هذا؟!!! وكم عانى المؤمنون؟ ولا زالوا يعانون، من تأثيرات هذا المرض الخبيث الذي ينتشر في وسط أهل العلم الديني بنحو مركز، ويفتك فيهم فتكاً ذريعاً . وكم راح من العلماء ضحية، لإصابة آخرين منهم به؟ (1) الرستاق معرب كلمة روستا الفارسية، وهي بمعنى القرية . [صفحة 223] وكم تجرع المخلصون منهم ما تجرعوا؟ إذ ليس بعيداً عن الأذهان ما عاناه المرجع المظلوم، الشهيد السعيد، السيد محمد باقر الصدر قدس سره الشريف، ومالقيه بطل الإسلام في عصر الغيبة الشريفة، وحامي الشريعة حقاً - لاجزافاً كما يحلو للبعض أن تكتب له أو تقال عنه - إمام الأمة الخميني (رضوان الله تعالى عليه، إذ كلمته التي قالها في آخر ليلة من بقائه في النجف الأشرف معروفة بين تلامذته ومريديه،، حين قال: (وبكل حسرة،: «لقد كنت مستأنساً هنا بالحرم المطهر، ولكن الله وحده يعلم كم عانيت في هذه الديار) ((). إنها كلمة على قصرها تعني الكثير، الكثير لأنها لم تكن قد صدرت إلا من رجل قد جسد حقيقة الصبر والمصابرة والمرابطة! في وجه أعداء الله، وقد لقي مالقي (ره) من علماء السوء في الحوزتين النجفية والقمية، وماهو بعجب إذ شأنهم هذا، وما شأنهم إلا شأن الغراب، وما ذاك بخفي . حاشا العلماء الأجلاء . وقد صدق الشاعر حينما كان يخاطبه في أيام حياته المباركة: أهدى الحسين إليك السيف وابتسما فسر وحقك لن ترتد منهزما ومُدَّ رايته الحمراء من دمه فشق دربك لن تلقى بها ظلما عليك منه صفات ليس يعرفها إلا الوفيان من ضحى ومن عزما (۲) [صفحة 224] وإني سأقتطف لك أيها المحب الودود مقاطع من رسالته الشريفة التي وجهها إلى الحوزات العلمية في منتصف شهر رجب المرجب سنة ١٤٠٩ للهجرة فقال في بدايتها: ) أصحاب السماحة العلماء في أرجاء البلاد، ومراجع الإسلام العظام، وأساتذة الحوزات العلمية الكرام، وطلبتها الأعزاء، وأئمة الجمعة والجماعة المحترمين (دامت بركاتهم)) (۱). (۱) ... فالعلماء الخونة، والمتظاهرون بالصلاح، والمتنسكونَ ليسوا قلّةً، ولم يكونوا قلة، ....)، إلى أن يقول (قده): .... إن خطر المتحجرين فكرياً، والحمقى المتظاهرين بالصلاح في الحوزات العلمية ليس بالهين، وعلى الطلاب الأعزاء أن لا يغفلوا عن أفكار هذه الأفاعي الرقطاء ناعمة الملمس، إنهم دعاة الإسلام الأمريكي وأعداء رسول الله، ألا ينبغي أن يحفظ الطلبة وحدتهم أمام هذه الثعابين؟ (۳). (۲) ....... ولا تظنوا أن الأجانب - وحدهم - هُم الذين وجهوا تهمة العمالة وفرية الزندقة للعلماء، ففاعلية ضربات العلماء غير الواعين، أو [صفحة 225] الواعين العملاء كانت - وماتزال - أشد تأثيراً أضعافاً مضاعفة (1) . ويقول أيضاً قدس سره الشريف: ... وما قطعته هذه الفئة المتحجرة من نياط قلب أبيكم الشيخ هذا، لم تستطع - أبداً - أن تقطعه كل ضغوط الآخرين، والمشاق التي سيبوها) (٢). وقال أيضاً رضوان الله تعالى عليه: ... في مدرسة الفيضية شرب ولدي المرحوم مصطفى - وكان صغيراً ماء في زير خزفي (دن) في تلك المدرسة، فقام بعضهم بغسل الزير الخزفي بالماء لتطهيره، ...)). (۳) ) في انتفاضة الخامس عشر من خرداد عام ١٣٤٢هـ . ش ٥١ حزيران ١٩٦٣م، لم يكن التصدي أساساً لرصاص الشاه ومدافعه، ولو انحصر الأمر بمواجهة ذلك لهان، ولكن ما كان كذلك فقط، بل إضافةً إلى مواجهة ذاك الرصاص والمدافع، كان هناك رصاص ينطلق من الجبهة الداخلية كانت هناك رصاصات المكر والمراءاة بالقدسية ورصاص التحجر. كانت هناك رصاصات التعريض واللمز والنفاق، وكانت هذه أشد أذى بألف مرة من البارود والرصاص؛ فهي تحرق الأكباد و القلوب وتمزقها ...)). (۱) عن الإمام الخميني قدوة ص ١٥٩. [صفحة 226] وقال نور الله تعالى مضجعه الشريف: . ...... وإن ما تلقاه الإسلام من ضربات هؤلاء المتلبسين بزي العلماء والمرائين بظاهر القدسية لم يتلق أمثالها من أي فئة أخرى (١). فحذار، حذار، أيها المحب الودود من هذه الأفاعي الرقطاء، والثعابين المسمومة الذين هم ليسوا من الله تعالى وليس الله تعالى منهم كما تصفهم الروايات الشريفة، حيث يقول إمامنا الصادق صلوات الله عليه: ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله قال الله عز وجل لموسى بن عمران عليه السلام: يا ابن عمران لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضلي ولا تمدن عينيك إلى ذلك، ولا تتبعه نفسك فإن الحاسد ساخط لنعمي، صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي، ومن يك كذلك فلستُ منه وليس )1(مني فمن لم يكن من الله تعالى، ولم يكن الله تعالى منه، أي شيء هذا؟! نعوذ بالله تعالى، وبرسوله، وآل رسوله صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، من كل ذلك . [صفحة 227] وأختم مقالتي، بأبيات لأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، يقول فيها: إلى الديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم ستعلم في الحساب إذا التقينا غداً، عند المليك من الخشوم (۱) ستنقطع اللذاذة عن أناس من الدنيا وتنقطع الهموم (۲) [صفحة 228] النظرة الرابعة: نظرة إجمالية سريعة في الفتنة السابعة وأسبابها وأقول، بعد كل هذا: إنه قد مرت عليك أيها العزيز روايات وروايات تتحدث عن الفتنة السابعة وما سيكون من قتل عظيم لكل المبطلين والطواغيت والظالمين وإن خادعوا الناس وخدعوا أنفسهم بمختلف أساليب المكر والخداع وأعاجيب أحابيلهم الشيطانية البغيضة . ولا يبعد عن ذهنك أيها العزيز فإنّ الروايات المشار إليها قبل قليل تحدثت لنا واصفة ما سيجول في قلوب أولئك الذين لم تخبت قلوبهم الإمام زمانهم صلوات الله عليه، فتفترسهم الشكوك الشيطانية والهواجس الإبليسية، ويُقعدهم عن الحوق (۱) مسيرة الركب الالهي أثقال ما احتطبوه في زمان الغيبة من أفعال وأقوال وأحوال، وعقائد ومعارف وأخلاق حالت بينهم وبين أئمتهم عليهم السلام، وإن ادعوا جزافاً أنهم من أتباعهم، ولذا فإنهم سيعترضون على كثرة القتل وتأخذهم الرحمة والرأفة بأعداء الله تعالى لعنة الله عليهم جميعاً، والسر في ذلك هو عدم إخلاصهم في براءتهم وولايتهم - نعوذ بالله من ذلك، ونتوسل بإمام زماننا وحجة الله علينا أن [صفحة 229] نكون في مصاف أوليائه الذين أخبتت قلوبهم لطاعته، وأذعنت وسلمت عقولهم راضيةً شاكرةً مستبشرةً فرحةً مسرورة بأوامره وإرادته ـ وهل الدين إلا ذلك؟! ولعلك تسأل عن أسباب الوقوع في هذه الفتنة وما تظهره النتائح من سقوط فظيع، وفشل ذريع، يتهاوى فيها من يتهاوى، ويهلك فيها من يهلك. فأقول ياعزيزي لقد أشرت قبل قليل بنحو إجمالي الى أهم سبب، بل هو الأصل في ذلك: وهو البراءة، وسيأتي الكلام عنه مفصلاً في الفصل الثالث من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى . إلا أني سأجمل الكلام بين يديك الكريمتين وأذكر أسباباً قد تعكس صورة إجمالية عن جواب هذا السؤال: أولاً - فهم البعض من الناس - إن لم يكن الأكثر - للدين والعقيدة والشريعة على أساس من الاستحسانات والتذوقات العقلية الخرقاء الباردة والتي يلهث وراء سرابها كل أهوج أعوج يتابع فيها كل أعفك (1) أحمق تمادى في حمقه وغيه حيث يتيه بين قياسات باطلة، ونتائج خاملة، فتغلبه أفكاره العاطلة وتسوقه إلى اعتراضات يعلوبها نهيقه المنكر الخبيث في وجه قرآننا الناطق صلوات الله وسلامه عليه ولا علاج لهؤلاء الحمقى إلا السيف، إذ يقول أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام: (الحمق داءً لأيداوى، ومرض لا يبرأ) (٢)، ومن كان هذا حاله فليس له إلا الاستئصال، [صفحة 230] وكفى بالسيف دواء ومداوياً. ولقد قالها سيد الأوصياء صلوات الله عليه وعليهم حين بلغه خبر أهل الجمل لعنة الله عليهم جميعاً: . .... فإن أبوا أعطيتهم حد السيف، وكفى به شافياً من الباطل، وناصراً للحق، ...) (1) . ثانياً - التصور العقائدي الخاطئ لمعنى الرحمة أو الإنسانية كما يُعبّر عنها في زماننا هذا. إذ أن هؤلاء المعترضين في الوقت الذي يبنون أساس اعتراضاتهم على استحسانات عقلية سخيفة، يطلقون العنان لعواطفهم دون حاكمية للعقل السليم عليها، مع أن حكم العقل الواضح الصريح هو وجوب تقييد العواطف وإخضاعها ضمن حدود موزونة عادلة حكيمة . ولما ثبت عندنا أن الحق في المعصوم صلوات الله عليه ومعه وله وبه وعنده وحيثما كان، كان الحق، فلابد أن يكون الحاكم على العواطف هو صلوات الله وسلامه عليه، فمن رضي عنه صلوات الله عليه فهو المرضي عندنا، ومن سخط عليه فهو المسخوط عليه عندنا، ومن هنا قال إمامنا الباقر صلوات الله عليه الجابر بن يزيد الجعفي (ره) حين دخلته الرحمة في قلبه على طائفة (1) من أعداء أهل البيت عليهم السلام نزل بهم شيء من العذاب حيث قال جابر رضوان الله تعالى عليه ...... ثم سألني، فقال: يا جابر ما حال الناس؟ فقلت: ياسيدي لا تسأل يا ابن رسول الله، خربت الدور والقصور، وهلك الناس ورأيتهم بغير رحمة فرحمتهم، فقال: لا رحمهم الله [صفحة 231] أبداً، أما إنه قد بقي عليك بقية، لولا ذلك ما رحمت أعداءنا وأعداء أوليائنا . ثم قال عليه السلام: سُحقاً سُحقاً، بعداً بعداً للقوم الظالمين، ........) . ومراده صلوات الله عليه من البقية هذه هو عدم إخضاع جابر لكل عواطفه وميوله للذي يريده الإمام المعصوم صلوات الله عليه، وإنما ينشأ هذا من التقصير العقائدي في فهم جوهر العقيدة الحقة والتي يفتقر الإنسان في تحصيل حقيقتها إلى لُطف المعصوم صلوات الله عليه ورعايته وعنايته مهما بلغ ما بلغ من المنازل العالية، ومهما حصل وما حصل من العلوم والمعارف والملكات؛ لأن الفتنة شديدة والامتحان عسير والغاية بعيدة ولا يصل الإنسان إليها بجهده وكده، إنما يلزمه التوفيق والتسديد والإرشاد كي يخرج الإنسان من عوالم ظلمته الحالكة إلى عوالم النور والطمأنينة واليقين، إذ يقول باقر العترة الطاهرة صلوات الله عليه وعليها: (....، إنه لابد من أن تكون فتنة يسقط فيها كل بطانة ووليجة حتى يسقط فيها من يشق الشعرة بشعرتين، حتى لا يبقى إلا نحن وشيعتنا) (٢). إذ أن الإنسان حتى لو بلغ ما بلغ في الدقة العلمية الى درجة عبر عنها الإمام عليه السلام بهذه الكناية الشائعة التي تجري مجرى الأمثال على الألسنة: يشق الشعرة بشعرتين، فإنه لا ينجو؛ لأن سر النجاة ليس هو في [صفحة 232] المقدرة على تسطير الكلام، ورصف العبارات، وتدبيج المغالطات بصورة البراهين والحجج العلمية واللجوء إلى التمويه بالإكثار من استعمال المصطلحات الغريبة المغلفة، ودفع الإشكالات بكلام مدخول في نفسه يقلد فيه الآخرين من دون بصيرة ووعي وإدراك، ... وعلى أي حال فإن سبيل النجاة ليس هو هذا وإن شاع بين الناس إنما سبيل النجاة باللجوء إلى الإمام المعصوم صلوات الله عليه والإنقطاع إلى جنابه الأقدس والمرابطة في ثغور فناء قدسه الشريف. يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون (1). وجاء في الخبر الشريف: ) عن بريد بن معاوية العجلي، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام، في قوله عز وجل: اصبروا وصابروا ورابطوا)، فقال: اصبروا على أداء الفرائض، وصابروا عدوكم، ورابطوا إمامكم المنتظر)). ثالثاً - التقصير العملي والفعلي في تطبيق معنى عقيدة البراءة من أعداء أهل البيت عليهم السلام، وتراكم الكذب العقائدي في كل الدعاوى التي يدعيها من يدعيها في التشيع والولاء لإمام زماننا صلوات الله وسلامه عليه في زمان الغيبة الشريفة ولطالما نقرأ في الزيارة الجامعة الكبيرة: (فمعكم معكم، لامع غير كم آمنت بكم، وتوليت آخركم، بما توليتُ [صفحة 233] به أولكم، وبرئتُ إلى الله عز وجل من أعدائكم، ومن الجبت والطاغوت والشياطين وحزبهم الظالمين لكم الجاحدين لحقكم، والمارقين من ولايتكم، والغاصبين لإرثكم، الشاكين فيكم، والمنحرفين عنكم، ومن كل وليجة دونكم، وكل مطاع سواكم، ومن الأئمة الذين يدعون إلى النار، ...)). وهؤلاء كلهم وكل من يرتضيهم وينهض باحتجاجهم، وكذلك من لا يعاديهم ولا يلعنهم ولا يراً منهم حكمهم القتل والاستئصال منذ السقيفة المشؤومة أسلافاً وأخلافاً، فهذا شيخ فقهاء الطائفة الحقة محمد حسن النجفي (ره) يقول في كتاب الجواهر الشريف، في معرض كلامه عن قتل أهل الجمل لعنة الله عليهم قاطبة: (.... إن علياً عليه السلام كان يجوز له قتل الجميع إلا خواص شيعته، لأن الناس جميعاً قد ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وآله يوم السقيفة إلا أربعة سلمان، وأبا ذر، والمقداد، وعمار، ثم رجع بعد ذلك أشخاص، والباقون استمروا على كفرهم حتى مضت مدة أبي بكر وعمر وعثمان، فاستولى الكفر عليهم أجمع حتى آل الأمر إليه عليه السلام، ولم يكن له طريق إلى إقامة الحق فيهم إلا بضرب بعضهم بعضاً، وأيهم قتل كان في محله، إلا خواص الشيعة الذين لم يتمكن من إقامة الحق بهم خاصة، ...) (٢). وقال (ره) في موطن آخر من كتاب الجواهر الشريف، متحدثاً عن مخالفي أهل البيت عليهم السلام: [صفحة 234] ) .... لكن لا يخفى على الخبير الماهر الواقف على ما تضافرت به النصوص، بل تواترت من لعنهم، وسبهم، وشتمهم، وكفرهم، وأنهم مجوس هذه الأمة، وأشر من النصارى، وأنجس من الكلاب، () إلى أن يقول (ره): (وكيف يتصور الأخوة بين المؤمنين والمخالف، بعد تواتر الروايات وتظافر الآيات، في وجوب معاداتهم، والبراءة منهم، وحينئذ فلفظ الناس والمسلم، يجب إرادة المؤمن منها، كما عبر به في أربعة أخبار وما أبعد ما بينه (۲) وبين الخاجا نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي وغيرهم ممن يرى قتلهم، ونحوه من أحوال الكفار، ...... ولست أريد الإطالة عليك في مثل هذه المطالب والمباحث، إنما أكتفي بما ذكرت خوفاً من أن يُساء فهمها، وتُحرَّف غاياتها. وبقي هناك سببان أشير إلى عنوانيهما دون الحديث عنهما طلباً للإيجاز والإختصار: رابعاً - عدم التسليم الواقعي الصادق للإمام عليه السلام . خامساً - الفهم الخاطئ لمعنى حرية الأفكار والآراء والمعتقدات، وإطلاق العنان لها . وربما يأتينا بعض شيء من الحديث عنهما في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى . [صفحة 235] الفِتْنَةُ الثامِنَةُ التشريع والأحكامُ [صفحة 237] الوقفة الأولى: هدم بيت الله الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسائر المساجد المهمة الأخرى وها أني أيها العزيز أعرض بين يديك نماذج من الروايات المعصومية الشريفة التي تتناول هذا الموضوع بالعرض والبيان: (۱) (عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: القائم يهدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه، ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله إلى أساسه، ويرد البيت إلى موضعه، وأقامه على أساسه، ....)) . (۲) وروى شيخنا المفيد (ره): ) قال أبو عبدالله السلام: إذا قام القائم عليه السلام هدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه، وحول المقام إلى الموضع الذي كان فيه ....)). [صفحة 238] ومن خبر المفضل بن عمر رضوان الله تعالى عليه، عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه: (قال المفضل: يا سيدي فما يصنع بالبيت؟ قال: ينقضه فلا يدع منه إلا القواعد التي هي أول بيت وضع للناس ببكة في عهد آدم عليه السلام، والذي رفعه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام منها، وإن الذي بني بعدهما لم يَيْنِه نَبي ولا وصي، ثم يبنيه كما يشاء الله وليعفين آثار الظالمين بمكة والمدينة والعراق وسائر الأقاليم، وليهد من مسجد الكوفة، وليبنيه على بنيانه الأول، وليهد من القصر العتيق (۱)، ملعون ملعون من بناه) (٢). (٤) ) عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام - في حديث له حتى انتهى إلى مسجد الكوفة، وكان مبنياً بحرف (۳) ودنان (4) وطين - فقال: ويل لمن هدمك، ويل لمن سهل هدمك، وويل لبانيك بالمطبوخ) المغير (1) ربما يراد منه وقصر الإمارة في الكوفة، إذ لازالت آثاره باقية إلى يومنا هذا. (۲) عن البحار الشريف ج ٥٣ ص ۱۱، من حديث مفصل عن ظهور إمام زماننا صلوات الله عليه. (۳) الخزف: ما يصنع من الطين ويشوى في النار كالطابوق. (٤) الدنان: قريب من الخزف في المعنى. [صفحة 239] قبلة نوح، طوبى لمن شهد هدمك مع قائم أهل بيتي، أولئك خيار الأمة مع أبرار العترة) (1). (٥) يحدثنا شيخنا المفيد (ره)، عن أبي بصير (ره)، عن إمامنا الباقر صلوات الله وسلامه عليه، أنه قال: (إذا قام القائم عليه السلام سار إلى الكوفة فهدم بها أربعة مساجد، ولم يبق مسجد على وجه الأرض له شرفٌ إلا هدمها، وجعلها جماء، ووسع الطريق الأعظم، وكسر كل جناح خارج في الطريق، وأبطل الكنف والميازيب إلى الطرقات، ولا يترك بدعة إلا أزالها، ولا سنة إلا أقامها، ...)). (٦) و من حديث رواه شيخنا الطوسي (ره)، عن أبي بصير (ره)، جاء فيه: (إذا قام القائم عليه السلام دخل الكوفة، وأمر بهدم المساجد الأربعة حتى يبلغ أساسها، ويُصيّرها عريشا) كعريش موسى، وتكون المساجد كلّها جماء لا شرف لها كما كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويوسع الطريق الأعظم فيصيرستين ذراعاً، ويهدم كل مسجد على (۱) عن غيبة الشيخ (ره) ص ۲۸۳ (۲) عن الإرشاد الشريف ص ٣٦٥. [صفحة 240] الطريق، ويسد كل كُوةٍ إلى الطريق، وكل جناح وكنيف وميزاب إلى الطريق، ...) (1) . (۷) ) وروى سعد بن عبد الله، عن داود بن قاسم الجعفري، قال: كنتُ عند أبي محمد عليه السلام، فقال: إذا قام القائم يهدم المنار والمقاصير التي في المساجد، فقلت في نفسي: لأي معنى هذا؟ فأقبل علي، فقال: معنى هذا أنها محدثةً مُبتدعةً لم يينها نبي ولا حجة) . (۸) ومن خبر المفضل (ره)، عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه، الذي تقدمت الإشارة إليه: (قال المفضل: يا مولاي، ثم ماذا يكون؟ قال: يأتي القائم عليه السلام بعد أن يطأ شرق الأرض وغربها، الكوفة ومسجدها، ويهدم المسجد الذي بناه يزيد بن معاوية لعنه الله لما قتل الحسين بن علي عليه السلام، وهو مسجد ليس لله ملعون ملعون من بناه) (1). (۱) عن غيبة الشيخ (ره) ص ۲۸۳. (۲) يعني به إمامنا الحسن العسكري صلوات الله وسلامه عليه. [صفحة 241] وهنا بعض توضيحات: أولاً - هدم المسجد الحرام: حيث يهدم إمامنا صلوات الله عليه ما بناه الظالمون والنواصب لعنة الله عليهم جميعاً ويُعيده إلى البناء الأول الذي بناه جده إبراهيم وولده إسماعيل على نبينا وآله وعليهما أفضل الصلاة والسلام. وذلك ما تحدثت عنه الرواية الأولى والثانية والثالثة. وانتبه أيها العزيز إلى قول الرواية الثالثة: وإن الذي بني بعدهما لم يبنه نبي ولا وصي »، إذ أن بناء قريش للمسجد الحرام قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله بخمس (۱) سنين لم يكن على قواعد إبراهيم وإسماعيل على نبينا وآله وعليهما أفضل الصلاة والسلام، بل أبدعوا فيه وأضافوا إليه وغيروا، ولذا يحدثنا التاريخ والسيرة أن النبي صلى الله عليه وآله كان يريد تغيير بنائه وإعادته إلى حاله الأول، إلا أن الظروف الزمانية والاجتماعية حالت دون ذلك، وبقي المسجد الحرام على حاله هذا حتى وسعه عمر ثم وسعه عثمان بعده وغيراً فيه . وقد ذكر الطبري في تأريخه في حوادث سنة ست وعشرين للهجرة الشريفة: ) فيها زاد عثمان في المسجد الحرام ووسعه وابتاع من قوم، وأبى (۱) وفي هذه الواقعة، أي عند بناء البيت العتيق المشرف حدث الخلاف بين زعماء قريش وبطونها [صفحة 242] آخرون؛ فهدم عليهم، ووضع الأثمان في بيت المال؛ فصيحوا بعثمان؛ فأمر بهم بالحبس، وقال: أتدرون ماجراكم علي؟ ماجراكم علي إلا حلمي!!! قد فعل هذا بكم عمر فلم تُصيحوا به، ثم كلمه فيهم عبدالله بن خالد بن أسيد فأخرجوا)). وقد ذكر ذلك أيضاً بعينه إبن الأثير في تأريخه الكامل - أو الناقص كما يسميه شيخنا الأميني رضوان الله تعالى عليه في غديره الشريف - في حوادث سنة ست و عشرين ج ۲ ص ٢٣٤، طبعة بيروت ١٤٠٨هـ، وذكره أيضاً اليعقوبي في تأريخه ج ٢ ص ١٦٤ وص ١٦٥، طبعة بيروت / دار صادر، وغيرهم في غيرها . فكان مازيد في أرض المسجد المكرم أرضاً مغصوبة من أصحابها ببركة الخليفة الثالث. ثم إنَّ ابن الزبير لعنة الله عليه غير في بناء المسجد أيضاً وجاء الحجاج بعده لعنة الله عليهما فغير في البناء أيضاً لأنه قد هدم الكعبة وأحرقها بالمنجنيق وبالنار، والمهدي العباسي من بعدهما لعنة الله عليه وهكذا على طول التأريخ لعب الظالمون النواصب أعداء آل محمد صلوات الله عليهم بمقدسات هذه الأمة إلى يومنا هذا . فليس غريباً حينئذ أن ينقض إمامنا وقائدنا وسيدنا المطاع الحجة بن الحسن صلوات الله عليهما ما فعله الظالمون، ويفعلونه إلى ساعتنا هذه من تخريب مقدسات الرسالة، وآثار النبوة والولاية، وتمويه ذلك بعمران خادع يريدون منه إضلال الناس [صفحة 243] وإبعادهم عن أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم أجمعين . أفليس إمامنا هو الأولى بذلك صلوات الله عليه؟ أوليس أول خطبة يخطبها صاحب الأمر عليه أفضل الصلاة والسلام يقول فيها كما يحدثنا باقر العترة الطاهرة صلوات الله عليه وعليها: (أنا ولي الله، أنا أولى بالله وبمحمد صلى الله عليه وآله، فمن حاجني في آدم فأنا أولى الناس بآدم، ومن حاجني في نوح فأنا أولى الناس بنوح، ومن حاجني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم، ومن حاجني في محمد فأنا أولى الناس بمحمد، ومن حاجني في النبيين فأنا أولى الناس بالنبيين . إن الله تعالى يقول: ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين . ذُريَّةً بعضها من بعض والله سميع عليم (١)، فأنا بقية آدم، وخيرة نوح، ومصطفى إبراهيم، وصفوة محمد، ألا ومن حاجني في كتاب الله فأنا أولى الناس بكتاب الله، ألا ومن حاجني في سُنّة رسول الله فأنا أولى الناس بسنة رسول الله وسيرته، وأنشد الله من سمع كلامي لما يبلغ الشاهد الغائب) (٢)؟ وهل تعجب يا عزيزي لو قلت لك: إنَّ بعض علمائنا أصلح ما تمكن من إصلاحه لبعض مواقف الحج، فهذا سيدنا بحر العلوم رضوان الله تعالى عليه جاء في ترجمة حياته الشريفة: [صفحة 244] ) وفي أواخر تلك السنة (1) - بالذات - يتشرف بحج بيت الله الحرام، لا لقصد الحج فحسب، بل لإقامة مشاعر الحج، وإصلاح بعض مواقفه، وتأسيس بعض مواقيته، وبقي في مكة أكثر من سنتين، ...) (٢). فإذا كان هذا شأن العبد، فما شأن المولى؟! ثانياً - هدم مسجد النبي صلى الله عليه وآله: مر عليك أيها المحب في الفتنة الثانية ما يتعلق بجانب من هذا الأمر، وهو نبش قبور أعداء أهل البيت صلوات الله عليهم، وجاء مذكوراً أيضاً في الرواية الأولى من روايات هذه الوقفة: أنَّ إمامنا صلوات الله عليه يهدم مسجد النبي صلى الله عليه وآله ويرده إلى حاله الأول الذي كان عليه في زمان خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله. وذلك أن أيدي خلفاء الجور والكفر والنفاق لعبت في هذا المسجد كثيراً لطمس أعلام الولاية المرتضوية، وهدم آثار الفضائل العلوية، وتغطية آثار جرائمهم الشنيعة على الأعتاب الفاطمية، والله متم نوره ولو كره الكافرون) . (1) وإليك مجموعة من أسماء الذين غيروا في بناء المسجد الشريف، أوزادوا فيه، بحسب ما هو معروف في كتب التأريخ والسير: ۱ - عمر بن الخطاب . ۲ - عثمان بن عفان (۱) المراد منها سنة ١١٩٣ هـ . [صفحة 245] - الوليد بن عبد الملك . ٤ - المهدي العباسي . ه - السلطان العثماني عبد المجيد خان . ويضاف إلى ذلك ما فعله ويفعله طواغيت هذا العصر من النواصب والوهابية في تخريب آثار النبوة والولاية تحت شعار الخدمة والإعمار . ولأجل الفائدة أقول يمكنك ياعزيزي أن ترجع إلى كتاب الشيعة العظيم الغدير الشريف: ج ٦ من ص ٢٦٢ إلى ص ٢٦٦، وج ۸ ص ۱۲۹ و ص ۱۳۰، لتطلع بنحو من التفصيل على ما فعله عمر وعثمان من زيادة في المسجد الحرام، والمسجد النبوي الشريف وليس المقام مقاماً للإسهاب والإطناب كي أفصل الكلام فيما تعرض له هذان المسجدان العظيمان من جور، وظلم، وحيف، وتخريب، وهتك للمقدسات . وأكتفي بهذه الإشارات السريعة المذكورة، ونعم الحكم الله، والثائر المهدي صلوات الله عليه . ثالثاً - هدم مساجد الكوفة، بما فيها المسجد الأعظم: حيث بينت الرواية الرابعة المتقدمة أن الإمام صلوات الله وسلامه عليه سيهدم المسجد الجامع في الكوفة، وأما الروايتان الخامسة والسادسة فقد تحدثنا عن هدم مساجد أربعة في الكوفة، ولم تبين أهي من المساجد المباركة أم من المساجد الملعونة إذ في الكوفة مساجد مباركة ومساجد [صفحة 246] الله وسلامه عليه، أنه قال: (إن بالكوفة مساجد ملعونة ومساجد مباركة، فأما المباركة: فمسجد غني (١)، والله إن قبلته لقاسِطة (٢)، وإن طينته لطيبة، ولقد وضعه رجل مؤمن ولا تذهب الدنيا حتى تفجر منه عينان وتكون عنده جنتان وأهله ملعونون وهو مسلوب منهم، ومسجد بني ظفر وهو مسجد السهلة، ومسجد بالخمراء (۳)، ومسجد جعفي وليس هو اليوم مسجدهم . قال: درس، فأما المساجد الملعونة: فمسجد ثقيف، ومسجد الأشعث، ومسجد جرير، و مسجد سماك، ومسجد بالخمراء بني على قبر فرعون من الفراعنة) (1) . وأما الرواية الثامنة المتقدمة الذكر فإنها تحدثت عن هدم مسجد بناه يزيد بن معاوية لعنة الله عليه وعلى أبيه وعلى جده، بعد قتل سيد الشهداء صلوات الله عليه. وماذاك بغريب فقد جدد أهل الكوفة من أعداء العترة الطاهرة صلوات الله عليها مساجد فرحاً بقتل سبط رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ يحدثنا إمامنا الباقر عليه أفضل الصلاة والسلام، فيقول: جددت أربعة مساجد بالكوفة فرحاً لقتل الحسين عليه السلام: مسجد الأشعث، ومسجد جرير، ومسجد سماك، ومسجد شبث بن ربعي) (*) . (۲) قاسطة: مستقيمة، صحيحة، عادلة . (1) حي من العرب . (۳) وفي تهذيب الشيخ الطوسي (ره) ج ۳ ص ٢٥٠ ٥ / ٦٨٥: (الحمراء)، بالحاء وليس الخاء وهو الصحيح [صفحة 247] (اللهم العن أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمدٍ وآخر تابع له على ذلك، اللهم العن العصابة التي جاهدت الحسين وشايعت وبايعت وتابعت على قتله، اللهم العنهم جميعاً) (1). وعلى أي حال، فالروايات التي تحدثت عن المساجد المباركة والملعونة كثيرة قد يطول المقام بذكرها، إلا أني أيها العزيز سأوجز لك الأمر بذكر أسماء المساجد المباركة والملعونة: (۱) المساجد المباركة ۱ - مسجد السهلة الشريف، وقد يُسمى في بعض الأحيان بمسجد بني ظفر، أو مسجد ظفر، أو مسجد سهيل، أو مسجد القرى ۲ - المسجد الجامع، وهو مسجد الكوفة الأعظم - مسجد صعة بن صوحان العبدي (رضوان الله تعالى عليه) . ٤ - مسجد زيد بن صوحان العبدي الشهيد في يوم الجمل (رضوان الله تعالى عليه) . ه - مسجد الحمراء، وهو اليوم بجانب مشهد نبي الله يونس على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام، وقد ورد بخصوص هذا المسجد [صفحة 248] الشريف عن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، حين ذكره للمساجد المباركة في الكوفة: (ومسجد الحمراء وهو مسجد يونس بن متي عليه السلام وليتفجرن فيه عين يظهر على السبخة وما حولها) (۱)، وجاء في المزار الكبير لشيخنا محمد بن جعفر المشهدي (ره) في ذكر مساجد الكوفة المباركة، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (ومسجد يونس بن متى بظهر السبخة وما حوله) . وهذه المساجد الشريفة المذكورة معروفة ومشخصة إلى يومنا هذا، وهناك مساجد أخرى مباركة وممدوحة لا نجد لها أثراً في زماننا هذا، منها: ١ - مسجد أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ويُقال له أيضاً: مسجد بني كاهل . ۲ - مسجد غني . ٣ - مسجد جعفي . - مسجد باهلة . (۲) المساجد الملعونة ۱ - مسجد أنمار، ويُقال له: مسجد بجيلة، أو مسجد جرير بن عبدالله البجلي لعنة الله عليه الملتحق بمعاوية لعنة الله عليه وعلى بني أمية قاطبة [صفحة 249] ۲ - مسجد الأشعث بن قيس لعنة الله عليه، ويقال له: مسجد الجواشن . - مسجد شبث بن ربعي لعنة الله عليه . - مسجد تيم لعنة الله عليهم . ه ـ مسجد ثقيف لعنة الله على من كان منهم عدواً لأهل البيت عليهم السلام، وأكثرهم كذلك . ٦- مسجد سماك بن مخرمة لعنة الله عليه، ويُقال له: مسجد الحوافر أيضاً. - مسجد الحمراء المبني على قبر فرعون من الفراعنة لعنة الله عليه، وهو غير مسجد الحمراء الممدوح . - مسجد يزيد بن معاوية لعنة الله عليهما والذي جاء ذكره في الرواية الثامنة المتقدمة. وهذه المساجد الملعونة، لا نجد لها أثراً على الأرض في زماننا هذا، نعم ورد ذكرها في الكتب والأسفار والمصنفات . تذييل قد ورد في بعض الأخبار والأحاديث ذكر مساجد أخرى ملعونة ولا أثر لها اليوم أيضاً: كمسجد بني السيد، ومسجد بني عبد الله بن دارم ومسجد غني وهو غير المسجد الممدوح المتقدم الذكر، ذكر ذلك شيخنا الكليني (ره) في الكافي الشريف ج ٣ ص ٤٩٠ . وهنا أمور: [صفحة 250] تفاصيل ذلك؛ لعدم ترتب فائدة كبيرة على ذلك لاندثار هذه المساجد وضياع آثارها، ثم إن البحث في هذا الكتاب ليس منصباً على هذه الجزئيات، فضلاً عن مقصودنا في الإيجاز والإختصار . ۲ - وفقاً للمذكور في الروايات الشريفة المتقدمة أن إمامنا صلوات الله عليه يهدم نوعين من المساجد: الأول - مساجد ملعونة كمسجد يزيد بن معاوية لعنة الله عليهما وعلى بني أمية قاطبة والذي جاء ذكره في الرواية الثامنة، وما كان على هذه الشاكلة من المساجد الملعونة الأخرى التي ذكرت قبل قليل، إن كان لها من أثر باق، أو إن جددها أو بنى على نفس طريقتها في الأيام الآتية من يأتي من الظلمة والفجار والنواصب لعنة الله عليهم جميعاً . الثاني - مساجد مباركة إلا أن أيدي الظلمة والنواصب لعنة الله عليهم قد لعبت بها، وأدخلت فيها من البدع والضلالات شيئاً كثيراً. فيهدمها إمامنا صلوات الله عليه لتطهيرها وتزكيتها من آثار الباطل والزيغ والأهواء الفاسدة، ويعيد بناءها وفقاً للذي يريده الباري سبحانه وتعالى، ورسوله الأعظم والأئمة الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين . - الذي يظهر من الروايات الشريفة إن هدم إمامنا صلوات الله عليه المسجد الكوفة الأعظم، إنما يكون بسبب أمرين: أ - لتلاعب الطواغيت والنواصب لعنة الله عليهم في بنائه، حيث يحدثنا [صفحة 251] ) عن علي بن مهزيار، بإسناد له قال: قال له أبو عبدالله عليه السلام: حد مسجد الكوفة آخر السراجين، خطه آدم عليه السلام، وأنا أكره أن أدخله راكباً . قال: قلت: فمن غيره عن خطته؟ قال: أما أول ذلك فالطوفان في زمان نوح عليه السلام، ثم غيره أصحاب كسرى والنعمان، ثم غيره زياد (۱) بن أبي سفيان لعنة الله عليه) (٢). وليس الأمر واقفاً عند هذا الحد، فإنه سيتعرض لهدم وتغيير في زمان مقارب الزمان الظهور الشريف، حيث إن الأخبار المعصومية الشريفة جعلت هذا الأمر علامةً قريبة من علائم الظهور الشريف، إذ يروي لنا شيخنا المفيد (ره): ) عن الحسين بن المختار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا هُدم حائط مسجد الكوفة مما يلي دار عبدالله بن مسعود، فعند ذلك زوال ملك القوم، وعند زواله خروج القائم عليه السلام) (۳). ب - لانحراف قبلته واعوجاجها، حيث تأتي الرواية الشريفة: ) عن حبة العرني، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: كأني أنظر إلى شيعتنا بمسجد الكوفة، قد ضربوا الفساطيط، يُعلمون الناس القرآن كما (1) نسبة زياد هنا إلى أبي سفيان للتعريض ببني أمية بنحو عام، وبمعاوية صاحب هذه البدعة بنحو خاص، لعنة الله عليهم جميعاً . [صفحة 252] أنزل . أما إن قائمنا إذا قام كسره، وسوى قبلته) (1) . رابعاً: هدم كل مسجد على وجه الأرض لم يين على الطريقة التي يرتضيها الله، ورسوله والأئمة صلوات الله عليهم أجميعن: حيث جاء في الرواية الخامسة: ولم يبق مسجد على وجه الأرض له شرف إلا هدمها، وجعلها جماء)، إلى أن تقول الرواية الشريفة: (ولا يترك بدعة إلا أزالها، ولا سنة إلا أقامها). وفي الرواية السادسة: (وتكون المساجد كلّها جماء لا شرَفَ لها كما كانت على عهد رسول الله صلى عليه وآله وسلم)، وتقول الرواية الشريفة أيضاً: (ويهدم كل مسجد على الطريق) . وأما الرواية السابعة فتقول: (إذا قام القائم يهدم المنار والمقاصير التي في المساجد)، ثم تذكر تعليلاً لكل هذه الأمور التي ستجري على المساجد والمعابد، هو: (أنها مُحدثة مبتدعة لم بينها نبي ولا حجة). فتكون - أيها المحب - إزالة آثار الظالمين عن المساجد والمعابد والمشاهد إيذاناً بزوال الظلم والظالمين عن وجه الأرض، وإعلاماً بانتهاء زمن البدع والضلالات والانحرافات، وصدعاً بالحق وبياناً لدين الله تعالى الخالص المخلص، كي يعود الحق إلى نصابه . خامساً - وأما ماجاء في الروايتين الخامسة والسادسة من توسيعه صلوات الله عليه للطريق الأعظم، والمراد منه الطرق الرئيسة سواء التي [صفحة 253] تكون داخل المدن، أو التي تربط المدن المتباعدة والبلدان الكبيرة فيما بينها، و من هدمه وكسره لكل الأجنحة والشرفات والزوائد التي تخرج من البيوت والمنازل إلى الطريق أو على الطريق، وكذا ردمه وإبطاله لكل الكنف والميازيب وما كان على هذه الشاكلة كسده للنوافذ وأمثالها المطلة على الطريق وغير ذلك . فهو مصداق واقعي لإقامة العدل بحقيقة معناه، وأكمل وجوهه، وأدق مظاهره، وأعلى مراتبه؛ إذ أن الطرقات والأماكن العامة يتساوى حق الناس فيها وليس لأحد على أحد فضل في هذا الجانب إذ أن الذي يُخرج ميزاب بيته أو شرفة منزله إلى الشارع فإنه يكون قد أخذ شيئاً من حق الآخرين وزاد في حقه، وهكذا في سائر الأمور الأخرى. يُضاف إلى ذلك ما في هذه الإصلاحات من آثار نفسية، وأخلاقية، واجتماعية، وصحية. وكل ذلك يُنبئ عن كل التغييرات والإصلاحات التي ستطال جميع نواحي الحياة الإنسانية بكل أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والحقوقية والحضارية. وما الهندسة العمرانية في البناء والإنشاء والإعمار إلا تطبيق عملي للفكر العمراني المنبثق والمتناسق مع العقيدة التي يحملها الإنسان، وبها تُساس الحياة وتُقاد الأمم فالعقيدة التي تحت حملتها على التحلي بالكرم والجود والسخاء وتنهاهم عن البخل واللؤم والوضاعة والدناءة، وتأمرهم بالستر والوقار والطهارة واحترام حقوق الآخرين معنوية كانت أم مادية، يختلف فكرها العمراني [صفحة 254] والشناعة. ولذا نجد في رواياتنا المعصومية الشريفة من الآداب والتعاليم والقواعد في كيفية بناء البيوت والمنازل التي يُراعى في بنائها آداب أهل البيت عليهم السلام، وأحكام شريعتهم المقدسة. وليس المقام منعقداً للدخول في مثل هذه المطالب التي قد يطول الكلام في تفصيل جهاتها المختلفة. إلا أن الذي يمكن قوله: إن إمامنا صلوات الله عليه سيغير وجه الحياة من ظلمة دامسة إلى إشراق منير، وسيأتينا - أرواحنا لتراب حافر جواده الفداء - يحمل السعادة بين يديه القدسيتين، كي ينشر الهدى والحكمة والرشاد في كل زاوية من زوايا حياتنا الدينية والدنيوية والتي طالما أظلمت لفقده، وأوحشت من غيابه. وختم المقال في هذه الوقفة: أن أقول: إن السر في افتتان البعض بهذه الأمور كهدم المساجد وأمثالها، راجع إلى المعرفة الناقصة، أو المخلوطة بأفكار المخالفين لأهل البيت عليهم السلام والذين يحملون من التقديس لهذه الأحجار والبنايات أكثر مما يحملونه لمن كان سبباً في تقديسها، بل هو حقيقة تقديسها. فهذا أبو حنيفة يحدثنا عنه شيخنا أبو جعفر رشيد الدين المازندراني (ره)، فيقول: ) وجاء أبو حنيفة إليه (1) ليسمع منه، وخرج أبو عبد الله يتوكاً على عصا، فقال له أبو حنيفة: يا ابن رسول الله، ما بلغت من السن ما تحتاج معه إلى [صفحة 255] العصا، قال: هو كذلك ولكنها عصا رسول الله أردت التبرك بها. فوتب أبو حنيفة إليه، وقال له: أقبلها يا ابن رسول الله؟ فحسر أبو عبدالله عن ذراعه، وقال له: والله، لقد علمت أن هذا بشر رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن هذا من شعره، فما قبلته وتقبل عصا!!!)) . وإلى هذا المعنى يشير الحسين بن علي الخير ثائر فخ سلام الله عليه حين خطب بالحجاج في مسجد النبي صلى الله عليه وآله، فقال: (أنا ابن رسول الله، على منبر رسول الله، وفي حرم رسول الله، أدعوكم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله. أيها الناس، أتطلبون آثار رسول الله في الحجر والعود، وتتمسحون بذلك وتضيعون بضعة منه) (٢). وهذا هو ديدن الناس إلى يومنا هذا، وما هو ببعيد قتل العالم الجليل، الفقيه الشهيد الشيخ فضل الله النوري رضوان الله تعالى عليه بمرأى ومسمع من الناس إذ هم يتفرجون على كيفية قتله وشنقه دون أن ينبس أحد منهم ببنت شفة، ولما ألقى الجلاد عمامة الشيخ عن رأسه إلى الأرض كي يباشر إعدامه وقتله إزدحم الناس يتدافعون على تمزيق العمامة وتقطيعها قطعاً قطعاً للتبرك بها، وهذه هي مهزلة الحياة بعينها. وما غريب هذا إذ ابن سعد لعنة الله عليه هو الذي ينادي بالخيول كي تدوس صدر الحسين صلوات الله عليه، وفي الوقت ذاته يقول لأصحابه لعنة الله عليه وعليهم حين سقط (1) عن البحار الشريف ج ٤٧ ص ۲۸، وفي المناقب الشريف ج ٤ ص ٢٤٨. [صفحة 256] إمامنا المظلوم العطشان عليه أفضل الصلاة والسلام عن ظهر جواده: ) دونكم الفرس فإنه من جياد خيل رسول الله)!!! سيدي أبا عبدالله، وماذا أقول؟! وأي شيء أقول؟! بني أمية إن ثارت كلابكم فإن للثار ليشاً من بني مُضَر أين المفر بني سفيان من أسد لو صاح بالفلك الدوار لم يدر (1) ودونك أيها العزيز إضمامة معطرة من أحاديث المعصومين صلوات الله عليهم تتحدث عن هذه المعاني، وتكشف عن هذه الحقائق: (۱) (عن أبي حمزة الثمالي، قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام وهو جالس على الباب الذي إلى المسجد وهو ينظر إلى الناس يطوفون، فقال: يا أبا حمزة بما أمر هؤلاء؟ فلم أدر ما أرد عليه، فقال: إنما أمروا أن يطوفوا بهذه الأحجار ثم يأتونا فيعلمونا () ولا يتهم) (۳). (۲) ) عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: إنما أمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها ثم يأتونا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرهم) (4). (1) البيتان من قصيدة رائعة عصماء للشيخ كاظم الأزري رضوان الله تعالى عليه. (۲) المراد أنهم يجددون عهد ولايتهم وميثاق طاعتهم لأئمتهم عليهم السلام عموماً، والإمام زمانهم صلوات الله عليه خصوصاً . [صفحة 257] عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: تمام الحج لقاء الإمام) (1) . فهذه الأحاديث الشريفة وغيرها كثير جداً، تُشير وتُصرح بهذه الحقيقة: وهي أن حقيقة التقديس وروح المناسك لكل ما يُقدس من المشاعر والمعالم والمواقف والمشاهد والمساجد والمعابد هي ولاية الإمام المعصوم صلوات الله وسلامه عليه. فتقديسه وقدسيته هي الأصل، وغير ذلك فرع . حيث لاقيمة لكل عمل من دون ولايته، إذ لومات أي شخص من دون معرفته وولايته وطاعته صلوات الله وسلامه عليه مات ميتة جاهلية، وإن فعل ما فعل من المناسك والمشاعر، وقدس ما قدس بل بالغ في تقديس كل أثر أو معلم مقدس. فهذا شيخنا الصدوق (ره) يحدث: ) عن ميسر بياع الزطي)، قال: دخلت على أبي عبدالله عليه السلام فقلت له: جعلت فداك إن لي جاراً لست أنتبه إلا بصوته إما تالياً كتابه يُكرّره ويبكي ويتضرع، وإما داعياً، فسألت عنه في السر والعلانية فقيل لي: إنه مجتنب الجميع المحارم. قال: فقال: يا ميسر يعرف شيئاً مما أنت عليه؟ قال: قلت: الله أعلم . قال: فحججت من قابل، فسألت عن الرجل فوجدته لا يعرف شيئاً من [صفحة 258] هذا الأمر (1)، فدخلت على أبي عبدالله عليه السلام، فأخبرته بخبر الرجل، فقال لي مثل ما قال في العام الماضي: يعرف شيئاً مما أنت عليه؟ قلت: لا . قال: يا ميسر، أي البقاع أعظم حرمة؟ قال: قلتُ: الله ورسوله وابن رسوله أعلم. قال: يا ميسر، ما بين الركن والمقام روضة من رياض الجنة، وما بين القبر والمنبر) روضةً من رياض الجنة، ولو أن عبداً عمره الله فيما بين الركن والمقام، وفيما بين القبر والمنبر يعبده ألف عام، ثم ذُبح على فراشه مظلوماً كما يذبح الكبش الأملح)، ثم لقي الله عز وجل بغير ولايتنا لكان حقيقاً على الله عز وجل أن يكبه على منخريه في نار جهنم) (1) . ورواية أخرى عن إمامنا وسيدنا زين العابدين وسيد الساجدين عليه أفضل الصلاة والسلام، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما بال أقوام إذا ذكر عندهم آل إبراهيم عليه السلام فرحوا واستبشروا، وإذا ذكر عندهم آل محمد اشمأزت قلوبهم، والذي نفس محمد بيده لو أن عبداً جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبياً ما قبل الله ذلك منه حتى يلقاه بولايتي وولاية أهل بيتي)) . (1) الأمر هنا كناية، أو إشارة إلى معرفة إمام زمانه صلوات الله عليه . (۲) مراده عليه السلام من القبر والمنبر وما بينهما من الروضة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله (۳) ذكر الكبش الأملح هنا لسهولة ذبحه واستسلامه لذابحه . [صفحة 259] والأحاديث المعصومية الشريفة في هذه المضامين عسير إحصاؤها، و مجهد حصرها لكثرتها، ووفرتها، وعظيم اهتمام أهل البيت عليهم السلام بها. تذكرة لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أُذُنٌ واعية) () والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله مِنْ قَبْلُ، ولَيَحْلِفُنَّ إن أردنا إلا الحسنى، والله يشهد إنهم لكاذبون . لا تقم فيه أبداً، لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المطهرين (٢). إنها قصة مسجدين: مسجد مبارك أسس على التقوى هو مسجد قبا، لازال عامراً إلى يومنا هذا. ومسجد ملعون اتخذه أهله - وهم بنو غنم بن عوف - ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين لعنة الله عليهم. أمر النبي صلى الله عليه وآله بهدمه وإحراقه، فهدمه المسلمون وأحرقوه، ولم يبقوا له من أثر). وهذا هو الحكم الواقعي لكل مسجد، أو معبد، أو مشهد لا يراد به وجه (۱) الآية الشريفة (۱۲) من سورة الحاقة المباركة. (۲) الآيتان الشريفتان (۱۰۷) و (۱۰۸) من سورة التوبة المباركة. [صفحة 260] الله سبحانه وتعالى، وهكذا هو حكم كل شيء أضافه النواصب والطواغيت لعنة الله عليهم من بدعهم، وسخافاتهم، ومكرهم، وخدعهم إلى المساجد المباركة، والمشاهد المشرفة، والمواقف المقدسة إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) (1) ونعم الأمل، والرجاء، والأمان، والخلاص، والفوز، والفلاح، والنجاة، والسعادة، والحياة، و...: مَهْدِيّنا الحجة بن الحسن ياليت أرواحنا فداء لتراب حافر جواده الشريف [صفحة 261] الوقفة الثانية: الأموال والأراضي والممتلكات (۱) روى شيخنا أبو النضر العياشي (ره): (عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن المؤمن إذا كان عنده من ذلك (1) شيء ينفقه على عياله ماشاء، ثم إذا قام القائم فيحمل إليه ما عنده، وما بقي من ذلك يستعين به على أمره، فقد أدى ما يجب عليه)). (۲) وذكر هو أيضاً (ره) في تفسيره الشريف: ) عن معاذ بن كثير صاحب الأكسية، قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام، قال: موسع على شيعتنا أن ينفقوا مما في أيديهم بالمعروف، فإذا قام قائمنا حرم على كل ذي كنز كنزه، حتى يأتيه فيستعين به على عدوه، وذلك قول الله: (1) إسم الإشارة هنا يعود على الأموال عموماً والممتلكات من الذهب والفضة خصوصاً ... [صفحة 262] الذين يكنزون الذهب والفضة ولا يُنفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (1))) . (۳) روى شيخنا المفيد (ره): عن رفيد مولى إبن هبيرة، قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: إذا رأيت القائم قد أعطى رجلاً مائة ألف درهم، وأعطاك درهماً فلا يكبرن ذلك في صدرك فإن الأمر مفوض إليه)). وفي بصائر الدرجات الشريف ورد أيضاً: ) قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا رأيت القائم أعطى رجلاً مائة ألف، و أعطى آخر درهماً فلا يكبر في صدرك، وفي رواية أخرى: فلا يكبر ذلك في صدرك، فإن الأمر مفوض إليه)) . وذكره أيضاً شيخنا المجلسي (ره) في البحار الشريف ج ٢٥ ص ٣٣٦ ح ١٥، وشيخنا الحر العاملي (ره) في إثبات الهداة ج ٧ ص ٤٤ ح ٤٠١ / طبعة طهران المصحوبة بترجمة فارسية . (1) من الآية الشريفة (٣٤) من سورة التوبة المباركة . (۲) عن البحار الشريف ج ۷۳ ص ١٤٣ ح ۲۳، وفي تفسير شيخنا العياشي (ره) ج ۲ ص ٨٧ ٥٤. [صفحة 263] ) روى الشيخ الصدوق عبدالله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الإسناد عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله في حديث، قال: إذا قام قائمنا اضمحلت القطايع فلا قطايع) (). بيان: إضمحلت: تلاشت، انحلت القطايع أو القطائع: (إسم لما لا ينقل من المال كالقرى، والأراضي، والأبراج، والحصون. ومنه الحديث: (قطائع الملوك كلها للإمام)) (٢). والمراد من اضمحلال القطائع هو تلاشي ملكية الناس لها ورجوعها إلى مالكها الحقيقي: إمامنا وسيدنا الحجة بن الحسن - أرواحنا لتراب حافر جواده الفداء - حيث يُعطي كل ذي حق حقه، ويُرغم آناف الظالمين، ويسعد المظلومين، إذ هو كجده أمير المؤمنين صلوات الله عليه الذي تخاطبه الزيارة الشريفة: (الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ له بحقه، والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق، والقريب والبعيد عندك في ذلك سواء)). (1) عن إثبات الهداة الشريف ج ٧ ص ٤٧ - ٤٠٩ . [صفحة 264] وفي كافي الشيعة الشريف: ) عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: وجدنا في كتاب علي عليه السلام: هو إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين ()، أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الله الأرض، ونحن المتقون، والأرض كلها لنا، فمن أحيا أرضاً من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها، فإن تركها أو أخربها، وأخذها رجل من المسلمين من بعده، فعمرها وأحياها فهو أحق بها من الذي تركها، يؤدي خراجها الى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها، حتى يظهر القائم من أهل بيتي بالسيف، فيحويها ويمنعها ويُخرجهم منها كما حواها رسول الله صلى الله عليه وآله ومنعها، إلا ما كان في أيدي شيعتنا فإنه يقاطعهم (۲) على ما في أيديهم، ويترك الأرض في أيديهم) (۳). (٦) وفيه أيضاً: (عن إبن محبوب، عن عمر بن يزيد، قال: رأيت مسمعاً) (1) من الآية الشريفة (۱۲۸) من سورة الأعراف المباركة . (۲) يقاطعهم: تأتي بمعنى يملكهم، وتأتي بمعنى يعطيهم الأرض ويفرض عليهم خراجها (۳) عن الكافي الشريف ج ۱ ص ٤٠٧ وص ٤٠٨ ح ١ . [صفحة 265] بالمدينة وقد كان حمل إلى أبي عبد الله عليه السلام تلك السنة مالاً فرده أبو عبدالله عليه السلام، فقلت له: لم ردّ عليك أبو عبد الله المال الذي حملته إليه؟ قال: فقال لي: إني قلت له حين حملت إليه المال: إني كنتُ وليتُ البحرين الغوص، فأصبتُ أربعمائة ألف درهم وقد جئتك بخمسها: بثمانين ألف درهم، وكرهت أن أحبسها عنك، وأن أعرض لها وهي حقك الذي جعله الله تبارك وتعالى في أموالنا، فقال: أومالنا من الأرض وما أخرج الله منها إلا الخمس يا أباسيار؟ إن الأرض كلها لنا، فما أخرج الله منها من شيء فهو لنا، فقلت له: وأنا أحمل اليك المال كله؟ فقال: يا أبا سيار قد طيبناه لك وأحللناك منه فضم إليك مالك، وكل ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون حتى يقوم قائمنا فيجبيهم طسق (۱) ما كان في أيديهم، ويترك الأرض في أيديهم، وأما ما كان في أيدي غيرهم فإن كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا، فيأخذ الأرض من أيديهم ويُخرجهم صغرة (٢). قال عمر بن يزيد فقال لي أبو سيار: ما أرى أحداً من أصحاب الضياع ولا تمن يلي الأعمال يأكل حلالاً غيري إلا من طيبوا له ذلك) (۳). وقد روى ذلك أيضاً شيخنا أبو جعفر الطوسي (ره) في تهذيب الأحكام الشريف ج ٤ ص ١٤٤ - ٤٠٣/٢٥ (1) الطبق: ما يجب دفعه على الأرض خراجاً، ويقال له وظيفة الخراج . (۲) صغرة بالغين من الصغار وهو الذل، وفي بعض النسخ بالفاء: 1 صفرة، من الصفر يكسر الصاد، وهو خلو اليد من كل شيء . [صفحة 266] وروى شيخنا أبو جعفر الطوسي (ره): ) عن الحسن بن محبوب، عن عمر بن يزيد، قال: سمعت رجلاً من أهل الجبل يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أخذ أرضاً مواتاً تركها أهلها فعمرها وأكرى أنهارها وبنى فيها بيوتاً وغرس فيها نخلاً وشجراً. قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: من أحيا أرضاً من المؤمنين (1) فهي له وعليه طسقها يؤديه إلى الإمام في حال الهدنة (۳)، فإذا ظهر القائم عليه السلام، فليُوطن نفسه على أن تؤخذ منه ((٤) . بيان: لتبلون في أموالكم وأنفسكم) (). إذ يصدع القرآن الكريم في آذاننا: واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة، وأن الله عنده أجر عظيم) (٢) (۱) بلاد الجبل غالباً ما تطلق على البلاد التي تسمى في زماننا هذا: إيران (۲) المؤمنون: هم الشيعة الإثنا عشرية فقط، وغيرهم لا يقال لهم: مؤمنون، وهذا ما اتفقت عليه كلمات فقهائنا العظام في هذا الباب، ولم نجد مخالفاً في ذلك منهم، رضوان الله تعالى عليهم. (۳) الهدنة: يراد منها هنا عصر الغيبة الشريفة . (٤) عن التهذيب الشريف ج ٤ ص ١٤٥ ح ٢٦ / ٤٠٤ . [صفحة 267] وفي سورة التغابن المباركة إنما أموالكم وأولادكم فتنة، والله عنده أجر عظيم . فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفُسِكُم، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) (1) . وينهى الكتاب الكريم فيقول: يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (٢). وما ذكر الله في أكمل نشأته، وأجلى مصاديقه، وأتم مظاهره، بل حقيقة حقيقته إلا إمام زماننا صلوات الله عليه. وفي هذا المعنى يروي شيخنا الكليني (ره)، عن باقر العترة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليه وعليها، في بيان معنى ماجاء في الآية الشريفة وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون)، حيث يقول عليه السلام: ونحن ذكر الله، ونحن أكبر)(1). إذ بهم وبولايتهم ومحبتهم صلوات الله عليهم يتقرب حقيقة إلى الله تعالى المتقربون، لا بغيرهم من الناس أو من الأموال أو من أي شيء من أشياء (1) الآيتان الشريفتان (١٥) و (١٦) من سورة التغابن المباركة . (۲) الآية الشريفة (۹) من سورة المنافقون المباركة . (۳) من الآية الشريفة (٤٥) من سورة العنكبوت المباركة . [صفحة 268] هذه الدنيا وتعلقاتها المختلفة وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفي (1) . فإنها لو شغلتكم عن إمام زمانكم صلوات الله عليه لكنتم كما كان المخلفون من الأعراب، ولقلتم قولهم: سيقول لك المخلفون من الأعراب: شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا، يقولون بألسنتهم ماليس في قلوبهم) (٢) . والله سبحانه وتعالى، يقول: يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون . هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كَرِهَ المشركون - يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون - يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن، ذلك الفوز العظيم . وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب، وبشر المؤمنين) . وقد وردت روايات كثيرة عن أئمتنا صلوات الله عليهم في بيان حقيقة معنى هذه الآيات الشريفة أقتطف بعضاً منها ليزداد البحث إشراقاً ونوراً بكلامهم الأقدس، صلوات الله عليهم: (۱) من الآية الشريفة (۳۷) من سورة سبأ المباركة [صفحة 269] )أ( ) عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الماضي (1) عليه السلام، قال: سألته عن قول الله عز وجل: يُريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره . قال: يريدون ليطفئوا) ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بأفواههم. قلت: والله متم نوره) .؟ قال: والله متم الإمامة، لقوله عز وجل: فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا) () والنور: هو الإمام . قلت له: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق؟ قال: هو الذي أمر رسوله بالولاية لوصيه، والولاية هي دين الحق، قلت: ليظهره على الدين كله؟ قال: ليظهره على جميع الأديان عند قيام القائم، لقول الله عز وجل: والله متم نوره - بولاية القائم - ولو كره الكافرون: لولاية علي، قلت: هذا تنزيل؟ قال: نعم، أما هذا الحرف فتنزيل) وأما غيره فتأويل ((٤). (۱) هو إمامنا المعصوم السابع، والنور الساطع موسى بن جعفر عليهما أفضل الصلاة والسلام . (۲) من الآية الشريفة (۸) من سورة التغابن المباركة . (۳) ربما يكون المراد من قوله عليه السلام: (أما هذا الحرف فتنزيل »، أن المعنى الذي ذكره صلوات الله عليه هو حقيقة مانزل به القرآن الكريم في هذا الخصوص . [صفحة 270] )ب( (عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فقال: والله مانزل تأويلها بعد، ولا ينزل تأويلها حتى يخرج القائم عليه السلام. فإذا خرج القائم عليه السلام لم يبق كافر بالله العظيم، ولا مشرك بالإمام إلا كره خروجه، حتى أن لو كان كافراً أو مشركاً في بطن صخرة لقالت: يا مؤمن في بطني كافر، فاكسرني واقتله) (۱). )ج( عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أنا التجارة المربحة المنجية من العذاب الأليم التي دل الله عليها في كتابه، فقال: يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم)) (٢). فإمام زماننا صلوات الله عليه هو التجارة المربحة، وهو الفلاح الحقيقي، والنجاح الواقعي، والفوز الصادق، وغيره سراب في سراب، بل عذاب في عذاب ولأجله صلوات الله عليه نرتل القرآن العزيز: [صفحة 271] إنفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفُسِكُم في سبيل الله، ذلكم خير لكم، إن كنتم تعلمون) (1) . ولعلك يا عزيزي تستوضح عن سبيل الله، فأقول: روى شيخنا الصدوق بن بابويه (ره) عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن هذه الآية في قول الله عز وجل: ولكن قتلتم في سبيل الله أو متم)، قال: فقال: أتدري ما سبيل الله؟ قال: قلت: لا والله، إلا أن أسمعه منك . قال: سبيل الله هو علي عليه السلام وذريته. وسبيل الله) من قُتل في ولايته قتل في سبيل الله، ومن مات في ولايته مات في سبيل الله) (4) . ولا أطيل عليك الكلام كثيراً يا عزيزي، إلا أني أقول: هاك اسمع ما تقوله هذه الرواية الشريفة عن محمد بن أبي عمير، عن الحكم بن علباء الأسدي، قال: وليت البحرين فأصبت بها مالاً كثيراً، فأنفقت واشتريت ضياعاً كثيرة واشتريت رقيقاً وأمهات أولاد، وولد لي، ثم خرجت إلى مكة فحملت عيالي وأمهات أولادي ونسائي، وحملت خمس ذلك المال، فدخلت على أبي جعفر عليه السلام، فقلت له: إني وليت البحرين (1) الآية الشريفة (٤١) من سورة التوبة المباركة (۲) من الآية الشريفة (١٥٧) من سورة آل عمران المباركة . (۳) ما بين المعقوفتين موجود في بعض النسخ، حسب ما يبدو من البحار الشريف ج ٢٤ ص ١٢ ٦ حاشية: [صفحة 272] فأصبت بها مالاً كثيراً، واشتريت متاعاً، واشتريت رقيقاً، واشتريتُ أُمهات أولاد، ووُلِدَ لي، وأنفقت، وهذا خمس ذلك المال، وهؤلاء أمهات أولادي ونسائي، قد أتيتك به، فقال: أما إنه كله لنا، وقد قبلت ماجئت به، وقد حللتك من أمهات أولادك ونسائك، وما أنفقت، وضمنت لك علي وعلى أبي الجنة) (1) . وقد روى هذا الحديث الشريف شيخنا المفيد (ره) في المقنعة ص ۲۸۱ وص ۲۸۲، وشيخنا الطوسي (ره) أيضاً في الاستبصار الشريف ج ۲ ص ٥٨ ح ٤ / ١٩٠، ورواه أيضاً شيخنا الحر العاملي (ره) في الوسائل الشريف ج ٦ ص ٣٦٨ - ١٣، وغيرهم في غيرها . ولا أظن يا شقيقي في محبة مهدي آل محمد صلوات الله عليه وعليهم أن يفوتك سر ضمان الإمام عليه السلام لهذا الموالي المسلم الجنّة على نفسه القدسية وعلى أبيه الإمام المعصوم صلوات الله عليهما. إذ حقيقة ذلك كامنة في سلامة عقيدة هذا المحب - وإن لم تكن في غاية الكمال (1) - واندفاعه لتطبيقها عملياً في حياته الشخصية وما يتعلق بها، وما ذاك بغريب وشيخنا الكليني (ره) يُحدثنا عنهم صلوات عليهم: (الدنيا وما فيها لله تبارك وتعالى، ولرسوله، ولنا . فمن غلب (۳) على شيء منها فليتق الله، وليؤد حق الله تبارك (۱) عن تهذيب الأحكام الشريف ج ٤ ص ١٣٧ ٣٨٥/٧. [صفحة 273] وتعالى، وليبر إخوانه، فإن لم يفعل ذلك فالله ورسوله ونحنُ بُراء منه) (1) . وليس الأمر يقف عند الدنيا، بل الآخرة للإمام عليه السلام أيضاً، وهذا ما علمنا إياه أهل البيت عليهم السلام، فهذا أبو بصير (ره) يُحدثنا: (عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: قلت له: أما على الإمام زكاة؟ فقال: أحلت يا أبا محمد، أما علمت أن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء، جائز له ذلك من الله. إنّ الإمام يا أبا محمد لا يبيت ليلة أبداً ولله في عنقه حق يسأله عنه) (٢) . ومما ذكره سيد العارفين من علماء الفرقة الناجية في عصرنا الحاضر سيدنا الإمام الخميني - أغدق الله تعالى شآبيب نوره ورضوانه على مثواه الشريف، ورزقنا الله تعالى شفاعته - في كتابه النوري: (الآداب المعنوية، حين حديثه عن مكان المصلي وإباحته وحليته:) ... إن معنى الآية الشريفة: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، أُحِلَّتْ لكم بهيمة الأنعام (۳)، بحسب الباطن أن حلية بهيمة الأنعام موقوفة على الوفاء بعهد الولاية. وقد روي في الأحاديث أن جميع الأرض للإمام وغير الشيعة غاصبة لها. وأهل المعرفة يرون ولي الأمر مالكاً لجميع ممالك الوجود ومدارج الغيب والشهود، ولا يجوزون تصرف أحد فيها بدون إذن الإمام) (4) . وقد ذكرت - بفضلهم ومنهم صلوات الله عليهم - فيما كتبته في (۱) عن الكافي الشريف ج ١ ص ٤٠٨ ٢. (٤) عن الآداب المعنوية الشريف ص ١٩٠ . [صفحة 274] الشهادة الثالثة المقدسة من الأحاديث المعصومية الشريفة المناسبة لهذا المقام في ص ٢٥٠ الى ص ٢٥٤ تحت عنوان (شكر النعمة على مائدة الطعام، فراجعه تنتفع إن شاء الله تعالى . ولعلك يا عزيزي تراني أسهبت بعض الشيء في هذا البيان الذي بين أيدينا والسر في ذلك: أن هذه القضية من أهم القضايا والمشاكل التي تواجه المؤمن في علاقته مع إمامه صلوات الله عليه، بل ربما فتن بها من كان له من المنزلة الجليلة والمقام الرفيع عند الأئمة عليهم السلام. إذ يحدثنا شيخنا أبو جعفر محمد بن يعقوب (ره)، عن شيخه الأجل علي بن ابراهيم (ره): (عن السري بن الربيع، قال: لم يكن إبن أبي عمير يعدل بهشام بن الحكم شيئاً، وكان لا يغب (۱) إتيانه، ثم انقطع عنه وخالفه، وكان سبب ذلك؛ أن أبا مالك الحضرمي كان أحد رجال هشام، ووقع بينه وبين إبن أبي عمير ملاحاة في شيء من الإمامة. قال ابن أبي عمير: الدنيا كلها للإمام عليه السلام على جهة الملك، وأنه أولى بها من الذين هي في أيديهم. وقال أبو مالك: ليس كذلك، أملاك الناس لهم إلا ما حكم الله به للإمام من الفيء والخمس والمغنم فذلك له، وذلك أيضاً قد بين الله للإمام أين يضعه، وكيف يصنع به، فتراضيا بهشام بن الحكم (1) لا يغب إتيانه: لا ينقطع عنه، أو لا يغيب عنه، وبعبارة أدق: أن زياراته له متصلة غير متقطعة [صفحة 275] وصارا إليه، فحكم هشام لأبي مالك على إبن أبي عمير، فغضب إبن أبي عمير وهجر هشاماً بعد ذلك) (1) . ولست أريد الدخول في طوايا هذا الكلام وزواياه، إلا أني أقول: طوبي لك يا ابن أبي عمير، وطوبى لك ثم طوبي ........ ما أجمل اعتقادك!!! وما أرسخ يقينك!!! رضوان الله تعالى عليك، وحشرنا الله تعالى في ركابك مع الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. وأي كلام أقرب إلى القلوب الوالهة بحب آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين، من هذا الكلام: الدنيا كلها للإمام عليه السلام على جهة الملك، وأنه أولى بها من الذين هي في أيديهم). ولقد مر عليك أيها العزيز المحب قبل قليل، ماذكره عاشق أهل البيت عليهم السلام الإمام الخميني قدست نفسه الزاكية في آدابه المعنوية وهو موافق لما قاله إبن أبي عمير رضوان الله تعالى عليه، بل إن دائرة ملكية الإمام عليه السلام فيما جاء في الآداب المعنوية أوسع بكثير مما دلت عليه كلمات إبن أبي عمير رضوان الله تعالى عليه، إذ جاء هكذا، كما تقدم قبل قليل: ) وأهل المعرفة يرون ولي الأمر مالكاً لجميع ممالك الوجود - وليس الدنيا [صفحة 276] فحسب (۱) - ومدارج الغيب والشهود، ولا يجوزون تصرف أحد فيها بدون إذن الإمام). وهو نفس المعنى الذي تحدثت عنه رواية أبي بصير (ره) عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه والمذكورة قبل قليل . مع ذلك وتبصر، وما التوفيق إلا من الله العزيز الحكيم . وختاماً لهذه الوقفة، لا أملك الا أن أجدد عهدي مع مولى نعمتي وإمام زماني صلوات الله عليه، فأقول كما جاء في زيارته الشريفة: ) فلو تطاولت الدهور، وتمادت الأعمار، لم أزدد فيك إلا يقيناً، ولك إلا حباً، وعليك إلا توكلاً واعتماداً، ولظهورك إلا توقعاً وانتظاراً، والجهادي بين يديك إلا ترقباً فأبذل نفسي ومالي وولدي وأهلي وجميع ما خولني ربي بين يديك، والتصرف بين أمرك ونهيك مولاي فإن أدركت أيامك الزاهرة، وأعلامك الباهرة، فها أنا ذا عبدك المتصرف بين أمرك ونهيك، أرجو به الشهادة بين يديك، والفوز لديك)). سيدي، يا صاحب الأمر والنهي، صلوات الله عليك، أتوسل بك وإليك أن أكون صادقاً فيما أدعيه في عهدي هذا. وإني لأعلم سيدي لو رجع الأمر لي فليس مني الا الفشل والخطل، ولكن رجائي فيك عظيم، فأنت وسيلتي إلى الله تعالى، وأنت وجه الله الذي إليه يتوجه الأولياء (۳)، فإليك توجهت، وما خاب من توجه إليك . (1) الجملة الاعتراضية هذه جملة توضيحية وليست من أصل النص . [صفحة 277] الوقفة الثالثة: القضاء المهدوي العادل الحق (۱) ) عن أبان بن تغلب، قال: كنت مع جعفر بن محمد عليهما السلام في مسجد بمكة، وهو آخذ بيدي، فقال: يا أبان سيأتي الله بثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً في مسجدكم هذا، يعلم أهل مكة أنه لم يخلق آباؤهم ولا أجدادهم بعد، عليهم السيوف، مكتوب على كل سيف إسم الرجل واسم أبيه وحليته (۱) ونسبه، ثم يأمر منادياً فينادي: هذا المهدي يقضي بقضاء داود وسليمان، لا يسأل على ذلك بينة) (٢) . (۲) (عن أبان، قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: لا تذهب الدنيا حتى يخرج رجلٌ مِنّي: رجل يحكم بحكومة آل داود، ولا يسأل عن بينة، يعطي كل نفس حكمها) (۳). (۳) وروى عبدالله بن عجلان، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: إذا قام (۱) حلية الرجل: صفته، وقد يراد منها هنا لقبه أو ما كان قريباً من هذا المعنى . [صفحة 278] قائم آل محمد صلى الله عليه وآله حكم بين الناس بحكم داود عليه السلام، لا يحتاج الى بينة، يُلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه، ويخبر كل قوم بما استبطنوه، ويعرفُ وليه من عدوه بالتوسم، قال الله تعالى: إن في ذلك الآيات للمتوسمين، وإنها ليسبيل مقيم (1) (1) . والأحاديث المعصومية الشريفة في هذا المعنى كثيرة جداً، وفي مختلف كتبنا الحديثية الشريفة، مثل الكافي الشريف، وكتب الشيخ الصدوق (ره)، وبصائر الدرجات الشريف والبحار الشريف، وكتب الغيبة كغيبة شيخنا النعماني (ره) وغيرها، وغير ذلك كثير. وكلها تؤكد حقيقةً واحدةً: هي أن الإمام عليه السلام سيحدث تغييراً كبيراً في التشريعات القضائية؛ كي يكون الحكم في دولته الشريفة الزاهرة مطابقاً لمر الحق، وعين الواقع. إلا أن النفوس الخبيثة، والقلوب المريضة، والعقول البائرة تجد في ذلك سبباً للاعتراض والتشكيك، وسيلقون جزاءهم العادل بسيفه الشريف، لعنة الله عليهم؛ إذ أنهم يريدون أن تكون أحكام الإمام عليه السلام وقضاؤه وفقاً المقاييس العقول القاصرة العائرة، وأنظار البشر وأفكارهم السقيمة التي لا يصاب بها الواقع الحق، ولا يقام بها مر العدل الذي لا حلاوة فوق حلاوته. وهاك انصت يا عزيزي لما تقوله الأخبار الشريفة: [صفحة 279] )أ( عن جابر بن يزيد الجعفي (ره)، عن باقر العترة الطاهرة صلوات الله عليه وعليها: (إنما سمي المهدي؛ لأنه يهدي إلى أمر خفي، حتى أنه يبعث إلى رجل لا يعلم الناس له ذنب، فيقتله، حتى أن أحدهم يتكلم في بيته، فيخاف أن يشهد عليه الجدار)). وهذا هو حقيقة وجه من وجوه معنى قول إمامنا الصادق صلوات الله عليه أما والله، ليدخلن عليهم عدله جوف بيوتهم، كما يدخل الحر والقر)). )ب( ) عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: يقضي القائم بقضايا يُنكرها بعض أصحابه، ممن قد ضرب قدامه بالسيف، وهو قضاء آدم عليه السلام، فيقدمهم فيضرب أعناقهم. ثم يقضي الثانية، فينكرها ممن قد ضرب قدامه بالسيف، وهو قضاء داود عليه السلام، فيقدمهم فيضرب أعناقهم. ثم يقضي الثالثة، فينكرها قوم آخرون ممن قد ضرب قدامه بالسيف، وهو قضاء إبراهيم عليه السلام، فيقدمهم فيضرب أعناقهم. ثم يقضي الرابعة، وهو [صفحة 280] قضاء محمد صلى الله عليه وآله، فلا ينكرها أحد عليه) (1). وأمعن النظر أيها العزيز في هذه الرواية الشريفة؛ والحظ تأكيدها المتكرر في قولها عن المنكرين والمعترضين: (ممن قد ضرب قدامه بالسيف »، إذ أنّ الفتنة هذه كما يبدو من هذه الرواية الشريفة وغيرها، ستطال من هم في معسكره الشريف قبل أن تطال غيرهم. ونعوذ بالله تعالى من الشك والشرك والاعتراض في ساحة قدس إمامنا صلوات الله عليه (۲). فلا وربِّكَ لا يؤمنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويُسلّموا تسليما) . (۱) عن البحار الشريف ج ٥٢ ص ۳۸۹ ح ۲۰۷. (۲) وللعلامة الشيخ محمد تقي التستري كتاب عنوانه و قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام،، جمع فيه ما تمكن أن يجمعه من عجائب الأمور التي قضى فيها أمير المؤمنين عليه السلام. وبعض منها كان حكمه فيها حكم داود على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة [صفحة 281] الوقفة الرابعة: أحكام مهدوية جديدة وتشريعات قائمية مستحدثة وهذه نماذج أعرضها بين يديك أيها المحب من الأحاديث المعصومية الشريفة التي تناولت طائفة من الأحكام المهدوية الجديدة المباركة، والتشريعات القائمية المستحدثة المقدسة: (۱) ليس لأحد من الناس حق في الإستتابة عن أبي بصير، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يقوم القائم بأمر جديد، وكتاب جديد، وقضاء جديد على العرب شديد، ليس شأنه إلا السيف لا يستتيب أحداً، ولا يأخذه في الله لومة لائم)) . بيان لعل المراد من عدم استتابته لأحد من الناس من الذين قامت عليهم الحجج تلو الحجج من الشيعة في زمان غيبته الشريفة. وليس هذا إلا إحتمال من عبده القاصر لما يعرفه من لطف مولاه العميم وفضل سيده الوسيع - وعذراً سيدي من جهلي وسوء أدبي - والأمر له وبيده الشريفة صلوات الله عليه أولاً وآخراً، وما نحن إلا عبيده . ولا شأن للعبيد إلا التسليم والرضا [صفحة 282] والسرور بما يفعله المولى صلوات الله عليه. وما فعله الشريف صلوات الله عليه بأي نحو كان ومع أي مخلوق إلا حقيقة الرحمة، وتمام الحكمة، وأكمل الحق . (۲) حكم النواصب لعنة الله عليهم ) عن سلام بن المستنير، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يحدث إذا قام القائم عرض الإيمان على كل ناصب، فإن دخل فيه بحقيقة وإلا ضَربَ عنقه، أو يؤدي الجزية كما يُؤدِّيها اليوم أهل الذمة، ويشد على وسطه الهميان (۱) ويُخرجهم من الأمصار إلى السواد (1). (۳) طعام النواصب لعنة الله عليهم جاء في التفسير الشريف لشيخنا الأجل علي بن إبراهيم القمي رضوان الله تعالى عليه: وقوله: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً) أي ضيقة، (1) إنما يكون ذلك، لاجل إذلالهم وتحقيرهم لعنة الله عليهم . وكذلك فإن إبقاءهم أحياء بهذا الحال؛ لأجل تعذيبهم، وجعلهم عبرة لمن يريد اعتبارا . [صفحة 283] أخبرنا أحمد بن إدريس، قال: حدثنا أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن إبراهيم بن المستنير، عن معاوية بن عمار، قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام عن قول الله: إن له معيشة ضنكا، قال: هي (١) والله النصاب. قال: جعلت فداك، قد رأيناهم دهرهم الأطول في كفاية حتى ماتوا. قال: ذلك والله في الرجعة يأكلون العذرة ((٣). فهنيئاً لهم هنيئاً، وقد تمنى كبيرهم من قبل: أن يكون عذرة ولا يكون بشرا (٣) . والناس إلى أشكالهم أميل، ويصدق من قال: شبيه الشيء منجذب إليه. وكل شكل لشكله الف أما ترى الفيل يألف الفيلا (٤) حكم المخالفين لأهل البيت عليهم السلام روى شيخنا المجلسي (ره)، عن أبي بصير (ره)، عن إمامنا الصادق المصدق صلوات الله عليه حديثاً جاء فيه: أن مسجد السهلة الشريف سيكون منزلاً لإمام زماننا صلوات الله عليه حين ظهوره الشريف، إلى أن قال أبو بصير (ره): قلت: فمن نصب لكم عداوة؟ فقال: لايا أبا محمد ما لمن خالفنا في (1) المراد هي والله معيشة النصاب، أو أن الآية الشريفة هي والله في النصاب (۲) عن تفسير شيخنا القمي (ره) ج ٢ ص ٦٥ . [صفحة 284] دولتنا من نصيب . إن الله قد أحل لنا دماءهم عند قيام قائمنا، فاليوم محرم (۱) علينا وعليكم ذلك، فلا يغرنك أحد. إذا قام قائمنا انتقم لله ولرسوله ولنا أجمعين) (). (٥) حكم الكفار لعنة الله عليهم ) عن معاوية الدهني، عن أبي عبد الله عليه السلام، في قول الله تعالى: يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام (۳)، فقال: يا معاوية ما يقولون) في هذا؟ قلت: يزعمون أن الله تبارك وتعالى يعرف المجرمين بسيماهم في القيامة، فيأمر بهم فيُؤخَذُ بنواصيهم وأقدامهم، فيلقون في النار. فقال لي: كيف يحتاج الجبار تبارك وتعالى إلى معرفة خلق أنشأهم وهم خلقه. فقلت: جعلت فداك وما ذلك؟ قال: لو قام قائمنا أعطاه الله السيماء، فيأمر بالكافر فيؤخذ بنواصيهم وأقدامهم، ثم يخبط بالسيف خبطاً) (*) . بيان والجديد في هذا الحكم من جهتين: (1) ربما كان تحريم قتلهم مؤقتا بسبب الظروف الزمانية والمكانية والشرائط الموضوعية المانعة من ذلك في وقت صدور هذا الكلام الشريف. إذ أن الروايات الشريفة الأخرى ربما دلت على غير ذلك. (۲) عن البحار الشريف ج ٥٢ ص ۳۸۱ من ح ۱۹۱، وذكره أيضاً في ص ٣٧٦ - ١٧٧ . (۳) الآية الشريفة (٤١) من سورة الرحمن المباركة . [صفحة 285] أ - كون الحكم على واقع الأشخاص وباطنهم، إذ حتى لو أظهر الكافر الإيمان وأبطن الكفر ما نفعه ذلك. إذ تقول الرواية الشريفة: (لوقام قائمنا أعطاه الله السيماء) (1) . ب - كيفية القتل بهذا النحو المخصوص، كما تقوله الرواية الشريفة: فيأمر بالكافر فيؤخذ بنواصيهم وأقدامهم، ثم يُخبط بالسيف خبطاً». والمراد من الخبط بالسيف هو الضرب الشديد به، والذي يكون في غاية الإيلام والإيذاء، وفي المواضع الحساسة من البدن التي لو ضربت كان الألم أشد . (٦) حكم من لم يتفقه من الشباب قال شيخنا أبو علي الطبرسي (ره) في كتابه الشريف المعروف إعلام الورى في دفعه لشبهات المخالفين، في المسألة السابعة، عن لسانهم: وأنه يقتل من بلغ العشرين ) وأنتم قد زعمتم أن القائم إذا قام 6....... ولم يتفقه في الدين، .... وأشباه ذلك مما ورد في آثار كم)) . (1) لعل المراد من إعطاء الله سبحانه وتعالى إمامنا عليه السلام السيماء إعطاؤه الإذن في العمل على أساسها. وإلا فالنصوص الشريفة متضافرة إن لم تكن متواترة تواتراً معنوياً في علم الأئمة عليهم السلام بحقائق النفوس والأشياء وعواقبها. وقد يكون المعنى أن الله سبحانه وتعالى أعطى ووهب الإمامنا عليه السلام الظرف المناسب للعمل على أساس العلوم الباطنية الواقعية ومنها السيماء، بحيث كان هذا الأمر خاصاً به صلوات الله عليه؛ لعدم توفر الشرائط المناسبة للأئمة [صفحة 286] والمعنى المذكور ربما كان من مفتعلات المخالفين، وربما كان موجوداً في كتب أصحابنا، إلا أني بحسب إطلاعي القاصر والمحدود لا يخطر في بالي حال كتابة هذه الأسطر وجود هذا المعنى في رواياتنا الشريفة في كتبنا الشيعية المتوفرة بين أيدينا في زماننا هذا، وربما كان ولم أكن قد التفت إليه. ومع كل ذلك فإنه ليس بمستبعد وإمامنا أبو جعفر الباقر صلوات الله عليهما يقول: (لو أتيت بشاب من شباب الشيعة لا يتفقه في الدين لأوجعته)). ورواية شريفة أخرى عنه وعن ولده الصادق المصدق صلوات الله عليهما والهما: (لو أتيتُ بشاب من شباب الشيعة لا يتفقه لأدبته) (٢). والتأديب يا عزيزي هو العقوبة . وقد روى إسحاق بن عمار، فقال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: ليت السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا في الحلال والحرام)). وجاء: (عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لوددت أن أصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا) (1) . هذا كله وغيره يصدر عن الأئمة عليهم السلام في وقت: أولاً - كانت الشيعة في غاية القلة والضعف . ثانياً - لم تكن الأوضاع مناسبة لأن يُبرز الأئمة عليهم السلام من علومهم (۱) عن العوالم الشريف ج ٣ ص ٢٤٦ ج ١٢. (۲) عن العوالم الشريف ج ٣ ص ٢٤٦ ح ١٣. [صفحة 287] ما يريدون إبرازه وبيانه مالو كانت الظروف الزمانية والمكانية والموضوعية مناسبة وملائمة، بحيث يتمكن الشباب الشيعي من تحصيل العلم والتفقه دون ضغوط شديدة، ومخاوف مهولة . ثالثاً ـ لم تكن الإمكانيات الاجتماعية والقدرات السياسية والمالية، والقابليات التقنية والأوضاع النفسية، والأجواء التربوية في زمان الأئمة عليهم السلام مثلما ستكون في زمان إمامنا صلوات الله وسلامه عليه حين بسطه للعدل ونشره للعلم والفضل، وتوفيره لكل الإمكانات، وسده لكل الاحتياجات، وإزالته لكل العقبات التي تقف في طريق من يريد التعلم والتفقه. ومن هنا يحدثنا حمران بن أعين (ره)، عن إمامنا الباقر صلوات الله عليه حين يصف زمان دولة إمامنا عليه السلام، فيقول: (...، فيعطيكم في السنة عطاءين، ويرزقكم في الشهر رزقين، وتُؤتون الحكمة في زمانه، حتى أن المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) . وليس الأمر واقفاً عند هذا الحد بل إننا نجد في رواياتنا الشريفة أنه لا يبقى مستضعف (1) في الدين قبل ظهوره الشريف؛ إذ تتم الحجة على الجميع . (1) عن غيبة شيخنا النعماني (ره) ص ۲۳۹ من ح ۳۰. [صفحة 288] فكيف بعد ظهوره صلوات الله عليه؟! حيث يحدثنا شيخنا المجلسي (ره)، عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه، فيقول: (أنه ذكر كوفة، وقال: ستخلو كوفة من المؤمنين ويأرز (۱) عنها العلم كما تأرز الحية في حجرها، ثم يظهر العلم ببلدة يقال لها قم، وتصير معدناً للعلم والفضل حتى لا يبقى في الأرضِ مُستضعف في الدين حتى المخدرات في الحجال، وذلك عند قرب ظهور قائمنا فيجعل الله قم وأهله قائمين مقام الحجة، ولولا ذلك لساخت الأرض بأهلها، ولم يبق في الأرض حجة. فيفيض العلم منه إلى سائر البلاد في المشرق والمغرب، فيتم حجة الله على الخلق حتى لا يبقى أحد على الأرض لم يبلغ إليه الدين والعلم. ثم يظهر القائم عليه السلام، ....)) . وفوق كل ذلك، فقد جاء في الكافي الشريف: ) عن مفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام، يقول: عليكم بالتفقه في دين الله، ولا تكونوا أعراباً، فإنه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة، ولم يُزك له عملاً) (۳). فمن كان هذا حاله أيستحق الحياة في مجتمع تعمره الهداية الحقيقية (1) المذكور في البحار الشريف: «يأزر»، ولا معنى له في المقام إذ يبدو أنه خطأ مطبعي، أو تصحيف من قبل النساخ والصحيح بأرز» بمعنى ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض، كما تجمع الحية نفسها في حجرها فصل الشتاء ... [صفحة 289] وتسوده العدالة الواقعية، وتنتشر في أوساطه المعرفة الحقة؟! ولقد قال أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه ما الفضل إلا لأهل العلم أنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء وقيمة المرء ماقد كان يُحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء فقم بعلم ولا تطلب به بدلاً فالناس موتى وأهل العلم أحياء (1) ولذا أكدت الأحاديث المعصومية الشريفة هذا المعنى. وعلى سبيل المثال: ما رواه شيخنا المفيد (ره): (عن حماد بن عثمان، عن أبي عبدالله جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين)). وهذا يعني: أن من لا خير فيه لن يسعى للتفقه في الدين. وما التفقه في الدين معرفة الأحكام من حلال وحرام، إنما هذا شيء من التفقه، بل من فروعه. إذ الفقه في الدين حقيقة هو معرفة المعصوم صلوات الله عليه التي تتفرع عنها سائر المعارف الإلهية الأخرى، والعلوم الربانية التي لاتعد ولا تحصى. وهذا شيخنا أبو جعفر الكليني (ره) يحدثنا: عن أبي سلمة، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: سمعته يقول: نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلا معرفتنا، ولا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمناً، ومن أنكرنا كان كافراً، ومن لم يعرفنا ولم يُنكرنا كان [صفحة 290] ضالاً حتى يرجع إلى الهدى الذي إفترض الله عليه من طاعتنا الواجبة، فإن يمت على ضلالته يفعل الله به ما يشاء) (۱). فبعد هذه البيانات، لا يكون مثل هذا الحكم مستبعداً وغريباً أبداً. بل قد يكون نتيجة منطقية للأوضاع والأحوال التي ستكون عليها الدنيا في زمان دولة إمامنا صلوات الله عليه، حيث يسيطر العلم الحق والعدل الكامل في آن واحد. وهذا ما لم يتحقق منذ أن خلق الله تعالى خليقته وعباده، وإن في ذلك لعبرة لأولي الألباب والبصائر. (۷) حكم الذي يدور في قلبه ما يدور من نوايا وهواجس لا توافق ما يريده الإمام عليه السلام، ولو كان من أخص خواصه صلوات الله وسلامه عليه. روى شيخنا النعماني (ره): (عن أبي عبدالله عليه السلام، أنه قال: بينا الرجل (۲) على رأس القائم يأمره وينهاه، إذ قال: أديروه، فيُديرونه إلى قدامه، (۱) عن الكافي الشريف ج ۱ ص ۱۸۷ ح ۱۱. (۲) كون هذا الرجل واقفاً في مقام الخدمة بحيث يعتمده الإمام عليه السلام في الأمر والنهي يكشف عن كونه من أخص الخواص، ويدل أيضاً على عدم إرتكابه للمعاصي الظاهرية وإلا كيف ينزله الإمام عليه السلام هذه المنزلة. وأما ما يصدره الإمام عليه السلام في حقه من حكم القتل فذلك جزاؤه العادل الحق لما يدور في خلده من أفكار وهواجس لا يرتضيها الإمام عليه السلام، وتكون بالنسبة له من أكبر الكبائر وذلك أن العدل الواقعي يقتضي أن يكون الحساب والجزاء على أساس المراتب والمعارف وما قام على الإنسان من الحجج والبراهين القاطعة، وإلا فكيف يتحقق [صفحة 291] فيأمر بضرب عنقه، فلا يبقى في الخافقين شيء إلا خافه) (١). بيان ماجاء في الرواية المذكورة: (يأمره وينهاه، على ما يبدو من سياق الكلام أن الهاء زائدة، وربما كانت من فعل النساخ، والصحيح كما يظهر: (يأمر وينهى . ويؤيد هذا المعنى ماجاء في الخبر الشريف: ) عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله عليه السلام، أنه قال: بينا الرجل على رأس القائم يأمر وينهى، إذ أمر بضرب عنقه. فلا يبقى بين الخافقين شيء إلا خافه)) . (۸) حكم المساجد ذات السقوف والمساجد المزينة بالتصاوير أ - المساجد ذات السقوف عن حماد بن عثمان، عن الحلبي، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن المساجد المظللة، أيكره الصلاة فيها؟ قال: نعم، ولكن لا يضركم اليوم. ولو قد كان العدل، لرأيتم كيف يصنع في ذلك) (۳). ب - المساجد المزينة بالتصاوير: ) عن عمرو بن جميع، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الصلاة في (1) عن غيبة شيخنا النعماني (ره) ص ۲۳۹ ج ۳۲ . [صفحة 292] المساجد المصورة، فقال: أكره ذلك، ولكن لا يضركم ذلك (1) اليوم، ولو قد قام العدل (1) رأيتم كيف يصنع في ذلك)) . (۹) حكم الطواف في البيت العتيق واستلام الحجر الأسود روى شيخنا أبو جعفر الكليني (ره): ) عن أبي عبدالله عليه السلام قال: أول ما يظهر القائم من العدل أن ينادي مناديه: أن يُسلّم صاحب الناقلة لصاحب الفريضة الحجر الأسود، والطواف)). (۸) بيان المراد من صاحب النافلة هنا هو من كان حجه أو عُمرته على سبيل الاستحباب. وأما صاحب الفريضة فهو من كان حجه واجباً أو كانت عمرته واجبة. وأما ذكر الحجر الأسود فيراد إستلامه، وأما الطواف فلربما أريد منه أن يفسح صاحب النافلة المجال لصاحب الفريضة كي يؤدي مناسك (1) الإشارة هنا إلى الصلاة في المساجد المصورة قبل ظهور إمامنا صلوات الله وسلامه عليه. (۲) العدل في هذه الرواية الشريفة وفي الرواية التي سبقتها إما هو وصف أو لقب أو إسم الإمامنا صلوات الله عليه، أو أن ذكر العدل هنا على نحو الكتابة عن إمام زماننا صلوات الله عليه. وكل هذه الوجوه وجيهة. [صفحة 293] طوافه، بحيث يأتي صاحب الفريضة بتمام مناسكه دون مزاحمة ومضايقة من صاحب النافلة (۱۰) حكم السير في الطرقات ) عن علي بن سويد، عن أبي الحسن موسى عليه السلام، قال: إذا قام قائمنا عليه السلام، قال: يا معشر الفرسان سيروا في وسط الطريق، يا معشر الرجال سيروا على جنبي الطريق. فأيما فارس أخذ على جنبي الطريق فأصاب رجلاً عيب ألزمناه الدية، وأيما رجل أخذ في وسط الطريق فأصابه عيب فلادية له) (1) . وقد تقدم فيما سلف من الأحاديث المعصومية الشريفة من أن إمام زماننا صلوات الله وسلامه عليه سيأمر بتوسعة الطرقات وإزالة الميازيب والكنف عن جانبي الطريق وكل ذلك ضمن نظام مروري دقيق، كما تبدو لنا بعض علائمه من هذه الرواية الشريفة وغيرها مما جاء في هذا السياق والمضمون . (١١) وجوب الزهد، وبذل أقصى غاية الجهد، وحرمة الإنغماس في اللذائذ الدنيوية على خواصه، وعماله، ومن ينوبون عنه في شؤون دولته المباركة. ۱ -) عن معمر بن خلاد، قال: ذكر القائم عند أبي الحسن الرضا عليه [صفحة 294] السلام، فقال: أنتم اليوم أرخى بالاً منكم يومئذ . قالوا: وكيف؟ قال: لو قد خرج قائمنا عليه السلام، لم يكن إلا العلق (۱) والعرق، والنوم على السروج ومالباس القائم عليه السلام إلا الغليظ، وما طعامه إلا الحشب (۴))) . ۲ - (عن المفضل بن عمر قال: كنت عند أبي عبدالله عليه السلام بالطواف فنظر إلي، وقال لي: يا مفضل مالي أراك مهموماً متغير اللون؟ قال: فقلت له: جعلت فداك نظري إلى بني العباس، وما في أيديهم من هذا الملك والسلطان والجبروت، فلو كان ذلك لكم لكنا فيه معكم . فقال: يا مفضل، أما لو كان ذلك لم يكن إلا سياسة الليل، وسباحة) النهار، وأكل الجشب ولبس الخشن شبه أمير المؤمنين عليه السلام، وإلا فالنار، فروي ذلك عنا، فصرنا نأكل ونشرب، وهل رأيت ظلامة جعلها الله نعمة مثل هذا؟!)) . وإن إمامنا عليه السلام لا يفرض ذلك على أصحابه - أيها المحب - إلا بعد (1) العلق: هو الدم الغليظ، أو هو جمع لعلقة وهي قطعة الدم الجامدة أو المتجمدة . (۲) الجشب: هو الطعام الغليظ الخشن، أو الذي لا يطيب أكله، أو ما كان من غير أدام (۳) عن غيبة شيخنا النعماني (ره) ص ٢٨٥ ح ه . (٤) سباحة النهار هي السعي في تدبير أمور الرعية، والاهتمام في ذلك غاية الاهتمام، والمعنى مأخوذ من الآية الشريفة (۷) من سورة المزمل المباركة: (إن لك في النهار سبحاً طويلاً . . وفي البحار الشريف ج ٥٢ ص ٣٥٩ ح ۱۲۷ جاء فيه: وسياحة النهار، وما معناها ببعيد عن [صفحة 295] أن يخيرهم ويأخذ البيعة عليهم في كل ذلك. ولذا يحدثنا أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام عن إمام زماننا عليه السلام وما يقوله لأصحابه: ... فيقول (1): إني لست قاطعاً أمراً حتى تبايعوني على ثلاثين خصلة تلزمكم لا تغيرون منها شيئاً ولكم على ثمان خصال . فقالوا: سمعنا وأطعنا، فاذكر لنا ما أنت ذاكره يا ابن رسول الله، فيخرج إلى الصفا، فيخرجون معه، فيقول: أبايعكم على ...... - إلى أن يقول عليه السلام: - ولا تكنزون ذهباً، ولافضةً، ولابراً، ولا شعيراً، ولا تلبسون الذهب ولا الحرير ولا الديباج، .... ولا تلبسون الخز من الثياب، وتتوسدون التراب، وتكرهون الفاحشة، وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، فإذا فعلتُم ذلك، فلكم على أن لا أتخذ صاحباً سواكم، ولا ألبس إلا مثل ما تلبسون، ولا أكل إلا مثل ما تأكلون، ولا أركب إلا كما تركبون، ولا أكون إلا حيث تكونون، وأمشي حيث ما تمشون، وأرضى بالقليل، وأملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ونعبد الله حق عبادته، وأوف لكم أوفوا لي . فقالوا رضينا وبايعناك على ذلك، فيُصافحهم رجلاً رجلاً، ثم إنه بعد ذلك يظهر بين الناس فتخضع له العباد، وتنقاد له البلاد، .....) (1) . وقد روى هذه المعاني والمضامين شيخنا المحدث النوري (ره) في كشف الأستار ص ۱۸۰ وص ۱۸۱، وكذا في منتخب الأثر للعلامة المعاصر الشيخ [صفحة 296] الصافي ص ٤٦٩ ٤ . ومن المخالفين محدثهم يوسف بن يحيى المقدسي الشافعي في عقد الدرر ص ۹۵ و ۹۶ و ۹۷، وغيرهم في غيرها .. وأما في الكافي الشريف لشيخنا أبي جعفر الكليني (ره): عن حماد بن عثمان، قال: حضرت أبا عبدالله عليه السلام، وقال له رجل: أصلحك الله ذكرت أن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك، ونرى عليك اللباس الجديد. فقال له: إن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر عليه، ولو ليس مثل ذلك اليوم شهر به. فخير لباس كل زمان لباس أهله، غير أن قائمنا أهل البيت عليهم السلام إذا قام لبس ثياب علي عليه السلام، وسار بسيرة علي عليه السلام) (1). (۱۲) حرمة الرهن على المؤمن وهو الشيعي الإثنا عشري الخالص، وحرمة أخذ الربح عليه حين البيع روى شيخنا أبو جعفر الصدوق (ره): ) عن علي بن سالم، عن أبيه، قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الخبر الذي روي: (أن من كان بالرهن أوثق منه بأخيه المؤمن فأنا منه بريء) فقال: ذلك إذا ظهر الحق وقام قائمنا أهل البيت. قلت: فالخبر الذي روي: [صفحة 297] أن ربح المؤمن على المؤمن ربواً)، ما هو؟ قال: ذلك إذا ظهر الحق وقام قائمنا أهل البيت، وأما اليوم فلا بأس بأن يبيع من الأخ المؤمن، ويربح عليه) (). (۱۳) وجوب مواساة المؤمن لأخيه المؤمن روى شيخنا الصدوق (ره): ) عن إسحاق بن عمار، قال كنت عند أبي عبدالله عليه السلام، فذكر مواساة الرجل لإخوانه، وما يجب لهم عليه، فدخلني من ذلك أمر عظيم، عرف ذلك في وجهي، فقال: إنما ذلك إذا قام القائم، وجب عليهم أن يجهزوا إخوانهم، وأن يقووهم)) . بل ورد في الروايات المعصومية الشريفة: ) عن بريد العجلي، قال: قيل لأبي جعفر عليه السلام: إن أصحابنا بالكوفة جماعة كثيرة فلو أمرتهم لأطاعوك واتبعوك . فقال: يجيء أحدهم إلى كيس أخيه، فيأخذ منه حاجته؟ فقال: لا . قال: فهم بدمائهم أبخل . ثم قال: إن الناس في هدنة تناكحهم، ونوارتُهم، ونقيم عليهم الحدود، (۱) عن الفقيه الشريف ج ۳ ص ۳۱۳ ح ٤١١٩ . (۲) عن مصادقة الإخوان الشريف، الملحق طباعة بكتابي فضائل الشيعة، وصفاتهم، ص ۱۳۸ ج۳ من باب مواساة الإخوان بعضهم لبعض (۳) مراده عليه السلام من الناس هنا كما يبدو من سياق كلامه الشريف المخالفون لأهل البيت عليهم [صفحة 298] ونؤدي أماناتهم (۱) حتى إذا قام القائم جاءت المزاملة (٢)، ويأتي الرجل إلى كيس أخيه فيأخذ حاجته لا يمنعه) (۳). (١٤) حكم وراثة المؤمن لأخيه المؤمن وعدم توريث الإخوان النسبيين من الولادة إن لم يكونوا مؤمنين حقيقيين ذكر شيخنا المجلسي (ره)، عن عقائد شيخنا الصدوق (ره): (وقال الصادق عليه السلام: إن الله آخا بين الأرواح في الأظلة قبل أن يخلق الأبدان بألفي عام، فلو قد قام قائمنا أهل البيت لورث الأخ الذي آخا بينهما في الأظلة، ولم يورث الأخ من الولادة) (1). وما هو بعجب، إذ يصدع القرآن العزيز بين أظهرنا: إنما المؤمنون أخوة) () وأصالة الحقيقة في معنى الآية الشريفة تقتضي الأخوة الحقيقية الواقعية . ويؤيد ذلك ما ورد في أحاديثنا المعصومية الشريفة: من أن معنى الرحم حقيقةً: هو رحم آل محمد، صلوات الله عليهم أجمعين (1) سيأتي توضيح ذلك عند ذكر حكم الأمانات في زمن الظهور الشريف بعد قليل إن شاء الله تعالى (۲) المزاملة: بمعنى المعادلة والمساواة، ومنها الزميل وهو الرفيق المعين، والصديق المخلص (۳) عن البحار الشريف ج ٥٢ ص ٣٧٢ من ح ١٦٤ . [صفحة 299] حكم أمانات وودائع أعداء أهل البيت عليهم السلام والمخالفين لهم لعنة الله عليهم جميعاً روى شيخنا الكليني (ره) في كافي الشيعة الشريف: ) عن الحسين الشيباني، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: قلت له: رجل من مواليك يستحل مال بني أمية ودمائهم، وإنه وقع لهم عنده وديعة. فقال: أدوا الأمانات إلى أهلها وإن كانوا مجوسيا (1) فإن ذلك لا يكون حتى يقوم قائمنا أهل البيت عليهم السلام، فيحل ويُحرم) (1) . (١٦) حكم الزاني المحصن، وحكم مانع الزكاة، حيث يقتلان من دون بينة في الكافي الشريف: (عن أبان بن تغلب قال: قال لي أبو عبدالله عليه السلام: دمان في الإسلام حلال من الله، لا يقضي فيهما أحد، حتى يبعث الله قائمنا أهل البيت، فإذا بعث الله عز وجل قائمنا أهل البيت حكم فيهما بحكم الله لا يريد عليهما بينة: الزاني المحصن يرجمه، ومانع الزكاة يضرب عنقه) (۳). (۱) في المطبوع هكذا، والسياق يدل على أنها: (مجوساً) وليس مجوسياً، وقد روى شيخنا الطوسي (ره) هذه الرواية في التهذيب الشريف ج 1 ص ٣٥١ ١١٤ / ٩٩٣ فجاء فيها: [صفحة 300] بل روى شيخنا أبو جعفر البرقي (ره)، عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه، أنه قال: (من منع الزكاة في حياته، طلب الكرة بعد موته (۱). ويعني ذلك أن مانع الزكاة ستكون له رجعة إلى الحياة الدنيوية في زمان دولة إمامنا عليه السلام كي يُقيم الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام الحد الالهي العادل عليه. وبذاك أيها المحب الودود تكون قد أحطت خبراً بجانب جزئي من التغيير الذي سيطال كثيراً من التشريعات والأحكام التكليفية، وعلى هذا فَقِسٌ إِذْ لا يعني عدم ذكر الأحكام الشرعية الأخرى أن التغيير والتبديل والتصحيح لن ينالها . بل إن ما جاء مذكوراً في الأحاديث المعصومية الشريفة المتقدمة إنما هو على سبيل الأمثلة والمصاديق، كما يبدو ذلك للمتتبع بدقة والناظر بتفحص في أحاديث عصر الظهور الشريف. وهذه الحقيقة تدعو المؤمنين الراجين رضا إمام زمانهم صلوات الله عليه أن يوطنوا أنفسهم على التسليم الواقعي لكل أمر يُحتمل صدوره من إمامنا صلوات الله وسلامه عليه حين ظهوره الشريف، حيث تكون الفتنة شديدة، والتمحيص في غاية الدقة ومنتهى الإحكام. ولذا فإن الفشل الذريع سيكون عاقبة وخيمة لكل أولئك الذين يريدون مقايسة أفعال الإمام عليه السلام وأقواله الشريفة بعقولهم الهزيلة وأحلامهم العليلة ما بين معترض مناوئ، [صفحة 301] وشاك متردد، ومقترح جاهل، وأحمق أهوج لا يعرف النفع من الضرر، كفانا الله تعالى شرهم وشر من يوافقهم جميعاً، وجعلنا ممن يُسلّم الإمامه صلوات الله عليه في غيبته وحضوره، وهاك اسمع ياعزيزي، وانصت، واعتبر: (۱) من حديث يرويه شيخنا أبو النضر العياشي (ره)، عن الراوية الثقة عبد الأعلى الحلبي (ره)، عن إمامنا أبي جعفر الباقر صلوات الله عليهما، حيث يبين لنا جوانب من حوادث الظهور الشريف، فيقول صلوات الله عليه متحدثاً عن إمام زماننا عليه السلام: ) ثم يحدث حدثاً، فإذا هو فعل ذلك، قالت قريش: اخرجوا بنا إلى هذا الطاغية، فوالله أن لو كان محمدياً ما فعل، ولو كان علوياً ما فعل، ولو كان فاطمياً ما فعل، فيمنحه الله أكتافهم، فيقتل المقاتلة ويسبي الذرية ثم ينطلق حتى ينزل الشقرة (1) فيبلغه، أنهم قد قتلوا عامله فيرجع إليهم فيقتلهم مقتلة ليس قتل الحرة إليها بشيء، ثم ينطلق يدعو الناس الى كتاب الله، وسنة نبيه، والولاية لعلي بن أبي طالب صلوات الله عليه، والبراءة من عدوه، حتى إذا بلغ إلى الثعلبية (۳) قام إليه رجل من صلب أبيه (4)، وهو من (1) أي أنه عليه السلام يحدث تغييراً واضحاً، أو يأمر بأمر يكون قبوله ثقيلاً على الناس . وربما أريد من هذا الحدث هو ما تقدم ذكره في الفتنة الثانية (۲) تقدم الكلام عنها . [صفحة 302] أشد الناس ببدنه، وأشجعهم بقلبه ما خلا صاحب هذا الأمر، فيقول: ياهذا ما تصنع؟ فوالله إنك لتجفلُ الناس إجفال النعم. أفَبِعِهد من رسول الله صلى الله عليه وآله، أم بماذا؟ فيقول المولى الذي ولى البيعة: والله لتسكتن، أو الأضر بن الذي فيه عيناك. فيقول له القائم: اسكت يافلان. أي والله إن معي عهداً من رسول الله، هات لي يافلان العيبة أو الزنفيلجة). فيأتيه بها، فيقرؤه العهد من رسول الله، فيقول: جعلني الله فداك، أعطني رأسك أقبله، فيُعطيه رأسه، فيقبل بين عينيه، ثم يقول: جَعلني الله فداك، جددلنا بيعة، فيجدد لهم بيعة) (٢). (۲) وفي نفس الحديث الشريف المتقدم الذكر، عن إمامنا الباقر صلوات الله عليه: ) فبينا صاحب هذا الأمر قد حكم ببعض الأحكام، وتكلّم ببعض السن إذ خرجت خارجة من المسجد يُريدون الخروج عليه . فيقول لأصحابه: انطلقوا، فيلحقونهم في التمارين، فيأتونه بهم أسرى، فيأمر بهم فيذبحون. وهي آخر خارجة يخرج على قائم آل محمد صلى الله عليه وآله) (۳). (1) العيبة أو الزنفيلجة بمعنى واحد، وهي المستودع أو الوعاء الذي توضع فيه أفضل الأشياء وأثمنها . (۲) عن البحار الشريف ج ٥٢ ص ٣٤٢ وص ٣٤٣ من ح ۹۱، وتفسير شيخنا العياشي (ره) ج ۲ [صفحة 303] روى شيخنا أبو جعفر الصدوق (ره): (عن المفضل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كأني أنظر إلى القائم عليه السلام على منبر الكوفة، وحوله أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدة أهل بدر، وهم أصحاب الألوية، وهم حكام الله في أرضه على خلقه، حتى يستخرج من قبائه كتاباً مختوماً بخاتم من ذهب، عهد معهود من رسول الله صلى الله عليه وآله؛ فيجفلون عنه إجفال الغنم البكم. فلا يبقى منهم إلا الوزير وأحد عشر نقيباً)، كما بقوا مع موسى بن عمران عليه السلام، فيجولون في الأرض ولا يجدون عنه مذهباً، فيرجعون إليه . والله إني لأعرف الكلام الذي يقوله له فيكفرون به)) . (1) النقباء هم خاصة خواصه عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد تقدم بعض شيء من الحديث عنهم، وفقنا الله تعالى أن تكون من خدامهم وأتباعهم .. (۲) عن كمال الدين وتمام النعمة الشريف ج ۲ ص ٦٧٢ وص ٦٧٣ ح ٢٥ . وروى شيخنا الكليني (ره) في الكافي الشريف ج ٨ ص ٢٤٥ ح ١٨٥، عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه أنه قال: كأني بالقائم عليه السلام على منبر الكوفة عليه قباء، فيُخرج من وريان قباته كتاباً مختوماً بخاتم من ذهب، فيفكه، فيقرأه على الناس، فيجفلون عنه إجفال الغنم، فلم يبق إلا النقباء، فيتكلم بكلام فلا يلحقون ملجاً حتى يرجعوا إليه، وإني لأعرف الكلام الذي يتكلم به). والمراد من وريان القباء: جيبه . وقد روى هذا المعنى وذكره: [صفحة 304] ج - سيدنا السيد مصطفى آل السيد حيدر (ره) في بشارة الإسلام ص ۲۲۱ من الباب الثالث في سيرته عليه السلام . وغيرهم رحمهم الله تعالى في غيرها. وقد ذكر شيخنا زين العابدين حفظه الله تعالى)، في كتابه بيان الأئمة عليهم السلام ج ٣ ص ۱۸۲ بعد نقله للرواية الشريفة المتقدمة عن كتاب كمال الدين وتمام النعمة لشيخنا الصدوق (ره) أن الشيخ الصدوق (ره) كتب تعليقاً على هذه الرواية المذكورة، ومما جاء في هذا التعليق قوله (ره): (لعل المراد بالكلام الذي يذكره القائم عليه السلام لأصحابه هو جعله كربلاء قبلة للناس). والذي يبدو أن شيخنا زين العابدين قد نقل هذا الكلام من نسخة لم تلعب بها يد التحريف والأهواء . إذ أن النسخ المتوفرة في أسواق الكتب والمكتبات خلية من هذا الكلام أصلاً، ولا عجب في ذلك، فمثل هذا كثير. ولولا شنشنة أعرفها من أخزم، لـ ........... وقد قال شيخنا زين العابدين حفظه الله تعالى في ص ۱۸۳ تعليقاً على كلام شيخنا الصدوق (ره) هذا: (وأما الإحتمال الذي إحتمله الشيخ الصدوق في إكمال الدين من جعله كربلاء قبلة للناس، فهو مجرد احتمال، ولعله فهمه من روايات أخرى، أو لعله أراد أن يبين حكماً مخالفاً لظواهر الكتاب والسنة، مثل الأمر بتغيير أوقات الصلاة، والأمر بتغيير القبلة، ونحو ذلك من الأحكام الشرعية، كما سيأتي نظيره من تشريعات الإمام عليه السلام، ...). وقال أيضاً في ص ٦٩ من الجزء الثالث من كتابه بيان الأئمة عليهم السلام، في معرض حديثه عن فقهاء الإمامية الأجلاء: (وأما فقهاء الإمامية فهم يفرحون بظهوره، ويصدقون به، حتى لو أقام عليهم الحد، ويقبلون منه كل أمر ونهي . حتى إحتمل بعض العلماء أن الإمام القائم عليه السلام يحتمل أن يغير القبلة، ويغير بعض الأحكام في الإسلام . فلو أمرهم بتغيير القبلة، أو بتغيير القرآن، وتغيير كل شيء، فهم يقبلون منه؛ لأنهم يعلمون أنه لا يعمل برأيه، وأنه الخلف الصالح من آبائه البررة، ....) . وهنا إشارات تتناسب والإحتمال الذي ذكره شيخنا الصدوق (ره): الإشارة الأولى: كربلاء المقدسة أشرف من الكعبة المشرفة هي الطفوف، فطف سبعاً لمغناها فما لمكة معنى مثل معناها أرض، ولكنما السبع الشداد لها دانت، وطاطاً أعلاها لأدناها [صفحة 305] عليه، في البحار الشريف ج ٥٣ ص ۱۲ من ح ۱، أنه قال عليه السلام متحدثا عن كربلاء في وقت ظهور إمامنا صلوات الله عليه: (وليصيرن الله كربلاء معقلاً ومقاماً تختلف فيه الملائكة والمؤمنون وليكونن لها شأن من الشأن، وليكونن فيها من البركات مالو وقف مؤمن ودعا ربه بدعوة لأعطاه الله بدعوته الواحدة مثل ملك الدنيا ألف مرة . ثم تنفس أبو عبد الله عليه السلام، وقال: يا مفضل إن بقاع الأرض تفاخرت . ففخرت كعبة البيت الحرام، على بقعة كربلا، فأوحى الله إليها: أن اسكتي كعبة البيت الحرام، ولا تفتخري على كربلاء؛ فإنها البقعة المباركة التي تودي موسى منها من الشجرة، وإنها الربوة التي أويت إليها مريم والمسيح، وإنها الدالية التي غسل فيها رأس الحسين عليه السلام، وفيها غسلت مريم عيسى عليه السلام، واغتسلت من ولادتها، وإنها خير بقعة عرج رسول الله صلى الله عليه وآله منها وقت غيبته، وليكونن لشيعتنا فيها خيرة إلى ظهور قائمنا عليه السلام) . ودونك أيها المحب الحسيني طائفة من الأحاديث المعصومية الشريفة، أقتطفها لك من كتاب كامل الزيارات الشريف، في فضل كربلاء وعلو منزلتها: ) عن مح محمد بن سنان، عن أبي سعيد القماط، قال: حدثني عبدالله بن أبي يعفور، قال: )۱ سمعت أبا عبدالله عليه السلام، يقول الرجل من مواليه: يافلان، أتزور قبر أبي عبدالله الحسين بن علي عليهما السلام؟ قال: نعم، إني أزوره بين ثلاث سنين أو سنتين مرة . فقال له وهو مصفر الوجه: أما والله الذي لا إله إلا هو، لو زرته لكان أفضل لك مما أنت فيه . فقال له:: جعلت فداك، أكل هذا الفضل؟ فقال: نعم، الله لو أني حدثتكم بفضل زيارته وبفضل قبره لتركتم الحج رأساً، وما حج منكم أحد . ويحك، أما تعلم إن الله إتخذ بفضل قبره كربلاء حرماً آمناً مباركاً قبل أن يتخذ مكة حرماً . قال ابن أبي يعفور: فقلت له: قد فرض الله على الناس حج البيت ولم يذكر زيارة قبر الحسين عليه السلام . فقال: وإن كان كذلك، فإن هذا شيء جعله الله هكذا، أما سمعت قول أبي أمير المؤمنين عليه السلام حيث يقول: إن باطن القدم أحق بالمسح من ظاهر القدم، ولكن الله فرض هذا على العباد، أو ما علمت أن الموقف لو كان في الحرم؛ كان أفضل لأجل الحرم، ولكن الله صنع ذلك في غير الحرم)، ص ٢٦٦ وص ٢٦٧، باب ۸۸ ح ۲ . [صفحة 306] قول أمير المؤمنين عليه السلام: (إن باطن القدم أحق بالمسح من ظاهر القدم، ربما كان ذلك الملاحظة أن الوضوء طهارة ونظافة، وأن باطن القدم أكثر تعرضاً للأوساخ والقدر من ظاهره . وربما كان في ذلك إشارة إلى أن الطرف الملامس للصراط في يوم القيامة هو باطن القدم الاظاهره، ولذا فهو أحق بالمسح والتطهير المعنوي، وهذا ما يشير إليه ما يستحب ذكره عند مسح القدمين: (اللهم ثبتني على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، واجعل سعبي فيما يُرضيك عني ياذا الجلال والإكرام)، عن الفقيه الشريف ج ١ ص ٤٣ من ح ٨٤ . وربما كان غير ذلك من المعاني التي لا تصل إليها عقولنا . . قوله صلوات الله عليه: (أو ما علمت أن الموقف لو كان في الحرم،، هو موقف الحجاج في التاسع من ذي الحجة الحرام عند جبل عرفات وهو من أهم مناسك الحج في الإسلام . ۲ - (عن عمر بن يزيد بياع السابري، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن أرض الكعبة قالت: من مثلي وقد بنى الله بيته على ظهري، ويأتيني الناس من كل فج عميق، وجعلت حرم الله وأمنه. فأوحى الله إليها: أن كفي وقري، فوعزتي وجلالي ما فضل ما فضلت به فيما أعطيت به أرض كربلاء إلا بمنزلة الأبرة غرست في البحر فحملت من ماء البحر . ولولا تربة كربلاء ما فضلتك، ولولا ما تضمنته أرض كربلاء لما خلقتك ولا خلقت البيت الذي افتخرت به، فقري واستقري وكوني دنياً متواضعاً ذليلاً مهيناً غير مستنكف ولا مستكبر الأرض كربلاء، وإلا سخت بك وهو يت بك في نار جهنم)، ص ٢٦٧، باب ۸۸ ۳. تعليق: 1 فرست ت و في نسخة أخرى: (غمست) . وه وكوني دنيا،، نقلها في البحار الشريف ج ۱۰۱ ص ۱۰۷ ح ۳، عن كامل الزيارات الشريف: وكوني ذنباً، وهو الأبلغ في المقام، والأنسب للسياق . -) عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: خلق الله تبارك وتعالى ۳ أرض كربلاء، قبل أن يخلق الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام، وقدسها وبارك عليها فما زالت قبل خلق الله الخلق مقدسة مباركة، ولاتزال كذلك حتى يجعلها الله أفضل أرض في الجنة، وأفضل منزل ومسكن يسكن الله فيه أولياته في الجنة)، ص ٢٦٨، باب ٨٨ ٤ . ٤ - (عن أبي الجارود، قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: اتخذ الله أرض كربلا حرماً آمناً [صفحة 307] من رياض الجنة، وأفضل مسكن في الجنة، لا يسكنها إلا النبيون والمرسلون، أو قال: أولوا العزم من الرسل، وإنها لتزهر بين رياض الجنة كما يزهر الكوكب الدري بين الكواكب الأهل الأرض، يغشى نورها أبصار أهل الجنة جميعاً، وهي تنادي: أنا أرض الله المقدسة الطيبة المباركة، التي تضمنت سيد الشهداء، وسيد شباب أهل الجنة)، ص ٢٦٨، باب ٨٨ ح ه . ه -) وقال أبو جعفر عليه السلام: الغاضرية هي البقعة التي كلم الله فيها موسى بن عمران عليه السلام، وناجى نوحاً فيها، وهي أكرم أرض الله عليه ولولا ذلك لما استودع الله فيها أوليائه وأنبيائه، فزوروا قبورنا بالغاضرية)، ص ٢٦٨ وص ٢٦٩، باب ٨٨ ٦ . ) عن صفوان الجمال، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: إن الله تبارك وتعالى )-٦ فضل الأرضين والمياه بعضها على بعض، فمنها ما تفاخرت، ومنها ما بغت، فما من ماء ولا أرض إلا عوقبت لتركها التواضع لله حتى سلّط الله المشركين على الكعبة، وأرسل إلى زمزم ماءاً ما لحاً حتى أفسد طعمه . وإن أرض كربلا وماء الفرات أول أرض وأول ماء قدس الله تبارك وتعالى فبارك الله عليهما . فقال لها: تكلمي بما فضلك الله تعالى، فقد تفاخرت الأرضون والمياه بعضها على بعض . قالت: أنا أرض الله المقدسة المباركة، الشفاء في تربتي ومائي، ولا فخر، بل خاضعة ذليلة لمن فعل بي ذلك، ولا فخر على من دوني، بل شكراً لله، فأكرمها وزاد في تواضعها، وشكرها الله بالحسين عليه السلام وأصحابه . ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله تعالى)، ص ۲۷۱، باب ۸۸ ح ١٥ . وإلى هذه المعاني، وهذه الأحاديث الشريفة، أشار سيدنا بحر العلوم (ره) في درته النجفية المعروفة فقال: ومن حديث كربلا والكعبة لكربلا بان علو الرتبة وغيرها من سائر المشاهد أمثالها بالنقل ذي الشواهد ولذا فإن إمامنا الصادق صلوات الله عليه، يقول: ) من فاتته عرفة بعرنات، فأدركها بقبر الحسين عليه السلام لم يفته . وإن الله تبارك وتعالى ليبدأ بأهل قبر الحسين عليه السلام قبل أهل عرفات . ثم قال: يُخالطهم بنفسه)، عن كامل الزيارات الشريف ص ۱۷۰ باب ۷۰ ح ه . ولا يخفى عليك أيها العزيز فإن الواقفين في عرفات هم زوار بيت الله الحرام إلا أن الله سبحانه [صفحة 308] ) عن عبد الله بن مسكان، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام إن الله تبارك وتعالى يتجلى لزوار قبر الحسين عليه السلام قبل أهل عرفات، ويقضي حوائجهم، ويغفر ذنوبهم، ويشفعهم في مسائلهم، ثم يثني بأهل عرفات .، فيفعل بهم ذلك)، عن كامل الزيارات الشريف ص ١٦٥ باب ٦٨ ج ١ . الإشارة الثانية: شيء من خصائص تربة كربلاء المقدسة أ - روى شيخنا أبو جعفر محمد بن قولويه (ره)، في كامل الزيارات الشريف ص ۲۷۱، باب ۸۹ ح ۱: (عن إسحق بن عمار، قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام، يقول: موضع قبر الحسين بن علي عليه السلام منذ يوم دفن فيه روضة من رياض الجنة . وقال: موضع قبر الحسين عليه السلام ترعة من ترع الجنة) بيان: الشرعة: هي الأرض الخضراء النضرة المرتفعة التي يكثر ماؤها . ب - وفي كامل الزيارات الشريف أيضاً ص ٢٦٤، باب ٨٨ من ح ۱، عن إمامنا السجاد صلوات الله عليه، عن عمته العقيلة صلوات الله عليها، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، عن جبرئيل عليه السلام: (... وإن سبطك هذا - وأومى بيده إلى الحسين عليه السلام - مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك وأخيار من أمتك بضفة الفرات، بأرض يقال لها كربلا؛ من أجلها يكثر الكرب والبلا على أعدائك وأعداء ذريتك في اليوم الذي لا ينقضي كربه ولا تفنى حسرته . وهي أطيب بقاع الأرض، وأعظمها حرمة، يُقتل فيها سبطك وأهله، وأنها من بطحاء الجنة، ...). بيان: البطحاء: الأرض المستوية ج - روى شيخنا الصدوق (ره) في الفقيه الشريف ج ۱ ص ۲۶۸ ۸۲۹، عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه، أنه قال: (السجود على طين قبر الحسين عليه السلام ينور إلى الأرض السابعة). د - روى شيخنا الطوسي (ره) في المصباح الشريف ص ٦٧٧، عن معاوية بن عمار (ره)، قال: ) كان لأبي عبد الله عليه السلام خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله عليه السلام، فكان إذا حضرته الصلاة صبه على سجادته وسجد عليه . ثم قال عليه السلام: إن السجود على تربة أبي عبد الله عليه السلام يخرق الحجب السبع). هـ - وروى شيخنا أبو جعفر الطوسي (ره) أيضاً في مصباحه الشريف ص ٦٧٨، عن عيسى بن جعفر (ره): (أنه سمع أبا الحسن، يقول: ما على أحدكم إذا دفن الميت ووسده التراب، أن [صفحة 309] والسلام. واللبنة من الطين التي توضع مقابل وجه الميت إنما هي من الطين الحسيني الكربلائي الشريف . و - وفي مصباح المتهجد وسلاح المتعبد الشريف ص ٦٧٦، عن الحسن بن علي بن فضال: (عن بعض أصحابنا، عن أحدهما عليهما السلام، قال: إن الله تعالى خلق آدم من الطين، فحرم الطين على ولده . قال: قلت: فما تقول في طين قبر الحسين عليه السلام . قال: حرم على الناس أكل لحومهم، ويحل لهم أكل لحومنا، ولكن اليسير منه مثل الحمصة) . قوله: (عن أحدهما عليهما السلام، إما هو إمامنا الباقر، وإما هو إمامنا الصادق صلوات الله عليهما وآلهما. وربما اشتملت هذه الرواية الشريفة على إشارة هي أن طينة أبدانهم الشريفة قد خالطتها طينة كربلائية مقدسة . ولذا يحدثنا: (حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: من أكل من طين قبر الحسين عليه السلام غير مستشف به فكأنما أكل من لحومنا، فإذا إحتاج أحدكم للأكل منه ليستشفي به، فليقل: بسم الله، وبالله، اللهم رب هذه التربة المباركة الطاهرة، ورب النور الذي أنزل فيه، ورب الجسد الذي سكن فيه، ورب الملائكة الموكلين به، إجعله لي شفاءاً من داء كذا وكذا، واجرع من الماء جرعة خلفه، وقل: اللهم إجعله رزقاً واسعاً، وعلماً نافعاً، وشفاءاً من كل داء وسقم . فإن الله تعالى يدفع عنك بها كل ما تجد من السقم والهم والغم إن شاء الله تعالى)، عن المصباح الشريف ص ٦٧٦ وص ٦٧٧ . الإشارة الثالثة: روح القبلة وحقيقتها قال شيخنا محمد حسين كاشف الغطاء (ره) في معرض حديثه عن ولادة أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام في الكعبة المشرفة: ) وفي ولادته رمز آخر لعله أدق وأعمق: وهو أن حقيقة التوجه إلى الكعبة هو التوجه إلى ذلك النور المتولد فيها، ولو أن القصد مقصور على محض التوجه إلى تلك البنية وتلك الأحجار لكان أيضاً نوعاً من عبادة الأصنام و معاذ الله)، ولكن التناسب يقضي بأن البدن وهو تراب؛ يتوجه إلى الكعبة التي هي تراب، والروح التي هي جوهر مجرد؛ تتوجه إلى النور المجرد . وكل جنس لاحق بجنسه: النور للنور، والتراب للتراب، وإلى بعض هذا أشار بعض شعراء الفاطميين، إذ [صفحة 310] بشر في العين إلا أنه من طريق العقل نور وهدى جل أن تدركه أبصارنا وتعالى أن نراه جدا فهو في التسبيح زلفى راكع سمع الله به من حمدا كاد من إجلاله أن يعبدا تدرك الأفكار منه جوهراً فهو الكعبة والوجه الذي وحد الله به من وحدا وهذان السطران من الشعر إن كان فيه شيء من الغلو ففيه كثير من الحقيقة، وفيه لمعات من التوحيد. نعم نتوجه بأبداننا في صلواتنا إلى الكعبة وبأرواحنا إلى النور الذي أشرق وأضاء فيها؛ نتوجه إليه فنجعله الوسيلة إلى الله كما قال عز شأنه:: إتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة، نتوجه إليه كي يوجهنا الخير والسداد، فالتوجه منا إليه والتوجيه منه لنا)، عن جنة المأوى ص ۱۰۷ وص ۱۰۸ وص ۱۰۹ / طبعة دار الأضواء، بيروت. وعلى نفس هذا السياق الشريف والذوق اللطيف يقول سيدنا الإمام الخميني (ره): (إعلم أن ظاهر الإستقبال متقوم بأمرين: أحدهما المقدمي: وهو صرف الوجه الظاهر عن جميع الجهات المتشتتة، والآخر النفسي: وهو الإستقبال بالوجه إلى الكعبة أم القرى ومركز بسط الأرض . ولهذه الصورة باطن، وللباطن سر بل أسرار وأصحاب الأسرار الغيبية يصرفون باطن الروح عن الجهات المتشتتة لكثرات الغيب والشهادة، ويجعلون جهة السر والروح أحدية التعلق، ويجعلون جميع الكثرات فانية في سر أحدية الجمع، فإذا تنزل هذا السر الروحي في القلب فيظهر الحق في القلب بظهور الإسم الأعظم الذي هو مقام الجمع الأسمائي، وتفنى الكثرات الأسمائية وتضمحل في الإسم الأعظم. وتكون وجهة القلب في هذا المقام إلى حضرة الإسم الأعظم . فإذا ظهرت هذه عن باطن القلب إلى ظاهر الملك فينتقش أفناء الغير في الإنصراف عن غرب عالم الملك وشرقه، وينتقش التوجه إلى حضرة الجمع في التوجه إلى مركز بسط الأرض الذي هو يد الله في الأرض . وأما بالنسبة إلى السالك الذي يسير من الظاهر إلى الباطن، ويترقى من العلن إلى السر فلا بد له أن يجعل هذا التوجه الصوري إلى مركز البركات الأرضية وترك الجهات المتشتتة المتفرقة التي هي الأصنام الحقيقية، ويتوجه إلى القبلة الحقيقية التي هي أصل أصول بركات السماوات والأرض، [صفحة 311] المتشتتة والكثرات المتفرقة ببارقة إلهية، ويؤيده الحق تعالى، وتنحط الأصنام الصغيرة والصنم الأعظم عن باطن القلب بيد الولاية، ولا إنتهاء لهذه القصة فأتركها وامض)، عن الآداب المعنوية الشريف ص ۲۰۳ و ص ٢٠٤ . الإشارة الرابعة: نغمات ولطائف من القرآن والحديث والأدب العرفاني (۱) وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً، واجعلوا بيوتكم قبلة، وأقيموا الصلاة، وبشر المؤمنين)، الآية الشريفة (۸۷) من سورة يونس المباركة . وفي عيون أخبار الرضا صلوات الله عليه ج ۱ ص ۱۸۲ من ح ۱ في مجلس إمامنا الرضا عليه أفضل الصلاة والسلام مع المأمون لعنة الله عليه، في الفرق بين العترة والأمة، حيث قال عليه السلام: (وأما الرابعة فإخراجه صلى الله عليه وآله الناس من مسجده ما خلا العترة، حتى تكلم الناس في ذلك، وتكلم العباس، فقال: يارسول الله تركت علياً وأخرجتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أنا تركته وأخرجتكم، ولكن الله عز وجل تركه وأخرجكم، وفي هذا تبيان قوله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى . . قالت العلماء: وأين هذا من القرآن؟ قال أبو الحسن: أوجدكم في ذلك قرآناً وأقرأه عليكم. قالوا: هات. قال: قول الله عز وجل: (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوعا لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة)، ففي هذه الآية منزلة هارون من موسى، وفيها أيضاً منزلة علي عليه السلام من رسول الله صلى الله عليه وآله، ...) . (۲) وفي تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي من علماء العامة ص ۱۲۹ من خطبة لأمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام، جاء فيها: ... فلما خلق آدم أبان للملائكة فضله، وأراهم ما خصه به من سابق العلم، فجعله محراباً وقبلة لهم فسجدوا له وعرفوا حقه، ثم بين لآدم حقيقة ذلك النور، ومكنون ذلك السير، ...) . [صفحة 312] وفي الوسائل الشريف ج ۳ ص ۲۱۹ ح ۱۵، عن إمامنا باب الحوائج موسى بن جعفر، عن أبيه الصادق المصدق صلوات الله عليهما وآلهما: ) أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: إنما مثلك في الأمة مثل الكعبة التي نصبها الله علماً، وإنما تؤتى من كل فج عميق ونأي سحيق، ولا تأتي) . وقد روى الشيخ العارف الحافظ البرسي (ره) في مشارق أنواره، عن أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام في ص ۱۷۱، قوله عليه السلام: أنا الطور، أنا الكتاب المسطور، أنا البحر المسجور، أنا البيت المعمور)، وفي ص ١٦٥، من خطبة علوية أخرى: (أنا إمام الأبرار، أنا البيت المعمور، أنا السقف المرفوع، أنا البحر المسجور، أنا باطن الحرم، أنا عماد الأمم، أنا صاحب الأمر الأعظم) .. فإنتبه ياعزيزي إلى قوله صلوات الله عليه: (أنا باطن الحرم،، وباطن الشيء حقيقته وكنهه ومحتواه . وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: (أنا البيت المعمور)، ولا يخفى عليك فالكعبة الشريفة إنما هي في الدنيا مثال وصورة للبيت المعمور الذي جعله الله سبحانه وتعالى حرماً لأهل السماء ومطافاً تطوف فيه الملائكة . (٤) وللسيد الأكمل المير داماد (ره) في ميلاد أمير المؤمنين عليه السلام: كالدر ولدت يا تمام الشرف في الكعبة واتخذتها كالصدف فاستقبلت الوجوه شطر الكعبة والكعبة وجهها تجاه النجف عن روضات الجنات ج ٢ ص ٦٧ ولشيخنا محمد حسين الأصفهاني (ره) في أمير المؤمنين عليه السلام: [صفحة 313] وإنه لكعبة التوحيد قبلة كل عارف وحيد الروحه المقدس المنيع ولاية التكوين والتشريع عن الأنوار القدسية ص ٢٤ ولشيخنا الحافظ البرسي (ره) في أئمته عليهم السلام: فرضي ونفلي وحديثي أنتم وكل كلي منكم وعنكم وأنتم عند الصلاة قيلتي إذا وقفت نحوكم أيمم خيالكم نصب لعيني أبداً وحبكم في خاطري مخيم عن الغدير الشريف ج ٧ ص ٤٧ ولسيد العرفاء في هذه الأعصار الإمام الخميني (ره)، أنقل شيئاً من شعره لمن يتذوق الأدب الفارسي الرفيع: هر طرف رو کنم تویی قبله قبله قبله نما نمیخواهم همه آفاق روشن از رخ تو است ظاهری جای پا نمیخواهم عن باده عشق ص ۲۷ بيان: رخ، في العربية تعني: عارض، خد، وجه . الإشارة الخامسة: فتنة تغيير القبلة في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة الشريفة على المشهور المعروف فتنت الأمة بتغيير قبلتها من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، وليس بعيداً أن يجري في آخر الأمة ما جرى في أولها . ولنستمع إلى القرآن الكريم يحدثنا عن: أولاً - حكمة الأمتحان: [صفحة 314] الكبيرة إلا على الذين هدى الله)، من الآية الشريفة (١٤٣) من سورة البقرة المباركة . وثانياً - مقالة السفهاء: سيقول السفهاء من الناس ما ولأهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، قل لله المشرق والمغرب، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)، الآية الشريفة (١٤٢) من سورة البقرة المباركة . والأحاديث المعصومية الشريفة وفيرة جداً في أن الصراط المستقيم على صلوات الله عليه، لاغيره . ومسك الختام في هذه الإشارات المقتضبة حديث يرويه شيخنا الكليني (ره) في الكافي الشريف ج ١ ص ٥٣٦ ٢: (عن أبي خديجة، عن أبي عبدالله عليه السلام، أنه مثل عن القائم عليه السلام، فقال: كلنا قائم بأمر الله، واحد بعد واحد، حتى يجيء صاحب السيف . فإذا جاء صاحب السيف جاء بأمر غير الذي كان) . وبهذا تمت الإشارات، والحر تكفيه إشارة . [صفحة 315] الوقفة الأخيرة عرضت بين يديك أيها المحب ما اقتطفته من رياض الأحاديث المعصومية الزاهرة، وتبين لك من مضامينها وفحواها: أن إمامنا عجل الله تعالى فرجه الشريف سيصلح كل ما فسد من دين الناس ودنياهم، وأن إصلاحه سينال كل شيء مهما كلف الثمن؛ وذلك لأن العدل والحق لايقومان في الأرض، ولا يُعمل بهما إلا بهذا الأسلوب وهذه الطريقة التي لا تسمح في البقاء والتأثير في المجتمع لأي جذر من جذور الشر والضلالة والظلم والجور، وتبادر لقطعه من جذمه كلما نبع شيء منه. ومن الموارد التي سيعمها الإصلاح والتغيير نحو الأحسن والأفضل والأكمل كما ذكرت الأحاديث الشريفة المتقدمة أحكام الشريعة وموازين القضاء وما كان على هذه الوتيرة من الأمور التي لها مدخلية كبيرة في تنظيم حياة الإنسان الدينية والدنيوية في مختلف أبعادها العبادية والأخلاقية، وما يرتبط بالمعاملات مع الخلق والحكومة العادلة، وما إلى ذلك من شتات المسائل المختلفة التي تعتمد عليها نواحي ومناحي الحياة الإنسانية المختلفة . وأجد مناسباً أن أذكر هنا بحثاً في غاية الموضوعية كتبه العلامة السيد محمد الصدر، جاء فيه: (إننا إذا لاحظنا الأحكام الإسلامية في عصر [صفحة 316] الإعتبار من حيث وجودها النظري والتطبيقي، نجد فيها أربع موارد من النقص والقصور: المورد الأول: الأحكام الإسلامية التي لم تعلن للناس أصلاً، بل بقيت معرفتها خاصة بالله ورسوله والقادة الإسلاميين) . فإن الأحكام التي أوصلها الله تعالى إلى البشر بواسطة الرسول صلى الله عليه وآله، وعرفها قادة الإسلام ... منها: ما أعلن بين الناس لكي يكون مدار عملهم وفقههم لفترة معينة. ومنها: أحكام بقيت مستورة عن الناس ومؤجل إعلانها إلى زمن ظهور المهدي عليه السلام وتطبيق العدل الكامل. وأوضح دليل على هذا الإنقسام: أننا نجد بالوجدان أن عدداً مهماً من الأحكام لم يكن في الإمكان أن يصدر في صدر الإسلام وزمن القادة الإسلاميين الأوائل لعدم معرفة المجتمع بموضوعها بالمرة، وعدم مناسبتها مع المستوى الفكري والثقافي له... كحكم ركوب الطائرة، واستعمال القنابل الجرثومية، وحكم زرع القلب وغير ذلك. ومعه، فالضرورة مقتضية لتأجيل بيان هذه الأحكام وإعلانها إلى ما بعد معرفة المجتمع بموضوعاتها. وهذا لا يكون مع البعد عن مصدر التشريع بطبيعة الحال، وإنما تعلن عند إتصال البشرية مرة ثانية بهذا المصدر متمثلاً بالإمام المهدي عليه السلام. [صفحة 317] المورد الثاني: الأحكام التالفة على مر الزمن، والسنة المندرسة خلال الأجيال، مما يتضمن أحكام الإسلام ومفاهيمه أو يدل عليها. فإن ماتلف من الكتب التي تحمل الثقافات الإسلامية على إختلافها، بما فيها أعداد كبيرة من السنة الشريفة والفقه الإسلامي، نتيجة للحروب الكبرى في التاريخ الواقعة ضد المنطقة الإسلامية، كالحروب الصليبية وغزوات التتار والمغول وغير ذلك ... عدد ضخم من الكتب يعد بمئات الآلاف، مما أوجب إنقطاع الأمة الإسلامية عن عدد مهم من تاريخها وتراثها الإسلامي، وإحتجاب عدد من الأحكام الإسلامية عنها. المورد الثالث: أن الفقهاء حين وجدوا أنفسهم محجوبين عن الأحكام الإسلامية الواقعية في كثير من الموضوعات المستجدة، والوقائع الطارئة على مر الزمن ... إضطروا إلى التمسك بقواعد إسلامية عامة معينة تشمل بعمومها مثل هذه الوقائع ... وهي قواعد إسلامية صحيحة تنقذ الفرد عند جهله بالحكم، تعين له الوظيفة الشرعية إلا أن نتيجتها في كل واقعة ليست هي الحكم الإسلامي الواقعي أو الأصلي في تلك الواقعة، وإنما هو ما يسمى بالحكم الظاهري، وهو يعني ما قلناه من تحديد الوظيفة الشرعية للمكلف عند جهله بالحكم الواقعي الأصلي . وهذا النوع من الأحكام الظاهرية أصبح بعد الإنقطاع عن عصر التشريع وإلى الآن مستوعباً لأكثر مسائل الفقه أو كلها تقريباً ما عدا الأحكام الواضحة الثبوت في الإسلام. والفتاوى [صفحة 318] وإنما نراهم يعطون الفتوى عادة بشكل قطعي، مشابه لإعطائهم الفتوى بالحكم الواقعي الأصلي . إلا أن مرادهم بقطعية الحكم: قطعية الحكم الظاهري، أي: أن هذه الفتوى التي هي غاية تكليف المكلفين في عصر الإحتجاب عن عصر التشريع . وهي الفتوى التي تتضمن إطاعة الله تعالى وتفريغ ذمة المكلف باليقين . وهذا أمر صحيح . إلا أنه لا يعني بحال أن تكون تلك الفتوى هي الحكم الإسلامي الواقعي . وهذا واضح لكل فقيه إسلامي، على مختلف المذاهب الإسلامية، ولا مجال في هذا التاريخ (1) إلى الإفاضة في ذلك أكثر من هذا المقدار . المورد الرابع: الأحكام غير المطبقة في المجتمع المسلم، بالرغم من وضوحها وثبوتها إسلامياً . سواء في ذلك الأحكام الشخصية العائدة إلى الأفراد أو العامة العائدة إلى تكوين المجتمع والدولة الإسلامية . حيث قلنا: إن الفشل في التمحيص الإلهي؛ يوجب خروج أكثر الأفراد عن أحكام الإسلام الواضحة وضروريات الدين) (1) . وبعد هذه المقدمة المجملة، أثير إنتباهك أيها العزيز كي تُمعن النظر في معان مهمة ذكرتها الأحاديث المعصومية الشريفة: الله [صفحة 319] أن إمامنا عليه أفضل الصلاة والسلام يهدم ما كان قبله ويبطله ۱ - (عن عبد الله بن عطاء قال: سألت أبا جعفر الباقر عليه السلام، فقلت: إذا قام القائم عليه السلام بأي سيرة يسير في الناس؟ فقال: يهدم ما قبله كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويستأنف الإسلام جديداً)) . -) عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن القائم عجل الله فرجه - إذا قام بأي سيرة يسير في الناس؟ فقال: بسيرة ما سار به رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يظهر الإسلام. قلت: وما كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: أبطل ما كان في الجاهلية واستقبل الناس بالعدل . وكذلك القائم عليه السلام إذا قام يبطل ما كان في الهدنة (1) مما كان في أيدي الناس، ويستقبل بهم العدل)) . - (عن عبد الله بن عطاء، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: أخبرني عن القائم عليه السلام. فقال: والله ما هو أنا، ولا الذي تمدون إليه أعناقكم، ولا يُعرف ولادته. قلتُ: بما يسير؟ قال: بما سار به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هدر ما قبله واستقبل (4) . )ب( وأنه صلوات الله وسلامه عليه يدعو إلى أمر جديد وسنة جديدة ۱ - (عن أبي بصير، عن كامل، عن أبي جعفر عليه السلام، أنه قال: إن [صفحة 320] قائمنا إذا قام دعى الناس إلى أمر جديد كما دعى إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء)) . ۲ - (عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن قول أمير المؤمنين عليه السلام: (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء) . فقال: يا أبا محمد، إذا قام القائم عليه السلام إستأنف دعاءً جديداً كما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قال: فقمت إليه، وقبلت رأسه، وقلت: أشهد أنك إمامي في الدنيا والآخرة، أوالي وَلَيكَ، وأعادي عدوك، وأنك ولي الله . فقال: رَحِمَكَ الله)) . - (وروى أبو خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال إذا قام القائم عليه السلام جاء بأمر جديد كما دعى رسول الله صلى الله عليه وآله في بدو الإسلام إلى أمر جديد)) . ٤ - من حديث يرويه أبو حمزة الثمالي (ره)، عن إمامنا الباقر صلوات الله عليه: (... فياطوبى لمن أدركه، وكان من أنصاره، والويل كل الويل لمن خالفه، وخالف أمره، وكان من أعدائه. ثم قال: يقوم بأمر جديد، وسُنّة جديدة، وقضاء جديد على العرب شديد ليس شأنه إلا القتل، ولا يستتيب أحداً، ولا تأخذه في الله لومة لائم)) . (۳) عن الإرشاد الشريف ص ٣٦٤. (1) عن غيبة شيخنا النعماني (ره) ص ۳۲۱ ح ۱ . [صفحة 321] )ج( وأنه عجل الله تعالى فرجه الشريف يخرج للناس المثال المستأنف الجديد ۱ - (عن رفيد مولى أبي هبيرة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال لي: يارفيد كيف أنت، إذا رأيت أصحاب القائم قد ضربوا فساطيطهم في مسجد الكوفة، ثم أخرج المثال الجديد، على العرب شديد ...)) . ۲ - (عن علي بن عقبة بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: كأني بشيعة علي في أيديهم المثاني يعلمون الناس المستأنف) (٢) . - عن جعفر بن يحيى، عن أبيه، عن أبي عبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام، أنه قال: كيف أنتُم، لو ضرب أصحاب القائم عليه السلام الفساطيط في مسجد كوفان؟! ثم يُخرج إليهم المثال المستأنف، أمر جديد، على العرب شديد) (۳) . وبعد وضوح هذه المعاني التي ذكرتها الأحاديث المعصومية الشريفة المعروضة بين يديك أيها المحب الودود، لابد أن تعلم أن إمامنا عليه السلام لا يجري كل هذه التغييرات من دون مقدمات تعين أهل الإيمان والولاء الصادق من شيعته صلوات الله عليه، وأهل الإنصاف، وذوي الوجدان، وطلاب الحقيقة من بني الإنسان كافة على الطاعة والتسليم . ولذلك فإنه (۱) عن البحار الشريف ج ٥٢ ص ۳۱۸ من ح ۱۸ . [صفحة 322] صلوات الله عليه: أولاً - يبعث القوة في قلوب أهل الإيمان وطالبيه حقاً كي تعينهم على المرابطة والتسليم والثبات: إذ ورد في الحديث الشريف عن إمامنا الباقر صلوات الله عليه، عن أبيه، عن جده عليهما السلام، عن إمامنا أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام، أنه قال وهو على المنبر متحدثاً عن إمام زماننا صلوات الله عليه: .... إذا هز رايته أضاء لها ما بين المشرق والمغرب، ووضع يده على رؤوس العباد فلا يبقى مؤمن إلا صار قلبه أشد من زير الحديد، وأعطاه الله قوة أربعين رجلاً، ...) (1) . ثانياً - يجمع العقول ويرقيها، ويُكمل الأحلام (1) والأخلاق: فقد روى شيخنا الصدوق (ره): (عن إبن أبي يعفور، عن مولى لبني شيبان، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال: إذا قام قائمنا عليه السلام وضع يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم، وكملت بها أحلامهم . وروى أبو خالد الكابلي (ره): (عن أبي جعفر عليه السلام، قال: إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم، وأكمل بها أخلاقهم)) . ثالثاً - ينشر صلوات الله عليه من العلوم ما لم يتمكن أحد قبله مطلقاً من (۱) عن كمال الدين وتمام النعمة الشريف ج ٢ ص ٦٥٣ من ح ١٧. (۲) المراد منها ملكاتهم العقلية وقواهم الفكرية والنظرية . [صفحة 323] نشرها: حيث يحدثنا شيخنا الأجل قطب الدين الراوندي (ره): (عن أبان عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: العِلم سبعة وعشرون جزءاً (1)، فجميع ما جاءت به الرسل جزءان . فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الجزئين . فإذا قام القائم أخرج الخمسة والعشرين جزءاً فبتها في الناس، وضم إليها الجزئين؛ حتى يبتها سبعة وعشرين جزءاً) (۲) وروى شيخنا أبو جعفر الكليني (ره)، حديث الراهب والراهبة مع إمامنا موسى بن جعفر صلوات الله عليهما، حيث جاء فيه: .... ثم إن الراهب، قال: أخبرني عن ثمانية أحرف نزلت فتبين في الأرض منها أربعة، وبقي في الهواء منها أربعة، على من نزلت تلك الأربعة التي في الهواء، ومن يفسرها؟ قال: ذاك قائمنا ينزله الله عليه فيُفسره، وينزل عليه ما لم ينزل على الصديقين والرسل والمهتدين)) وجاء في وصية أمير المؤمنين عليه السلام، لكميل بن زياد رضوان الله (۱) والذي يظهر من الروايات الشريفة التي تحدثت عن علومهم الشريفة الخاصة بهم والتي لا يحتملها أحد من الخلق غيرهم: أن علومهم صلوات الله عليهم أوسع بكثير مما ذكر في هذه الرواية الشريفة . بل، لاقياس في البين، وإنما تحدثت هذه الرواية عن سعة دائرة ما يتمكن أن يصل إليه عقل الإنسان من أمثالنا بعد رقيه في زمان الظهور الشريف . [صفحة 324] تعالى عليه: (يا كميل ما من علم إلا وأنا أفتحه، وما من سر إلا والقائم عليه السلام يختمه) (1) . ودونك أيها العزيز هذه الرواية الشريفة، فتبصر في معانيها ودلالتها، فإنها تتحدث عن حقيقة في غاية الأهمية، لو بنى الإنسان على أساسها تفكيره ونظره في التعامل مع الإمام المعصوم صلوات الله عليه، لنجي من الفتن والإبتلاءات كلها. حيث يقول إمامنا السجاد زين العابدين صلوات الله وسلامه عليه: (إن دين الله عز وجل لا يُصاب بالعقول الناقصة، والآراء الباطلة، والمقائيس الفاسدة، ولا يصاب إلا بالتسليم . فمن سلم لنا سلم، ومن إقتدى بنا هدي، ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك، ومن وجد في نفسه شيئاً مما نقوله أو نقضي به حرجاً كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم، وهو لا يعلم) . (1) وجاء في دار السلام لشيخنا المحدث النوري (ره) ج ۲ ص ۲۷: (...، وما من شيء إلا والقائم عليه السلام يختمه) [صفحة 325] حكمة بالغة وحجة دامغة قال إمام زماننا صلوات الله عليه: (لا لأمره تعقلون، ولا من أوليائه تقبلون، حكمة بالغة فما تغني النذر عن قوم لا يؤمنون)) . ) عن محمد بن سنان، قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام، فأجريت إختلاف الشيعة. فقال: يا محمد، إن الله تبارك وتعالى لم يزل متفرداً بوحدانيته، ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء، فأشهدهم خلقها، وأجرى طاعتهم عليها، وفوض أمورها إليهم، فهم يحلون ما يشاؤون، ويحرمون ما يشاؤون، ولن يشاؤوا إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى . ثم قال: يا محمد هذه الديانة التي من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها محق، ومن لزمها لحق . خُذها إليك يا محمد) (1) . (۲) (۱) عن البحار الشريف ج ۱۰۲ ص ۸۱ ح ۱، من زيارة الإمام الحجة عليه السلام المعروفة بزيارة آل ياسين المشهورة . [صفحة 327] الفتنةُ التاسعة: أن يكون الظهور الشريف من دون أن تحدث العلائم المعروفة المترقبة «المحتومة» . الفتنةُ العاشرة: أن يكون أول خروج إمامنا عليه السلام من غير مكة المكرمة. الفتنةُ الحادية عشرة: إخفاء إمامنا عليه السلام نفسه الشريفة عن أنصاره وخواصه بعد ظهوره لهم في مكة المكرمة إبتلاءاً وتمحيصاً لثباتهم ومدى إخلاصهم له صلوات الله عليه. [صفحة 329] الوقفة الأولى: الفتنة التاسعة أن يكون الظهور الشريف من دون أن تحدث العلائم المعروفة المترقبة "المحتومة" وذلك أن يكون ظهوره بغتةً ومفاجأة، دون حدوث العلائم الحتمية التي يترقب الشيعة حدوثها. وقد أشار إمام زماننا صلوات الله عليه إلى هذا المعنى في الرسالة الأولى التي بعثها إلى شيخنا المفيد (ره)، حيث جاء فيها: ) فليعمل كل إمرء منكم بما يقرب به من محبتنا، ويتجنب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا؛ فإن أمرنا بغتة فجاءة، حين لا تنفعه توبة، ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة، والله يلهمكم الرشد، ويلطف لكم في التوفيق برحمته) (1). ووردت الإشارة إلى ذلك في كتابنا الكريم في الآية الشريفة: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء، حتى إذا فرحوا بما أوتوا، أخذناهم بغتةً، فإذا هم مبلسون) (1) . [صفحة 330] حيث قال إمامنا الباقر صلوات الله عليه، في بيان معناها: ما (وأما قوله: حتى إذا فرحوا بما أوتوا، أخذناهم بغتةً، فإذا هم مبلسون؛ يعني: قيام القائم) (1) . وروى شيخنا الصدوق (ره)، عن إمامنا الرضا صلوات الله وسلامه عليه: (أن النبي صلى الله عليه وآله، قيل له: يارسول الله، متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال عليه السلام: مثله مثل الساعة التي لا يجليها لوقتها إلا هو، ثقلت في السماوات والأرض، لا تأتيكم إلا بغتة (1))) . وهذا هو معنى: أنه صلوات الله عليه يظهر في شبهة ليستبين، حيث جاء في الأخبار والأحاديث: أنّ المفضل (ره) سأل إمامنا الصادق صلوات الله عليه، فقال: يا مولاي، فكيف بدؤ ظهور المهدي عليه السلام، وإليه التسليم؟ قال عليه السلام: يا مفضل يظهر في شبهة ليستبين، فيعلو ذكره، ويظهر أمره، ويُنادى بإسمه وكنيته ونسبه، ويكثر ذلك على أفواه المحقين، والمبطلين، والموافقين، والمخالفين؛ لتلزمهم الحجة بمعرفتهم به ...) (1) . ويؤيد هذه المعاني حديث أبي هاشم الجعفري (ره)، والذي ذكر في أول هذا الكتاب، وأعيده هنا لأهميته ومناسبته للمقام، إذ يقول (ره): (1) عن بصائر الدرجات الشريف ص ٩٨ من ح ه . (۲) من الآية الشريفة (۱۸۷) من سورة الأعراف المباركة . [صفحة 331] كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا عليهما السلام، فجرى ذكر السفياني، وما جاء في الرواية من أن أمره من المحتوم. فقلت لأبي جعفر عليه السلام: هل يبدو لله في المحتوم؟ قال: نعم . قلنا له: فنخاف أن يبدو لله في القائم، فقال: إن القائم من الميعاد، والله لا يخلف الميعاد (1) . وليس خفياً عليك أيها المحب الموالي أن العلائم التي نترقبها مبشرة بالظهور الشريف محتومة في أعلى درجاتها. ولم نجد في أحاديثنا المعصومية الشريفة علامةً واحدةً من الميعاد الذي لا يخلفه الله سبحانه وتعالى . إذ ليس من الميعاد في هذا الباب سوى ظهوره الشريف صلوات الله عليه، كما يبدو ذلك واضحاً جلياً فيما أشارت إليه الرواية الشريفة المتقدمة . وربما أعان على هذا المعنى: وهو الظهور المباغت والمفاجئ، ماجاء في زيارة إمامنا الحجة الغائب الشاهد صلوات الله عليه، والتي يزار بها صلوات الله عليه في يوم الجمعة الشريف، إذ تقول الزيارة المباركة: ) يا مولاي، يا صاحب الزمان، صلوات الله عليك وعلى آل بيتك، هذا يوم الجمعة، وهو يومك المتوقع فيه ظهورك، والفَرجُ فيه للمؤمنين على يديك، وقتل الكافرين بسيفك، ...)) . فتوقع الظهور العزيز لإمامنا عليه أفضل الصلاة والسلام في كل جمعة يشير إلى المعنى الذي نحن بصدده، بل روى شيخنا النعماني (ره): [صفحة 332] ) عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: أقرب ما يكون هذه العصابة من الله، وأرضى ما يكون عنهم؛ إذا افتقدوا حجة اللهِ، فَحُجب عنهم، ولم يظهر لهم، ولم يعلموا بمكانه، وهم في ذلك يعلمون ويوقنون: أنه لم تبطل حجة الله، ولا ميثاقه. فعندها توقعوا الفرج صباحاً ومساءً، ......)). وهذا المعنى الذي تذكره هذه الرواية الشريفة يمكن أن نجد له إنطباقاً عملياً ولو في مجموعة قليلة من الشيعة على مر العصور . وعليه فإن توقعهم للظهور الشريف حتى مع فرض قلتهم، لابد أن يكون: صباحاً ومساءً) كما تقول الرواية المذكورة . وكل ذلك يشير إلى إحتمال حدوث البداء حتى في العلامات المحتومة لظهور إمامنا صلوات الله عليه . وإن يغلب الظن على الذي يراجع الروايات الشريفة، وينفذ إليه الإطمئنان بحدوث هذه العلامات إن شاء الله تعالى؛ لأن حدوثها يكون منبهاً وموقظاً لضمائر وقلوب شيعة آل الرسول صلوات الله عليهم أجمعين، وباعثاً لهم على التهيؤ والإستعداد للقاء إمامهم عليه السلام ونصرته والتسليم لأمره المقدس . ولكن مع كل هذا لابد للشيعي المخلص أن يتوقع كل أنواع الإمتحانات والإختبارات والتي قد تكون من جملتها هذه الفتنة وهذا الإمتحان!!! [صفحة 333] الوقفة الثانية: الفتنة العاشرة أن يكون أول خروج إمامنا عليه السلام من غير مكة المكرمة لم ترد روايات صريحة أكيدة من طرق الخاصة عن الأئمة عليهم السلام، في أن الإمام عليه السلام سيكون أول خروجه من غير مكة المكرمة، بحسب الإطلاع المحدود لهذا العبد . نعم هناك من علمائنا الأجلاء، ومحدثينا الكرام (ره) من نقل هذا المعنى عن المخالفين: فهذا المحدث الأربلي (ره) ينقل عنهم: (قال النبي صلى الله عليه وآله: يخرج المهدي من قرية يقال لها كرعة (1) . ويذكر سيدنا ابن طاووس (ره) من طرقهم: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يخرج المهدي من قرية يقال لها كرعة)) . ويستظهر السيد محمد الصدر في كتابه تاريخ ما بعد الظهور: أنها گرعة) (۳)، وليس (كرعة، ولم يذكر الباعث، أو السبب، أو الدليل [صفحة 334] على إستظهاره هذا . وعلى أي حال، فإنها إن كانت: «كرعة، أو كانت «كرعة، فلم تذكر لنا كتب المعاجم والتأريخ موضعاً يُعرف بهذا الإسم. نعم ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان رواية: (عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: يخرج المهدي من قرية باليمن يقال لها: كرعة (1) . ولم يُعلّق شيئاً على ذلك، كطريقته في تعريف البلدان والمواضع والمنازل . وذكر محدثهم إبن الصباغ المالكي في فصوله المهمة: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يخرج المهدي من قرية يقال لها: كريمة () . (وكريمة (هذه أكثر مجهولية من سابقتها. وجاء في معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام: .... فالأقرب فيه عندنا أن وزيره (۳) اليماني الذي يظهر قبله ببضعة أشهر يخرج من قرية يُقال لها: كرعة أو كريمة، ثم من صنعاء ...))، وهو كلام له وجه. ومهما كان من كلام، فكل ذلك تخرصات . وإني لم أعبأ بروايات المخالفين هذه حين ذكرتها - لأنهم يجانبون الحق والصواب في دينهم وعقيدتهم . حيث يقول إمامنا الصادق المصدق المطهر عليه أفضل الصلاة والسلام: (ما) خالف العامة ففيه الرشاد) () - إلا لما جاء في الحديث الشريف: (۱) عن معجم البلدان ج ٤ ص ٤٥٢ (۲) عن الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة عليهم السلام ص ٢٩٥، من الفصل الثاني عشر . (۳) (الهاء، في وزيره، عائدة على إمام زماننا صلوات الله عليه . [صفحة 335] ) عن أبي عبيدة الحذاء، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن هذا الأمر، متى يكون؟ قال: إن كنتم تُؤمِّلُونَ أن يجيئكم من وجه، ثم جاءكم من وجه (۱) فلا تنكرونه) (). إذ ربما أشار هذا الحديث الشريف إلى إمكان خروجه عليه السلام من موضع آخر، أو جهة أخرى، ليست هي مكة المكرمة . إلا أن الأحاديث المعصومية الشريفة في غاية الكثرة والتوافر والتي تشهد أن يومه المأمول تبدأ ساعاته الشريفة الأولى في بيت الله الحرام، وبالتحديد بين الركن والمقام . وفقنا الله تعالى أن تُدرك ذلك اليوم الميمون، ونحن في مقام الخدمة والطاعة والعبودية . إحتمال: وهو بعيد، إلا أن ذكره لا يخلو من فائدة . وهو أن تكون لفظة (كرعة) مصحفة من لفظة (كراع)، وهو: (كراع الغميم)، الذي جاء في تعريفه: (واد بينه وبين المدينة نحو من مائة وسبعين ميلاً، وبينه وبين مكة بنحو ثلاثين ميلاً، ومن عسفان إليه ثلاثة أميال) (۳)، فهو في أرض الحجاز إذاً، وقريب من مكة أيضاً (۱) والتقدير هنا: «ثم جاءكم من وجه آخر) . [صفحة 336] الوقفة الثالثة: الفتنة الحادية عشرة إخفاء إمامنا عليه السلام نفسه الشريفة عن أنصاره وخواصه، بعد ظهوره لهم في مكة المكرمة، إبتلاءاً وتمحيصاً لثباتهم ومدى إخلاصهم له صلوات الله عليه . والفتنة هذه من أحرج الفتن العقائدية القلبية، وأصعب الإمتحانات الباطنية النفسية التي تمر بأصحاب الإمام عليه السلام وخواصه، إذ يقول أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام في خطبته الشريفة، متحدثاً عن إمام زماننا صلوات الله عليه وأصحابه: .... فيقولون له: أنت المهدي، فيقول لهم: نعم، يا أنصاري، ثم إنه يخفي نفسه عنهم؛ لِيَنظُرَهم: كيف هم في طاعته؟ فيمضي إلى المدينة فيُخبرونهم أنه لاحق بقبر جده رسول الله صلى الله عليه وآله، فيلحقونه بالمدينة، فإذا أحس بهم يرجع إلى مكة . فلا يزالون على ذلك ثلاثاً (1)، ثم (1) المراد أن ترددهم بين مكة والمدينة بحثاً عن الإمام عليه السلام سيكون ثلاث مرات، وإنما كان [صفحة 337] يتراءى لهم بعد ذلك بين الصفا والمروة، فيقول: إني لست قاطعاً أمراً حتى تبايعوني على ثلاثين خصلة تلزمكم، لا تغيرون منها شيئاً، ولكم عَلَي ثَمانُ خصال . فقالوا: سمعنا وأطعنا، فإذكر لنا ما أنت ذاكره يا ابن رسول الله. فيخرج إلى الصفا، فيخرجون معه، فيقول: أبا يعكم على أن ....)) . وربما كانت هذه الرواية الشريفة مشيرة إلى هذا المعنى: ) عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: إن بلغكم عن صاحبكم غيبة فلا تنكروها) (٢) وقد إستفاد بعض العلماء (۳) هذا المعنى من الروايتين الشريفتين: ۱ - (عن الأصبغ بن نباتة، قال: أتيت أمير المؤمنين عليه السلام، فوجدته متفكراً ينكتُ في الأرض . فقلتُ: يا أمير المؤمنين مالي أراك متفكراً تنكت في الأرض، أرغبةً منك فيها؟ فقال: لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوماً قط، ولكني فكرت في مولود يكون من ظهري، الحادي عشر من ولدي: هو المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، تكون له غيبة وحيرة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون . فقلت: يا أمير المؤمنين، وكم تكون الحيرة والغيبة؟ (۱) عن إلزام الناصب ج ٢ ص ٢٠٤ . (۲) عن غيبة شيخنا النعماني (ره) ص ۱۸۸ ح ٤٢ . [صفحة 338] قال: ستة أيام، أو ستة أشهر، أو ست سنين . فقلت: وإن هذا لكائن؟ فقال: نعم، كما أنه مخلوق، وأنى لك بهذا الأمر يا أصبغ! أولئك خيار هذه الأمة، مع خيار أبرار هذه العترة . فقلتُ: ثم ما يكون بعد ذلك؟ فقال: ثم يفعل الله ما يشاء، فإن له بداءات، وإيرادات، وغايات، ونهايات) (1) . ۲ - (عن المفضل بن عمر، قال: قلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: ما علامة القائم؟ قال: إذا إستدار الفلك (۳)؛ فقيل: مات أو هَلكَ؟ في أي واد سلك؟ قلت: جعلت فداك، ثم يكون ماذا؟ قال: لا يظهر إلا بالسيف)) . بيان: لم يوضح صاحب هذه الإستفادة وجه إستفادته من الروايتين المذكورتين بشكل واضح جلي . إلا أن الناظر في معاني هاتين الروايتين الشريفتين ربما يجد قرينةً في الرواية الأولى تناسب المقام، وذلك قوله عليه السلام: أولئك خيار هذه الأمة، مع خيار أبرار هذه العترة »، إذ أن هذه الأوصاف تتكرر دائماً في أحاديث أهل البيت عليهم السلام في وصف أصحاب إمام (۱) عن الكافي الشريف ج ۱ ص ۳۳۸ ح ۷ . (۲) ورد في رواية عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه، في معنى إستدارة الفلك، أنه قال: [صفحة 339] زماننا عليه السلام حين الظهور الشريف . وتشير الرواية هنا إلى أن الموصوفين بهذه الأوصاف هم أصحاب هذا الإمتحان والإختبار . وعلى أي حال فإن المقطع المذكور في أول الكلام من خطبة سيد الأوصياء صلوات الله عليه وعليهم يكفي في شرح وبيان هذه الفتنة، وهذا التمحيص . [صفحة 340] الوقفة الأخيرة إن ما تقدم ذكره في الفتنة التاسعة، والفتنة العاشرة، والفتنة الحادية عشرة لم ترد بخصوصه روايات كثيرة وصريحة، اللهم إلا ما ذكر صريحاً في بعض من الأحاديث والأخبار بخصوص الفتنة الحادية عشرة. ولذا فإني قد أخرتُ ذكر هذه الفتن، ولم أطل الوقوف على أعتابها. إلا أن في المقام تنبيهات مهمة لابد من الإشارة إليها، ولو بنحو مجمل: 1 - ما ذكر من معنى المباغتة والمفاجأة لظهور إمامنا صلوات الله عليه: وهو عدم حدوث العلائم المترقبة قبل ظهوره الشريف، إنما هو إحتمال يقوى بالقرائن المذكورة في الروايات الأخرى، كرواية أبي هاشم الجعفري (ره)، والتي ذكرت: أن البداء ربما سيطال خروج السفياني فلا يخرج، وهو العلامة الحتمية المعروفة التي ينتظرها الشيعة ويتوقعون حدوثها بين حين وآخر. وقد وردت بشأنها روايات كثيرة جداً من طرقنا، ومن طرق المخالفين. وهناك إحتمالات أخرى في معنى المباغتة والمفاجأة، منها: أ - أن يكون الظهور الشريف بغتةً وفجأةً على حين غفلة من طواغيت الأرض وجبابرتها، إذْ هُم مُنغمسون في جرائمهم، ووحشيتهم، وظلمهم، [صفحة 341] رؤوسهم التي حملت الكفر والفجور والضلالة، ولات حين مناص). ب - أن تكون المفاجأة والمباغتة لأولئك الذين يخدعون أنفسهم ويخدعون الناس بكونهم على التشيع والولاء لأهل البيت عليهم السلام وهم أبعد ما يكونون عن ذلك وإن تمسكوا بمناسك وظواهر إعتادوا على الإتيان بها، دون أن ينفذ نور المعرفة إلى قلوبهم الوعرة التي ران ماران عليها بما كانوا يكسبون، إذ أنهم كما تصفهم الأحاديث الشريفة: يأكلون الناس بآل محمد صلوات الله عليهم، ويصفهم إمامنا الصادق عليه السلام فيقول: (أحبونا، وسمعوا كلامنا، ولم يقصروا عن فعلنا، ليستأكلوا الناس بنا فيملأ الله بطونهم ناراً؛ يُسلّط عليهم الجوع والعطش)، وأما دينهم - أي ولايتهم لأهل البيت عليهم السلام - فهو: (لعق (1) على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون)) . وهذا المعنى نفسه هو الذي أشار إليه إمام زماننا عليه السلام، في رسالته للشيخ المفيد (ره): ) فليعمل كلُّ امرء منكم بما يقرب به من محبتنا، ويتجنب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإن أمرنا بغتة فجاءة، حين لا تنفعه توبة، ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة) . حيث جعل ميزان النجاة: القُرب من محبتهم، والبعد عن كرههم (۱) من الآية الشريفة (۳) من سورة ص المباركة . (۲) عن تحف العقول الشريف ص ٣٨٤، من وصية المفضل بن عمر (ره) للشيعة [صفحة 342] وسخطهم . ج - وقد تكون المفاجأة والمباغتة للمخالفين الذين تفرقت بهم سبل الباطل، وعمتهم العصبية الجاهلية عن إتباع الحق، وذلك ما تشير إليه الآية الشريفة: (يوم يأتي بعض آياتِ رَبِّكَ، لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبتْ في إيمانها خيراً، قُل إنتظروا إنا منتظرون (1)، والإيمان حقيقةً: هو الكون على المذهب الأثني عشري فحسب، إذ غيره الكفر والضلال والشرك والإلحاد . بل ربما كانت هذه الآية ناظرة أيضاً إلى أولئك الشيعة الذين لا يعيشون مع إمام زمانهم صلوات الله عليه في غيبته بقلوبهم وأرواحهم وعقولهم، حيث يحدثنا شيخنا الصدوق (ره): ) عن علي بن رئاب، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال، في قول الله عز وجل: (يوم يأتِ بعض آيات ربك، لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، قال: الآيات: الأئمة، والآية المنتظرة: القائم عليه السلام، فيومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت به من قبل قيامه بالسيف، وإن آمنت بمن تقدم من آبائه عليه السلام) (٢). د - وربما كانت المفاجأة المذهلة، والمباغتة السريعة لظهور إمامنا عليه السلام لكل هذه الأصناف التي ذكرت وزاغت عن طريق الحق، وجادة الهدى والرشاد، كل بحسبه ومقداره. وكيف لا يكون ظهوره الشريف [صفحة 343] مفاجأة تهز كيان العالم بأسره ونحن نجد في أحاديثنا المعصومية الشريفة أنه حتى الموتى يشاركون الأحياء فرحتهم بظهوره المقدس . هذا لمن أحبه وانتظره . وأما من غفل عنه، وشغلته الدنيا عن ذكره الشريف، أو حالت بينه وبين ذلك جرائمه ومعاصيه، فإن الظهور الشريف سيكون حتماً مفاجأةً في غاية الشدة له ولأمثاله وأتباعهم . ۲ - إن حدوث العلائم المحتومة قبل ظهور إمامنا عليه السلام، كالصيحة في شهر رمضان مثلاً، إنما هو من قبيل اللطف الذي يحث الإنسان ويدنيه إلى باب التوبة الصادقة، والمحاسبة الواقعية للنفس؛ كي يتمكن الإنسان من إصلاح عيوبه قبل شروق الشمس المهدوية الشريفة حين تتلاشى الغيوم، ويزول الضباب، ولا عذر بعد ذلك اليوم، ولا تدليس . وإن اللطف لا يكون ما لم يكن هناك أناس ينتفعون منه، وحتى لو كان؛ السعة الجود الإلهي، وسبوغ الرحمة الإلهية، وعظمة الحلم الرباني، فإن من لم يدركه التوفيق تمر عليه هذه العلائم، أو يمر عليها، وكأن شيئاً لم يكن، إذ من طبع على قلبه لا يميز بين ليل الضلالة الحالك، ونهار الهدى المشرق إن لم يكن يرى أن نهاره التعيس هو في ظلام الغي الدامس؛ لشدة ظلمانية قلبه الموحش المقفر، ومن هنا فلربما لا تحدث هذه العلائم كلها أو بعضها، فعلى سبيل المثال: لو أن المجتمع الشيعي في الزمان الذي يقارب زمن الظهور الشريف لا يستحق التوفيق لنصرة إمام زماننا عليه السلام، إذ أن هذا الدين [صفحة 344] حدثت أولم تحدث لا تؤثر شيئاً في القلوب الساهية، التي تغط في سبات ثقيل ونوم عميق . نعم، إن في ذلك تأكيداً للحجة والبرهان عليهم . ومع كل هذه الإحتمالات، فإن الناظر إلى الأحاديث المعصومية الشريفة في هذا الخصوص، يغلب عليه الظن بحدوث هذه العلائم، ووقوعها إن شاء الله تعالى . - وأما ما جاء مذكوراً في الفتنة العاشرة: وهو خروج إمامنا عليه ۳ السلام من غير مكة المكرمة فهو أمر محتمل وممكن، إلا أن الروح العقائدية والمعنوية تؤيد أن يكون خروجه من البيت العتيق لإنه: أ - مهد ولادة الولاية العلوية المقدسة ب - موطن البعثة النبوية الشريفة، ورمزها التوحيدي . ج - قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم علماً أن ما في أيدينا من الأحاديث المعصومية الشريفة، تشهد: بأن الظهور المبارك ستكون بدايته بين الركن والمقام . وفقنا الله تعالى أن ندرك ذلك اليوم، وأن نكون ممن يبايعه عليه أفضل الصلاة والسلام، في رحاب المسجد الحرام، آمين، آمين ٤ - وأما الفتنة الحادية عشرة والتي ستكون لأصحابه وخواصه بنحو دقيق مفصل، ولغيرهم بنحو مجمل . إذ أن أصحابه ستمحص في هذه الفتنة نواياهم، وقدراتهم على التسليم، والثبات، والإخلاص، والطاعة، [صفحة 345] في الشيعة بنحو عام، بل في المنتظرين، والمتشوقين، والمستعدين ـ بحسب الظاهر - لنصرته عليه السلام بنحو خاص، من يصفهم إمامنا الصادق عليه السلام، فيقول: إفترق الناس فينا على ثلاث فرق: فرقة أحبونا إنتظار قائمنا؛ ليُصيبوا من دنيانا، فقالوا، وحفظوا كلامنا، وقصروا عن فعلنا؛ فسيحشرهم الله إلى النار، .....)). فتكون هذه الفتنة، وهذا الإمتحان مقدمة لأخذ البيعة التي لا تكون جزافية، أو سهلة كبيعة كل رعية إلى سلطانها: كلمات رنانة وفعل أجوف من الحاكم والمحكوم . بل إن هذه البيعة بيعة مع الله سبحانه وتعالى، وبيعة مع كل الأنبياء والرسل، ومع نبينا المصطفى سيدهم وخاتمهم بنحو أخص، صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين، وبيعة مع كل الأوصياء، ومع أئمتنا الذين هم سادتهم بنحو أخص، صلوات الله عليهم وعلى من سبقهم من الوصيين . إنها البيعة مع إمام زماننا صلوات الله عليه!!! سلطان إقليم الوجود كله وكل شيء هو تحت ظله وصاحب الفتح وناشر اللوا والملك الذي على العرش استوى عرش الخلافة المحمدية بل مستوى الحقيقة الكلية أكرم بهذا الملك المطاع في نشأة التكوين والإبداع والملكوت كلها طوع يده والملك (1) كالمملوك عند سيده (۳) (۲) المراد منه عالم الملك (۱) عن تحف العقول الشريف ص ٣٨٤ . [صفحة 346] وأختم هذه الوقفة بحديث يرويه شيخنا أبو جعفر الصفار رضوان الله تعالى عليه، في بصائره الشريف: (عن أبي ربيع الشامي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: كنتُ معه جالساً، فرأيتُ أن أبا جعفر عليه السلام قد قام، فرفع رأسه، وهو يقول: يا أبا الربيع، حديث تمضغه الشيعة بألسنتها، لا تدري ما كنهه . قلت: ما هو جعلني الله فداك؟ قال: قول علي بن أبي طالب عليه السلام: إن أمرنا صعبٌ مُستصعب، لا يحتمله إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو عبد إمتحن الله قلبه للإيمان يا أبا الربيع، ألا ترى أنه يكون ملك ولا يكون مقرباً، ولا يحتمله إلا مُقرّب . وقد يكون نبي وليس بمرسل، ولا يحتمله إلا مرسل . وقد يكون مؤمن وليس بممتحن، ولا يحتمله إلا مؤمن قد إمتحن الله قلبه للإيمان) (1) . سيدي يا صاحب الأمر، يا إمام زماني، صلوات الله عليك؛ عفواً، عفواً، وعذراً، عذراً، من قصوري، وتقصيري، وجهلي، وسوء أدبي معك سيدي في كتابي هذا، وفي كل حال من أحوالي . سيدي، وهل أملك غير الأعتذار؟! يا أملي [صفحة 347] الفتنةُ الثانية عشرة الخَوفُ الفتنةُ الثالثة عشرة الدَجّالُ لعنة الله عليه [صفحة 349] الوقفة الأولى: الفتنة الثانية عشرة الخوف روى شيخنا إبن أبي زينب النعماني (ره)، عن جابر الجعفي رضوان الله تعالى عليه: (قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام، عن قول الله تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ... الآية ()، فقال: يا جابر ذلك خاص وعام: فأما الخاص من الجوع، فبالكوفة: ويخص الله به أعداء آل محمد فيُهلكهم، وأما العام، فبالشام: يُصيبهم خوف وجوع ما أصابهم مثله قط . وأما الجوع فقبل قيام القائم عليه السلام، وأما الخوف فبعد قيام القائم عليه السلام) (٢) . ومورد الكلام، وشاهد القول هنا: قوله صلوات الله عليه في آخر الحديث الشريف: (وأما الخوف فبعد قيام القائم عليه السلام. إذ يفتتن الناس بفتنة الخوف والهلع؛ وذلك لما يرونه ويستشعرونه من تغيير عظيم حولهم، وتبدل الجملة أحوالهم وإهتزاز أوضاعهم في أوائل الظهور الشريف، حيث يهيمن عليهم: أ- خوف لما يحدث من تغييرات كونية بعد الظهور المبارك لم يكن الناس (1) من الآية الشريفة (١٥٥) من سورة البقرة المباركة ... [صفحة 350] قد عاشوها من قبل، كطول النهار والليل لتباطئ حركة الأفلاك، وما يصحب ذلك من تقلبات وتغيرات في طبيعة الأجواء من حرها وبردها وأمطارها وغير ذلك . ب - خوف من عقوبة الحق، وجزاء العدل، وما يترتب على ذلك من كشف لكثير من الأسرار الحياتية المخفية بمختلف أساليب المكر والخداع؛ لتضييع حقوق الآخرين . ج - خوف من هذه الدعوة الجديدة التي ستمحق كل الضلالات والمذاهب الباطلة . فيخاف أهلها من غلبة الحق وإنتصاره؛ إذ غلبته وفوزه فرحة دائمة للمظلوم، وحزن دائم لكل الظلمة والطغاة د - خوف من الحروب العظيمة، والقتل الذريع، والفتك السريع، وما يصاحب ذلك من أحداث وملاحم وفتن؛ لجهاد الحق والهدى ضد الباطل والضلال هـ ـ خوف يسيطر على القلوب من الرعب الذي سينبعث في النفوس، والذي يسير أمام جيش إمامنا عليه السلام، كما تصف ذلك الأحاديث المعصومية الشريفة . و - خوف يتأتى مما يشيعه الطغاة والظالمون، كالسفياني لعنة الله عليه وأمثاله في أوساط شعوبهم ودولهم من أراجيف وأكاذيب؛ لأجل تأليب الناس ضد إمامنا صلوات الله عليه [صفحة 351] عام، وبين أهل القبلة بنحو خاص، وبين الشيعة بنحو أخص. إلا أن ذلك لا يعني أن الناس سينتشر الخوف بينهم فرداً، فرداً، فهناك الكثير الكثير من الناس حتى من غير الشيعة والمحبين ممن ينفذ الإطمئنان إلى قلوبهم وتعمهم الفرحة لأنهم كانوا ينتظرون يوماً يسود فيه العدل على وجه هذه البسيطة . وها هو اليوم الموعود قد أقبل . فَلِمَ الخوف إذاً؟ إنه يوم الفرح والسرور، يوم الفوز والفلاح، يوم النجاة والخلاص . وإن عامة المسلمين كما مر علينا في الفتنة السابعة أكثر فرحاً به من خاصتهم وما خاصة المسلمين إلا: حكامهم، وعلماؤهم، وفقهاؤمم، وأهل الفكر والنظر منهم، ووجهاؤهم من أصحاب الأموال ورؤساء القبائل، والأحزاب، والجماعات وقُلْ جاءَ الحق وزهق (1) الباطل، إن الباطل كان زهوقاً) (٢) [صفحة 352] الوقفة الثانية: الفتنة الثالثة عشرة الدجال لعنة الله عليه ومما جاء في وصفه لعنة الله عليه، عن أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام: ) ... عينه اليمنى ممسوحة، والعين الأخرى في جبهته تضيء كأنها كوكب الصبح، فيها علقة كأنها ممزوجة بالدم، بين عينيه مكتوب كافر، يقرأه كل كاتب وأمي، يخوض البحار وتسير معه الشمسُ، بين يديهِ جَبَلٌ من دخان، وخلفه جبل أبيض يري الناس أنه طعام، يخرج حين يخرج في قحط شديد تحته حمار أقمر (۱)، خطوة حماره ميل، تُطوى له الأرض منهلاً منهلاً، لا يمر بماء إلا غار إلى يوم القيامة، ينادي بأعلى صوته، يُسمع ما بين الخافقين من الجن والإنس والشياطين يقول: إلي أوليائي، أنا الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، أنا ربكم الأعلى . وكذب عدو الله؛ إنّه أعور يطعمُ الطعام، ويمشي في الأسواق، وإن ربكم عز وجل ليس بأعور، ولا يطعم ولا يمشي ولا يزول . تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا . [صفحة 353] ألا وإن أكثر أتباعه يومئذ أولاد الزنا، وأصحاب الطيالسة) الخضر، يقتله الله عز وجل بالشام على عقبة تُعرف بعقبة أفيق (۲)، لثلاث ساعات مضت من يوم الجمعة، على يد مَن يُصلّي المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام خلفه ......) . وفي خطبة البيان المعروفة، جاء وصفه أيضاً: (....، له عين واحدة في جبهته، كأنها الكوكب الزاهر، راكب على حمار خطوته مد البصر، وطوله سبعون ذراعاً، ويمشي على الماء مثل ما يمشي على الأرض، ثم ينادي بصوته، يبلغ ما يشاء الله، وهو يقول: إلى إلي يا معاشر أوليائي؛ فأنا ربكم الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والذي أخرج المرعى، فتتبعه يومئذ أولاد الزنا، وأسوأ الناس من أولاد اليهود والنصارى، وتجتمع معه ألوف كثيرة لا يحصي عددهم إلا الله تعالى . ثم يسير وبين يديه جبلان: جبل من اللحم، وجبل من الخبز الثريد. فيكون خروجه في زمان قحط شديد . ثم يسير الجبلان بين يديه، ولا ينقص منه شيء . فيُعطي كل من أقر له بالربوبية . (1) الطيالسة: جمع طيلسان: وهو نوع من الأكسية والألبسة يلبسه خواص الناس من العلماء والمشايخ . وقد جاء في تعريفه في كتاب أقرب الموارد ج ۱ ص ۷۱۱ مادة طلس: «كساء مدور أخضر لا أسفل له، لحمته، وقيل سداه من صوف يليسه الخواص من العلماء والمشايخ، وهو من لباس العجم) . (۲) عقبة أفيق: أما العقبة: فهي الجبل الطويل الذي يعرض للطريق فيأخذ فيه، وأما عقبة أفيق [صفحة 354] فقال عليه (1) السلام: معاشر الناس، ألا وإنه كذاب وملعون، ألا فاعلموا أن ربكم ليس بأعور، ولا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير ....)) . وهناك أيها المحب روايات وأحاديث أخرى وردت في كتبنا ومن طرقنا، تحدثت عن الدجال لعنة الله عليه وما يتعلق به، سيأتي ذكر بعضها فيما يجيء لاحقاً في هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى [صفحة 355] الوقفة الأخيرة إن دراسة الأحوال المختلفة لحياة الإنسان على الأرض زمن الظهور الشريف، شيعة كانوا أم مخالفين أم غير ذلك، مع تدقيق النظر في كل ملابسات الواقع الذي سيكون عليه المجتمع الإنساني وقتذاك . بما في ذلك من شرائط موضوعية، وظروف زمانية ومكانية، وما سيكون عليه الناس من حالات نفسية مضطربة ومتباينة؛ توصلنا إلى نتيجة معقولة جداً وهي: أن الخوف الذي سيصيب الناس سيكون على قدر كبير وهزة عظيمة في أعماق النفوس، وطوايا الخلجات والضمائر؛ والذي سيؤدي إلى تصنيف الناس إلى ثلاثة أصناف: صنف مع الحق الواضح، وصنف مع الباطل البين، وصنف متفرج لا يجد عذراً، أو ذريعة يتمسك بها لتبرير موقفه في خذلانه للحق، وسكوته عن الباطل . وقد يقول قائل: إن الناس في كل زمان لا يخرجون عن هذه الأصناف المذكورة. فما الجديد هنا؟ وجواب ذلك أن أهل الحق سيكون عندهم من البراهين القاطعة والحجج الراسخة في جميع أبعاد الحياة العلمية والدينية والإجتماعية والكونية وستكون أيديهم مبسوطة حقاً وحقيقة، وأما أهل الباطل فإن حججهم ستكون أوهن من بيت [صفحة 356] المتفرجون فإنهم لن يجدوا تبريراً واحداً كما كانوا يصنعون فيما سبق. وذلك هو الجديد في الأمر عند هذه الأصناف أجمعها . إذ ربما لم يكن وضوح الحق والباطل في زمان الغيبة الشريفة كوضوحه عند الظهور المبارك كما يُردّد ذلك الكثير، مع أن الصبح مشرق ومسفر لذي عينين. أفلم يقل إمامنا الصادق عليه السلام: (لأمرنا أبين من هذه الشمس (1)؟ هذا ما يتعلق بالفتنة الثانية عشرة بنحو موجز وسريع. وأما فتنة الدجال لعنة الله عليه فهناك أمور تتعلق بها، أشير إليها بإختصار: أولاً - ورد ذكر الدجال لعنة الله عليه في كتب المخالفين بنحو وسيع، وذكروا في كتب حديثهم، أحاديث كثيرة كثيرةً بخصوصه . بينما لم يكن هناك إهتمام بالغ في أحاديثنا الشريفة به كإهتمامهم . نعم، ورد له ذكر في رواياتنا ومن طرقنا إلا أنه ليس بتلك الكثرة المتكاثرة كما هو الحال في كتب المخالفين . ثانياً - الذي يبدو من الأوصاف التي ذكرتها أحاديثنا الشريفة للدجال وهيئته وما يملكه من القوى والقدرات: أن كل ذلك من قبيل الرموز والإشارات والكنايات عن قوى عالمية وسلطات دولية متفرعنة تعبت ما تعبث بمقدرات الأمم والشعوب بسبب تملكها للثروات المادية الهائلة في وقت تعاني شعوب كثيرة من الحرمان والجوع والفقر والتخلف الفكري والثقافي والإقتصادي في بعديه الصناعي والزراعي . [صفحة 357] ثالثاً - هناك تركيز في رواياتنا الشريفة على عقيدة البراءة منه ومن أتباعه، قلباً وقولاً وعملا، وهذا ما سيأتي ذكره في المباحث الآتية إن شاء الله تعالى. وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وستُردون إلى عالم الغيب والشهادة، فينبئكم بما كنتم تعملون) . وأختم الفصل الأول بعبائر نورانية شريفة من دعاء إمام زماننا عليه السلام: (اللهم إحجبني عن عيون أعدائي، واجمع بيني وبين أولياني ...... فإذا أذنت في ظهوري، فأيدني بجنودك، واجعل من يتبعني لنصرة دينك مريدين، وفي سبيلك مجاهدين، وعلى من أرادني وأرادهم بسوء منصورين، ووفقني لإقامة حدودك، وانصرني على من تعدى محدودك . وانصر الحق، وأزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، وأورد على من شيعتي وأنصاري من تقربهم العين، ويشتد بهم الأزر، واجعلهم في حرزك وأمنك وكنفك وحفظك وعيادك وسترك يا أرحم الراحمين)) . آمين، آمين [صفحة 359] الفصل الثاني دراسة موجزةً في معنى الفتنة وأبعادها [صفحة 361] وهنا فوائد: الفائدة الأولى في معنى الفتنة الفتنة في كلام العرب ولسانهم هي: (الإبتلاء، والإمتحان، والإختبار، وأصله من: فتنتُ الفضة، إذا أدخلتها في النار لتتميز)، وفي مفردات الراغب الإصبهاني: (أصل الفتن إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته)) . وفي الكتاب الكريم: وفتناك فتونا)، حيث جاء معناها في تفسير القمي (ره) المروي عن الأئمة عليهم السلام: (أي إختبرناك إختباراً)) . وروى المحدث الأجل سيدنا هاشم البحراني (ره): عن معمر بن خلاد، قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام، يقول: ألم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) . ثم قال لي: ما الفتنة؟ قلتُ: جعلت فداك، وعندنا الفتنة في الدين؟! قال: يُفتنون كما يُفتَنُ الذهب، ثم يُخلصون كما يُخلص الذهب)) . (۱) عن مجمع البحرين ج 1 ص ۲۹۱ مادة فتن . (۲) عن المفردات في غريب القرآن ص ۳۷۱ من كتاب القاء، مادة فتن . (۳) من الآية الشريفة (٤٠) من سورة طه المباركة . (٤) عن تفسير شيخنا الأجل علي بن إبراهيم القمي (ره) ج ٢ ص ٦٠ . [صفحة 362] وأقتطف لك ايها المحب الودود مقاطع نورية من كلام سيد الأوصياء صلوات الله عليه وعليهم: (۱) حكمة الإمتحان والإختبار والفتن (ولكن الله يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويتعبدهم بأنواع المجاهد (۱) ويبتليهم بضُروب المكاره؛ إخراجاً للتكبر من قلوبهم، وإسكاناً للتذلُّل في نفوسهم؛ وليجعل ذلك أبواباً فتحاً (1) إلى فضله، وأسباباً ذللاً لعفوه) . (۲) جذور فتنة الضلالة (إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع، وأحكام تبتدع، يُخالف فيها كتاب الله، ويتولّى عليها رجال رجالاً، على غيرِ دِينِ اللهِ. فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين (٤)، ولو أن الحق خلص من لبس الباطل، إنقطعت عنه ألسن المعاندين. ولكن يُؤخذ من هذا ضعت)، ومن هذا ضعت، فيمرجان! فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى)) . (1) المجاهد: المشقات . (۲) فتحاً: مفتوحة واسعة . (۳) عن نهج البلاغة الشريف ص ٢٩٤ من الخطبة الشريفة (۱۹۲) المعروفة بالقاصعة (٤) المرتادون: يراد منهم هنا طلاب الحق والباحثون عنه . [صفحة 363] أشد الفتنة والإمتحان والتمحيص كم من مُستدرج بالإحسان إليه، ومغرور بالستر عليه، ومفتون بحسن القول فيه، وما إبتلى الله سبحانه أحداً بمثل الإملاء له)) . (٤) إحذروا منهم حذراً شديدا!!! (ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم وكبرائكم: الذين تكبروا عن حسبهم، وترفعوا فوق نسبهم، وألقوا الهجينة) على ربهم، وجاحدوا الله على ما صنع بهم، مكابرة لقضائه، ومُغالبة لآلائه؛ فإنهم قواعد أساس العصبية، ودعائم أركان الفتنة، وسيوف اعتزاء (1) الجاهلية. فاتقوا الله ولا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا، ولا لفَضْلِهِ عِندَكُم حُسّادا. ولا تُطيعوا الأدعياء (1) الذين شربتُم بصفوكُم كَدَرَهُم، وخلطتُم بصحتكم مرضهم، وأدخلتم في حقكم باطلهم . وهم أساس الفُسُوق، وأحلاس (*) العقوق. إتخذهم إبليس مطايا ضلال، وجنداً بهم يصول على الناس، وتراجمةٌ يَنطِقُ (1) عن نهج البلاغة الشريف ص ٥١٣، الحكمة الشريفة (٢٦٠) . (۲) الهجينة: الفعلة القبيحة المستهجنة . (۳) الإعتزاء: الإنتساب، ويعتزي: ينتسب . (٤) الأدعياء: جمع دعي وهو المنسوب لغير أبيه، والمراد هنا أولئك الذين يدعون التشيع والولاء وهم براء منهما؛ إذ يشربون من عين لا تمت لأهل البيت عليهم السلام بصلة أبداً، وهم بذلك [صفحة 364] على ألسنتهم؛ إستراقاً لعقولكم، ودخولاً في عيونكم، ونفثاً في أسماعكم. فجعلكم مرمى نبله، وموطئ قدمه، ومأخذ يده)) . [صفحة 365] الفائدة الثانية مَوطِنُ الفتنة وهل للفتنة موطن تنمو فيه شجرة زقومها، سوى القلب؟!!! إذ يقول قرآننا العزيز: ليجعل ما يُلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم، وإن الظالمين لفي شقاق بعيد) . وفي سورة آل عمران المباركة: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله (۲). وكيف لا يكون ذلك؟ والقلوب أربعة كما يحدثنا إمامنا: موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: القلوب أربعة: قلب فيه إيمان وليس فيه قرآن، وقلب فيه إيمان وقرآن، وقلب فيه قرآن وليس فيه إيمان، [صفحة 366] وقلب لا إيمان فيه ولا قرآن. فأما الأول كالتمرة طيب طعمها، ولا طيب لها . والثاني كجراب المسكِ طيب إن فتح، وطيب إن وعاه) . والثالث كالآس طَيِّبٌ رِيحُها، وحبيت طعمها . والرابع كالحنظل حبيت ريحها وطعمها) (٢). وما الإيمان في هذه الرواية الشريفة، إلا حقيقة الولاء لعلي وآله الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين. وما القرآن هنا، إلا العلم والمعرفة . وأشد القلوب فتنة: هو الثالث الذي فيه قرآن وليس فيه إيمان؛ حيث علم ولا خشية من الله تعالى . وعندها يلتقم الشيطان قلب الإنسان ويجذبه إليه، إذ ورد: (عن النبي صلى الله عليه وآله: على كل قلب جائم من الشيطان فإذا ذكر إسم الله خنس وذاب، وإذا ترك ذكر الله التقمه الشيطان، فجذبه، وأغواه، وإستزله، وأطغاه) (۳). ولقد قال أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في عجيب حالات القلب وتقلبه: ) أعجب ما في الإنسان قلبه . وله موارد من الحكمة، وأضداد من خلافها: فإن سنح له الرجاء؛ أذله الطمع، وإن هاج به الطمع؛ أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس؛ قتله الأسف، وإن عرض له الغضب؛ إشتد به (۱) وعاه: جمعه، وحفظه، والمراد هنا: شده . [صفحة 367] الغيظ، وإن سعد بالرضاء نسي التحفظ، وإن ناله الخوف؛ شغله الحذر، وإن اتسع له الأمن؛ إستلبته الغفلة، وإن حدثت له النعمة؛ أخذته العزة، وإن أصابته مصيبة؛ فضحه الجزع، وإن استفاد مالاً؛ أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة؛ شغله البلاء، وإن جهده الجوع؛ قعد به الضعف، وإن أفرط في الشبع؛ كفته البطنة . فكل تقصير به مضر، وكل إفراط به مفسد (۱). ومن هنا قيل له: (القلب) وذلك؛ لتقلبه بين أحوال رحمانية وأحوال شيطانية . ويُناسب المقام أن أعرض بين يديك أيها العزيز باقة فواحة بأقدس عطر من حديث آل محمد صلوات الله عليهم: (۱) عن إبن أبي عمير، عن حماد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ما من قلب إلا وله أذنان: على إحداهما مَلَكٌ مُرشِد، وعلى الأخرى شيطان مفتن . هذا يأمره، وهذا يزجره: الشيطان يأمره بالمعاصي، والملك يزجره عنها . وهو قول الله عز وجل: عن اليمين، وعن الشمال قعيد . ما يَلْفِظُ من قول إلا لديه رقيب عتيد (۲)) (۳) . (۲) ) عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ما من مؤمن إلا ولقلبه أذنان في جوفه: أذن ينفث فيها الوسواس الخنّاس، وأذن ينفث فيها [صفحة 368] الملك، فيُؤيد الله المؤمن بالملك. فذلك قوله: وأيدهم بروح منه) () () . ) عن الأزدي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن للقلب أذنين: روح الإيمان يُساره (۳) بالخير، والشيطان يساره بالشر . فأيهما ظهر على صاحبه غلبه) (1) . (٤) عن سليمان بن خالد، قال: قد سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: إن الله إذا أراد بعبد خيراً نكت في قلبه نكتة بيضاء، وفتح مسامع قلبه، ووكل به ملكاً يُسدده . وإذا أراد بعبدٍ سُوءاً نكت في قلبه نكتة سوداء، وشد عليه مسامع قلبه، ووكل به شيطاناً يُضِلُّه . ثم تلى هذه الآية: ﴿ فَمَنْ يُرد الله أن يَهْدِيَهُ يشرح صدره للإسلام، ومَن يُرِدْ أَنْ يُضِلُّه يَجعلْ صَدرَه ضيقاً حرجاً) () الآية ...)) . (٥) عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: القلوب ثلاثة: (1) من الآية الشريفة (۲۲) من سورة المجادلة المباركة .. (۲) عن الكافي الشريف ج ٢ ص ٢٦٧ ج ٣ . (۳) يساره: أي يسره، من السر . (٤) عن البحار الشريف ج ۷۰ ص ٥٣ ح ۱۷ . [صفحة 369] قلب منكوس لا يعي (1) على شَيْءٍ من الخير: وهو قَلْبُ الكافر، وقلب فيه نكتة سوداء: فالخير والشر فيه يعتلجان (٢)، فما كان منه أقوى غلب عليه، وقلب مفتوح فيه مصباح يزهر، ولا يُطفأ نوره إلى يوم القيامة: وهو قلب المؤمن)) . ومسك الختام في هذه الفائدة، ما جاء مروياً في الكافي الشريف: ) عن صباح الحذاء، عن أبي أسامة، قال: زاملت أبا عبدالله عليه السلام. قال: فقال لي: إقرأ، فإفتتحت سورة من القرآن، فقرأتها، فرق وبكى . ثم قال لي: يا أبا أسامة، إرعوا قلوبكم بذكر الله عز وجل، واحذروا النكت، فإنه يأتي على القلب تاراة أو ساعات، ـ الشك من صباح - ليس فيه إيمان ولا كفر، شبه الخرقة البالية، أو العظم النخر . يا أبا أسامة، أليس ربما تفقدت قلبك فلا تذكر به خيراً ولا شراً، ولا تدري أين هو؟ قال: قلت له: بلى، إنه ليصيبني، وأراه يصيب الناس قال: أجل، ليس يعرى منه أحدٌ . قال: فإذا كان ذلك فإذكروا الله عز وجل، وإحذروا النكت، فإنه إذا أراد بعبد خيراً نكت إيماناً، وإذا أراد به (۱) لا يعي: لا يحفظ، لا يجمع . أي ليس فيه شيء من الخير [صفحة 370] غير ذلك نكت غير ذلك . قال: قلت: ما غير ذلك؟ جعلت فداك ما هو؟ قال: إذا أراد كفراً نكت كفراً) (1) . ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وَهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنتَ الوهاب (1). [صفحة 371] الفائدة الثالثة فتن عصر الغيبة الشريفة لا شك أن الإمتحانات الشديدة التي ستواجهها الشيعة زمن الظهور الشريف، لا تأتي من دون مقدمة وترابط بينها وبين ما جرى زمن الغيبة الشريفة: من فتن، وإبتلاءات، وتمحيص، وإختبارات . إذ مقتضى النظم والحكمة والعدل: هو ذلك. ولذا فإن نتائج النجاح والفشل في إختبارات عصر الظهور الشريف، لها علقة وثيقة بما كان عليه الإنسان في زمان الغيبة الشريفة . وما هو حقيقة موقفه آنذاك؟ والذي يترتب عليه صدق توبته، وصدق عهده، ووفائه، وبيعته حين ترتفع راية الحق زاحفة بنصرها، وعزها، وهداها . ويومئذ تتساقط كل الوجوه المزيفة، وتتمزق كل الأقنعة الكاذبة. إنها دولة الحق، وكلمة الله العليا: التي تعلو ولا يعلى عليها!!! وسأعرض بين يديك أيها المحب مجاميع ذهبية من أحاديث العصمة والطهارة والنور: [صفحة 372] دوامة الفتن والتمحيص ۱ - (عن مهزم بن أبي بردة الأسدي، وغيره، عن أبي عبدالله عليه السلام، أنه قال: والله لتكسرن تكسر الزجاج، وإن الزجاج ليعاد، فيعود كما كان . واللهِ لَتُكسرُنَّ تكسر الفخار، فإن الفخار ليتكسر، فلا يعود كما كان . ووالله لتغريلن، ووالله لتميزن، ووالله لتمحصن، حتى لا يبقى منكم إلا الأقل، وصعر) كفه)) . ۲ - (عن الربيع بن محمد المسلّي، قال: قال لي أبو عبدالله: والله لتكسرن كسر الزجاج، وإن الزجاج يُعاد، فيعود كما كان . والله لتكسرن كسر الفخار، وإن الفخار لا يعود كما كان . والله لتمحصن، والله لتغر بكن كما يُغربل الزوان (۳) من القمح) (٤) . - (عن محمد بن الفضل، عن أبيه، عن منصور، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا منصور، إن هذا الأمر لا يأتيكم إلا بعد إياس . لا والله حتى تميزوا، لا والله حتى تمحصوا، لا والله حتى يشقى من يشقى، ويسعد من يسعد) (٥) . (1) صعر: أمال، وإمالة كفه الشريف هنا: فيها إشارة إلى تهاونه بأكثر الناس الذين سيفشلون في الإختبارات المختلفة فشلاً ذريعاً . (۲) عن غيبة شيخنا النعماني (ره) ص ۲۰۷ ح ۱۳ . (۳) الروان: جاء في أقرب الموارد أنه: ما يخالط البر من الحبوب، الواحدة زؤانة: وهو في المشهور يختص بنيات حبه كحب الحنطة، إلا أنه صغير، إذا أكل يحدث إسترخاء يجلب [صفحة 373] ٤ - (عن البزنطي، قال: قال أبو الحسن عليه السلام: أما والله لا يكون الذي تمدون إليه أعينكم حتى تميزوا، وتمحصوا، وحتى لا يبقى منكم إلا الأندر)، ثم تلا: أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) (۲)) (۳). ه -) عن جابر الجعفي، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: متى يكون فرجكم؟ فقال: هيهات هيهات، لا يكون فرجنا حتى تغربلوا، ثم تُغربلوا، ثم تُغربلوا - يقولها ثلاثاً -؛ حتى يذهب الكدر، ويبقى الصفو)). ٦ - (عن صفوان بن يحيى، قال: قال أبو الحسن الرضا عليه السلام: والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم، حتى تُمحصوا وتميزوا، وحتى لا يبقى منكم إلا الأندر، فالأندر)) . (*)( - (عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين عليه السلام، إنه قال: كونوا كالنحل في الطير، ليس شيء من الطير إلا وهو يستضعفها . ولو علمت الطير ما في أجوافها من البركة؛ لم تفعل بها ذلك خالطوا الناس بألسنتكم وأبدانكم، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم. (1) الأندر: صيغة أفعل التفضيل من النادر: وهو العزيز الذي يقل شبيهه (۲) الآية الشريفة (١٦) من سورة التوبة المباركة، وقد وقع إشتباه من الراوي في ذكر الآية الشريفة، إذ نصها هكذا: أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم، ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة، والله خبير بما تعملون) (۳) عن البحار الشريف ج ٥٢ ص ١١٣ ح ٢٤ . [صفحة 374] فوالذي نفسي بيده، ما ترون ما تحبون، حتى يتقل بعضكم في وجوه بعض، وحتى يُسمّي بعضكم بعضاً كذابين، وحتى لا يبقى منكم - أو قال من شيعتي - إلا كالكحل في العين، والملح في الطعام. وسأضرب لكم مثلاً: وهو مثل رَجُلٍ كان له طعام (۱) فنَقاهُ وطيبه، ثم أدخله بيتاً وتركه فيه ما شاء الله. ثم عاد إليه، فإذا هو قد أصابه السوس (1)؛ فأخرجه ونقاه وطيبه، ثم أعاده إلى البيت، فتركه ماشاء الله. ثم عاد إليه، فإذا هو قد أصابته طائفة من السوس، فأخرجه ونقاه وطيبه، وأعاده . ولم يَزَل كذلك حتى بقيت منه رزمة (۳) كرزمة الأندر)، لا يضره السوس شيئاً. وكذلك أنتم تميزون، حتى لا يبقى منكم إلا عصابة لا تضرها الفتنة شيئاً)) . )ب( الساقطون في الفتنة والفاشلون في التمحيص ۱ -) عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه ذكر القائم عليه السلام، فقال: أما ليغيبن حتى يقول الجاهل: ما لله في آل محمد حاجة)) . (1) الطعام: يطلق على الحبوب بنحو عام، وعلى الحنطة بنحو خاص . وربما أريد منه الحنطة هنا (۲) السوس: دود يقال له: العث، يقع في الحنطة أو الحبوب فيفسدها . (۳) الرزمة: بفتح الراء هي الأكلة الواحدة في اليوم، وبكسر الراء ما يشد في الثوب ويرزم . (٤) الأندر: كدس القمح . [صفحة 375] ۲ - (عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، قال: إذا فقد الخامس من ولد السابع من الأئمة، فالله الله في أديانكم، لا يُزيلتكم عنها أحد . يا بني إنه لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة، حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، إنما هي محنَةٌ من الله إمتحن الله بها خَلْقَه)) . -) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: مع القائم عليه السلام من العرب شيء يسير. فقيل له: إن من يصفُ هذا الأمر منهم لكثير. قال: لابد للناس من أن يمحصوا، ويُميزوا، ويُغربلوا؛ وسيخرج من الغربال خلق كثير) (1) . )ج( من أعظم الفتن في عصر الغيبة الشريفة ۱ - (عن أبي جعفر عليه السلام، أنه قال: لتمحصن ياشيعة آل محمد تمحيص الكحل في العين. وإن صاحب العين يدري متى يقع الكحل في عينه، ولا يعلم متى يخرج منها . وكذلك يُصبح الرجل على شريعة من أمرنا، ويمسي وقد خرج منها، ويُمسي على شريعة من أمرنا، ويُصبح وقد خرج منها) (۳). (۱) عن البحار الشريف ج ٥٢ ص ١١٣ ح ٢٦ . [صفحة 376] ۲ - (عن علي بن أبي المغيرة، عن عميرة بنت نفيل، قالت: سمعت الحسين بن علي عليهما السلام، يقول: لا يكون الأمر الذي تنتظرونه حتى يبرأ بعضكم من بعض، ويتقل بعضكم في وجوه بعض، ويشهد بعضكم على بعض بالكفر، ويلعن بعضكم بعضاً . فقلت له: ما في ذلك الزمان من تخير . فقال الحسين عليه السلام: الخير كله في ذلك الزمان؛ يقوم قائمنا، ويدفع ذلك كله) (). - (عن يونس، عن سليمان بن صالح: رفعه إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام، قال: إن حديثكم هذا لتشمئز (1) منه قلوب الرجال؛ فإنبذوه إليهم نبذاً، فمن أقر به فزيدوه، ومن أنكر فذروه . إنه لابد من أن تكون فتنة يسقط فيها كل بطانة) ووليجة (٥)، حتى يسقط فيها من يشق الشعرة بشعرتين، حتى لا يبقى إلا نحن وشيعتنا) (). (1) عن غيبة شيخنا النعماني (ره) ص ٢٠٥ و ٢٠٦ ح ۹. (۲) تشمئز: تنفر، تذعر . (۳) انبذوه: ألقوه إليهم قليلاً قليلا . (٤) البطانة: خواص الرجل وأهل سره . (٥) الوليجة: أهل مودة الرجل الذين يعتمد عليهم في مهمات الأمور، وهم من غير أهله . (1) عن غيبة شيخنا النعماني (ره) ص ۲۰۲ وص ۲۰۳ ح ۳ . [صفحة 377] الفائدة الرابعة الأسباب الإجمالية للسقوط والفشل في الفتن والإمتحانات تقدم في الفصل الأول: أن ذكرت هنا وهناك أسباب عديدة؛ تدفع الإنسان إلى الفشل حين الإمتحان والإختبار . وإني سأجملها بين يديك أيها العزيز في هذه الفائدة؛ عل فيها منفعة أو تذكرة ناجعة . أولاً - الجهل بعلوم أهل البيت عليهم السلام الحقة، وعدم الإطلاع على تمام كلامهم وحديثهم صلوات الله عليهم . واللهاث خلف سراب يحسبه الظمآن ماء . ثانياً - فهم الدين: عقيدة وشريعة على أساس من الإستحسانات والتذوقات العقلية الخرقاء، التي لا تسمن ولا تغني من جوع . ثالثاً - التصورات الخاطئة لمفاهيم كثيرة في الحياة، والتعامل معها على أساس لثقافة لا تمت لفكر أهل البيت عليهم السلام ودينهم بصلة أبداً . ولو بحثنا عن جذورها لوجدناها قد تسربت إلينا: إما من المخالفين للحق، [صفحة 378] رابعاً - التقليد الأعمى والتعصب لكثير من الأفكار والأعراف والآداب الإجتماعية التي لا تنبع جذورها وأصولها من تعاليم آل محمد صلوات الله عليهم وحكمتهم الربانية . خامساً - عدم التبصر والإعتبار بأحوال الأمم الماضية عموماً، وأحوال هذه الأمة خصوصاً. وقطعاً فإن التبصر والإعتبار بتلكم الأحوال والأحداث فرع الإطلاع عليها، ومدارستها وبحثها . سادساً - أمراض القلوب التي تفتك بالناس فتكاً ذريعاً، فتأكل أديانهم، وتعمي بصائرهم . وأشدها الحسد والبغضاء والحقد، وكلاهما يتفرعان عن الحسد المقيت، نعوذ بالله تعالى من الحسد وأهله سابعاً - عدم توطين النفوس والضمائر والقلوب والعقول على معاني التسليم والخضوع والإخبات لإمام زماننا صلوات الله عليه، والذي هو فرع عن عدم المعرفة الحقة بأهل البيت عليهم السلام عموماً، ويإمام زماننا صلوات الله عليه خصوصاً. ثامناً - عدم الإنقطاع القلبي، والتوسل الواقعي الصادق، والتذكر الدائم له صلوات الله وسلامه عليه، والدعاء بتعجيل فرجه الشريف. تاسعاً - عدم البراءة الحقة عقيدة وسلوكاً، وسيأتي الكلام عنها في الفصل الثالث، إن شاء الله تعالى . [صفحة 379] وهنا مسائل مهمة لابد من الإشارة إليها: ١ - تقدم في الفائدة الأولى من هذا الفصل: أن الفتنة إمتحان وتمحيص وتنقية . وعلى هذا فلا بد من الإستعداد والتهيؤ لإستقبالها وخوضها: بالتوكل على الله تعالى، والتوسل بإمام زماننا صلوات الله عليه . ٢ - جاء في الفائدة الثانية: أن الفتنة موطنها القلب؛ وعليه فلا بد من تحصينه بولاية علي وآل علي صلوات الله عليهم، والتي هي حصن الله الآمن . ولا بد من توطينه أيضاً على التسليم والرضا بل الفرح والسرور بكل ما يأتي به إمام زماننا عليه السلام . - ولا يتحصن القلب حقيقة بولايتهم عليهم السلام - أيها المحب الودود - ما لم يتطهر من أغيارهم . وتلك هي البراءة بكل أبعادها ومعانيها الواقعية الصادقة - ولذا فإنك أيها العزيز لو تدبرت ماجاء في الأحاديث الشريفة المتقدمة، وخصوصاً ما يتعلّق منها بفتن عصر الغيبة الشريفة؛ لو جدت أن الإمتحان والإختبار لا يخرج عن دائرة الولاية والبراءة أبداً . ولرأيت أن النجاح والفشل منوط بهما أيضاً . ولا عجب في ذلك فإنهما حقيقة الدين، وسر الحياة، وإكسير الخلود. ولقد جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة: ) سعد من والاكم، وهلك من عاداكم، وخابَ مَن جَحَدَكُم، وضَلَّ [صفحة 380] صَدقَكُم، وهدي من إعتصم بكم، من اتبعكم فالجنّة مأواه، ومن خالفكم فالنار مثواه، ومَن جَحَدُكم كافر، ومن حاربكم مُشرك، ومن رد عليكم في أسفل درك من الجحيم، أشهد أن هذا سابق لكم فيما مضى، وجارٍ لكم فيما بقي) (1) . [صفحة 381] الفائدة الخامسة شاطئ التسليم الآمن إنه شاطئ النجاة هذه نماذج أخرى من الأحاديث المعصومية الشريفة. أجل نظرك فيها، وأطل تفكرك على أعتابها، وتدبر في معانيها وفحواها .......!!! (۱) ) عن الحسن بن علي بن يقطين، عن أخيه الحسين، عن أبيه علي بن يقطين، قال: قال لي أبو الحسن (۱) عليه السلام: الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي (1) سنة. قال: وقال يقطين (۳) لابنه علي بن يقطين: ما بالنا قيل لنا فكان)، وقيل لكم فلم يكن؟ قال: فقال له علي: إن الذي قيل لنا ولكم كان من مخرج واحد. غير أن أمركم حضر، فأعطيتم محضه، فكان كما (1) هو إمامنا السابع موسى بن جعفر صلوات الله عليهما . (۲) هذا على نحو التقريب؛ إذ أن وفاة علي بن يقطين (ره) في سنة ۱۸۲ هـ على ما هو معروف، و شهادة إمامنا الكاظم صلوات الله عليه سنة ١٨٣ هـ . (۳) وكان يقطين هذا من دعاة بني العباس لعنة الله عليهم أيام بني أمية عليهم لعائن الله، وقد طلبوه فإختفى، ولما ظهرت دولة العباسيين كان في خدمة خلفائهم . [صفحة 382] قيل لكم . وإن أمرنا لم يحضر، فعللنا بالأماني، فلو قيل لنا: إن هذا الأمر لا يكون إلا إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب، وترجع عامة الناس عن الإسلام، ولكن قالوا: ما أسرعه، وما أقربه تألفاً لِقُلوب الناس وتقريباً للفرج) (). (۲) ) عن عبد الله بن جعفر بإسناده يرفعه إلى: علي بن يقطين، قال: قلتُ لأبي الحسن موسى عليه السلام: ما بال ماروي فيكم من الملاحم ليس كما روي، وما روي في أعدائكم قد صح؟ فقال عليه السلام: إن الذي خرج في أعدائنا كان من الحق، فكان كما قيل . وأنتم عللتم بالأماني؛ فخرج إليكم كما خرج) (٢). (۳) عن هشام بن سالم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: سألته عن قول الله: أتى أمر الله فلا تستعجلوه) (۳). قال: إذا أخبر النبي صلى الله عليه وآله بشيء إلى وقت فهو قوله: أتى أمر الله فلا تستعجلوه، حتى يأتي ذلك الوقت. وقال: إن الله إذا أخبر: أن شيئاً كائن، فكأنه قد كان (1). (۱) عن الكافي الشريف ج ١ ص ٣٦٩ ٦ . (۲) عن علل الشرائع الشريف ج ۲ ص ٥٨١ ح ١٦ . [صفحة 383] عن الفضل (۱) بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قلتُ لهذا الأمر وقت؟ فقال: كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، كذب الوقاتون؛ إنّ موسى عليه السلام لما خرج وافداً إلى ربه، واعدهم ثلاثين يوماً، فلما زاده الله على الثلاثين عشرا، قال قومه: قد أخلفنا موسى، فصنعوا ما صنعوا . فإذا حدثناكم الحديث: فجاء على ما حدثناكم به، فقولوا: صَدَقَ اللهُ، وإذا حدثناكم الحديث فجاء على خلاف (۲) ما حدثناكُم به، فقولوا: صدق الله، تؤجروا مرتين)). (٥) ) عن إبراهيم بن مهزم، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكرنا عنده ملوك آل فلان، فقال: إنما هلك الناس من إستعجالهم لهذا الأمر. إنَّ اللهَ لا يعجلُ لِعَجَلَة العباد . إن لهذا الأمر غاية ينتهي إليها، فلو قد بلغوها لم يستقدموا ساعةً ولَم يستأخروا) (1). (٦) ) عن أبي بصير، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: إن الله تعالى أوحى (1) هكذا في المطبوع . والذي يبدو أن الصحيح هو الفضيل بن يسار (ره)، والله تعالى أعلم . (۲) وإنما يأتي على خلاف ما حدثوا به عليهم أفضل الصلاة والسلام بعلة البداء، أو عدم تحقق الشروط . [صفحة 384] إلى عمران: أني واهب لك ذكراً سوياً، مباركاً، يُبرئ الأكمه والأبرص، ويُحيي الموتى بإذن الله، وجاعله رسولاً إلى بني إسرائيل . فحدث عمران إمرأته حنة بذلك، وهي أم مريم . فلما حملت كان حملها بها عند نفسها غلام، فلما وضعتها، قالت: رب إني وضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى: أي لا يكون البنت رسولاً. يقول الله عز وجل: والله أعلم بما وضعت) . فلما وهب الله تعالى لمريم عيسى، كان هو الذي بشر به عمران ووعده إياه؛ فإذا قلنا في الرجل منا شيئاً، وكان في ولده أو وَلَدِ وَلَدِهِ، فلا تُنكروا ذلك) (٢). وقد ذكر شيخنا المجلسي (ره) هذا الخبر الشريف في بحار الأنوار، وعقب عليه بكلام على نحو البيان جاء فيه: (حاصل هذا الحديث وأضرابه أنه قد يحمل المصالح العظيمة الأنبياء والأوصياء عليهم السلام على أن يتكلموا في بعض الأمور على وجه المجاز والتورية، وبالأمور البدائية (۳) على ما سطر في كتاب المحو والإثبات، ثم يظهر للناس خلاف ما فهموه من الكلام الأول. فيجب عليهم أن لا يحملوه على الكذب، ويعلموا أن المراد منه غير ما فهموه، كمعنى مجازي، أو كان وقوعه مشروطاً بشرط لم يتحقق)(4). ولا عجب في ذلك، وشيخنا أبو جعفر الصفار (ره) يروي: (1) من الآية الشريفة (٣٦) من سورة آل عمران المباركة . (۲) عن الكافي الشريف ج ١ ص ٥٣٥ ح ١ . [صفحة 385] ١ - (عن أبي الصباح، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إني لأحدث الناس على سبعين وجهاً، لي في كل وجه منها المخرج) (1) . ۲ - (عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إنا لنتكلم بالكلمة بها سبعون وجهاً، لنا من كلّها المخرج)) . -) عن الحسن بن محبوب، عن الأحول)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: أنتم أفقه الناس؛ ما عرفتم معاني كلامنا . إن كلامنا لينصرف على سبعين وجهاً) (1). والأحاديث المعصومية الشريفة في هذه المضامين كثيرة وفيرة، وما ذكرته هنا، إنما هو على سبيل المثال والإنموذج . (۷) (عن عبد الرحمن بن كثير، قال: كنت عند أبي عبدالله عليه السلام يوماً، وعنده مهزم الأسدي، فقال: جعلني الله فداك، متى هذا الأمر الذي تنتظرونه؟ فقد طال علينا فقال: يا مهزم، كذب المتمنون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلمون: وإلينا يصيرون) (*). (۱) عن بصائر الدرجات الشريف ص ٣٥٠ ح ١٣ . (۲) عن بصائر الدرجات الشريف ص ٣٤٩ ح ٤ . (۳) هو مؤمن الطاق محمد بن علي بن النعمان رضوان الله تعالى عليه . [صفحة 386] فماذا تقول أيها المحب المنتظر بعد أن أجَلْت نظرك في هذه الأحاديث الشريفة؟ ولا أظن أنك تملك جواباً، سوى أن تقول: ) ونجا المسلمون، وإلينا يصيرون) نعم ... إنه ليس من سبيل للنجاة، والفوز، والهداية، والفلاح سوى التسليم لمحمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين . وهذا شيخنا أبو جعفر الكليني (ره) يحدثنا، فيقول: ) عن يحيى بن زكريا الأنصاري، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: من سره أن يستكمل الإيمان كله، فَلَيَقُلْ: القَولُ مِني في جميع الأشياء قول آل محمد: فيما أسروا، وما أعلنوا، وفيما بلغني عنهم، وفيما لم يبلغني)) . [صفحة 387] الفائدة السادسة عبرة واعتبار ..... إن نفع الاعتبار (۱) ) عن أبي مريم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال أبي يوماً وعنده أصحابه: من منكم تطيب نفسه: أن يأخذ جمرةً في كفه، فيُمسكها حتى تطفأ؟ قال: فكاع (1) الناس كلهم ونكلوا)، فقمت وقلت: يا أبة، أتأمر أن أفعل؟ فقال: ليس إياك عنيتُ، إنما أنت مني، وأنا منك . بل إياهم أردتُ، قال: وكررها ثلاثاً . ثم قال: ما أكثر الوصف، وأقل الفعل . إن أهل الفعل قليل، إن أهل الفعل قليل . ألا وإنا لنعرف أهل الفعل والوصف معاً، وما كان هذا منا تعامياً عليكم؛ بل لنبلوكم أخباركم، ونكتب آثاركم فقال: والله، لكأنما مادتْ (۳) بهم الأرض حياءاً مما قال، حتى أني لأنظر إلى الرجل منهم يرفض) عرقاً، ما يرفع عينيه من الأرض . فلما رأى ذلك منهم قال: رحمكم الله، فما أردت إلا خيرا، إن الجنة درجات: فدرجة أهل الفعل لا يدركها أحد من أهل القول، ودرجة أهل القول لا يدركها غيرهم. قال: فوالله، لكأنما نَشَطوا من عقال (۴)) (1). (٤) يرفض: يسيل، ويجري (۱) كاع: هاب، جبن (۲) نكلوا: نكصوا وجبتوا وخافوا . (٥) نشطوا من عقال: أي أطلقوا من قيودهم وحبالهم . [صفحة 388] عن إبراهيم بن عبد الله الصوفي، قال: حدثني موسى بن بكر الواسطي، قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: لو ميزت شيعتي لم أجدهم إلا واصفةً، ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين، ولو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد، ولو غربلتهم لم يبق منهم إلا ما كان لي . إنهم طالما إتكوا على الأرائك، فقالوا: نحن شيعة علي، إنما شيعة علي: من صدق قوله فعله) (1) . وختاماً لهذا الفصل، لا أملك إلا أن أردد ما جاء في زيارة إمامنا صاحب الأمر والزمان صلوات الله عليه، وعجل الله تعالى فرجه الشريف: سيدي: (يا وقاية الله، وسترة، وبركته: أغثني، أديني، أدركني، صلني بك ولا تقطعني) ()، فأنتَ أملي، ولا أمل لي غيرك . [صفحة 389] الفَصلُ الثالث البَراءَةُ الحَقَّةُ سر النجاح والفشل، والتوفيق والخذلان، في جميع أنواع الفتن والإمتحانات [صفحة 391] من حديث النور: ) عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل البصري، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: تقعدون في المكان، فتحدثون، وتقولون ما شئتم، وتتبرؤون ممن شئتم، وتولون من شئتم؟ قلت: نعم . قال: وهل العيش إلا هكذا!)) . (1) عن الكافي الشريف ج ۸ ص ۲۲۹ ج ۲۹۲ . [صفحة 393] من حديث المعرفة: قال سيدنا الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه)، في وصيته الإلهية السياسية الشريفة: ... ومن جملة ذلك: أن لا يغفلوا أبداً عن مراسم عزاء الأئمة الأطهار، وخصوصاً عزاء سيد المظلومين ورائد الشهداء أبي عبدالله الحسين صلوات الله الوافرة، وصلوات أنبياء الله وملائكته والصالحين على روحه العظيمة المقدامة . وليعلموا: أن كل أوامر الأئمة عليهم السلام في مجال إحياء ملحمة الإسلام التاريخية هذه . وأن كل اللعن الظالمي آل البيت، والتنديد بهم ليس إلا صرخة الشعوب في وجه الحكام الظالمين عبر التاريخ وإلى الأبد. وتعلمون: أن لعن بني أمية لعنة الله عليهم، ورفع الصوت بإستنكار ظلمهم مع أنهم إنقرضوا، وولوا إلى جهنم، هو صرخة ضد الظالمين في العالم، وإبقاء لهذه الصرخة (۱) المحطّمة للظلم نابضة بالحياة. و من اللازم أن تتضمن اللطميات، وأشعار الرثاء، وأشعار المديح لأئمة الحق عليهم سلام الله، التذكير وبطريقة ساحقة (1) بالفجائع ومظالم الظالمين (۱) مراده رضوان الله تعالى عليه من هذه الصرخة: صرخة الحسين عليه السلام ونهضته في وجه [صفحة 394] في كل عصر ومصر. وفي هذا العصر: عصر مظلومية العالم الإسلامي على يد أمريكا وروسيا وسائر المرتبطين بهم، ومن جملتهم آل سعود هؤلاء الخونة للحرم الإلهي العظيم، لعنة الله وملائكته ورسله عليهم . فإن من اللازم التذكير بذلك، ولعنهم والتنديد بهم بصورة مؤثرة وفاعلة . ويجب أن نعلم جميعاً: أن ما يوجب الوحدة بين المسلمين هو هذه المراسم السياسية التي تحفظ هوية المسلمين خصوصاً شيعة الأئمة الإثني عشر عليهم صلوات الله وسلامه . ومن اللازم أن أذكر بأن وصيتي السياسية الإلهية لا تختص بالشعب الإيراني العظيم الشأن، بل هي توصية لجميع الشعوب الإسلامية ومظلومي العالم من أي شعب ودين ((۱) . وهنا أمران في غاية الأهمية لابد من الإلتفات إليهما: أولاً - قال قدست نفسه الزاكية: (ويجب أن نعلم جميعاً: أن ما يوجب الوحدة بين المسلمين هو هذه المراسم السياسية التي تحفظ هوية المسلمين)، بما فيها من لعن وبيل وتشهير وفضح لمن ظلموا أهل البيت عليهم السلام وأشياعهم الطيبين . ثانياً - لقد بين رضوان الله تعالى عليه أن وصيته الشريفة هذه لم تكن خاصة بالشعب الإيراني فحسب . بل هي لكل المسلمين ولكل المظلومين . فتكون البراءة حينئذ، - وما اللعن إلا شعارها القولي واللفظي -، هي [صفحة 395] أساس الوحدة بين المسلمين، وسبيل الخلاص كل المظلومين . وذلك هو الحق الصراح المبين . وهل بعد الحق إلا البطلان والضلال؟!!! وهنا ثمرات يانعة من رياض جنان أحاديث آل محمد صلوات الله عليهم: الثمرة الأولى البراءة الحقة والولاية الصادقة هما حقيقة الدين الذي يدعو إمامنا عليه السلام الناس إليه، حين ظهوره الشريف، ويواخذهم عليهما . (۱) عن أبي جعفر عليه السلام، قال: يبايع القائم بمكة على كتاب الله وسنة رسوله، ويستعمل على مكة، ثم يسير نحو المدينة فيبلغه أن عامله قُتل، فيرجع إليهم فيقتل المقاتلة، ولا يزيد على ذلك . ثم ينطلق فيدعو الناس بين المسجدين إلى: كتاب الله، وسُنّة رسوله، والولاية لعلي بن أبي طالب، والبراءة من عدوه ...) (1) . من حديث طويل يرويه الصحابي الجليل عبد الأعلى الحلبي (ره)، عن إمامنا أبي جعفر الباقر صلوات الله عليهما، يتحدث فيه عن إمام زماننا عليه [صفحة 396] السلام وكيفية ظهوره الشريف، فيقول واصفاً له صلوات الله عليهما: ... ويستعمل (1) على مكة، ثم يسير فيبلغه أن قد قتل عامله، فيرجع إليهم، فيقتل المقاتلة لا يزيد على ذلك شيء: يعني السبي . ثم ينطلق فيدعو الناس إلى: كتاب الله، وسنة نبيه عليه وآله السلام، والولاية لعلي بن أبي طالب عليه السلام، والبراءة من عدوه)) . ثم يحدثنا إمامنا باقر العترة الطاهرة صلوات الله عليه وعليها في نفس هذا الحديث الشريف، عن دخول ولينا وإمام زماننا عليه السلام المدينة المنورة، إلى أن يقول عليه السلام: (... ثم ينطلق حتى ينزل الشقرة، فيبلغه أنهم قد قتلوا عامله، فيرجع إليهم، فيقتلهم مقتلة ليس قتل الحَرةِ إليها بشيء . ثم ينطلق يدعو الناس إلى: كتاب الله، وسُنَّة نبيه، والولاية لعلي بن أبي طالب عليه السلام، والبراءة من عدوه) . (۳) من حديث جابر بن يزيد الجعفي (ره)، عن إمامنا الباقر عليه السلام في بيان أحداث الظهور الشريف، وذكر خطبة إمام زماننا صلوات الله عليه وهو مسند ظهره المبارك إلى البيت الحرام، إذ ينادي: (يا أيها الناس: إنّا نستنصر الله فمن أجابنا من الناس؟ فإنا أهل بيت نبيكم محمد . ونحن أولى الناس بالله وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلّم ....)، إلى أن يقول (1) المراد أن إمام زماننا عليه السلام ينصب عاملاً من قبله على مكة . [صفحة 397] صلوات الله عليه: (ألا فمن حاجني في كتاب الله، فأنا أولى الناس بكتاب الله . ألا ومن حاجني في سنة رسول الله، فأنا أولى الناس بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم؛ فأنشد الله من سمع كلامي اليوم لما أبلغ الشاهد منكم الغائب . وأسألكم بحق الله، وحق رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وبحقي؛ فإنّ لي عليكم حق القربى من رسول الله إلا أعنتمونا، ومنعتمونا ممن يظلمنا؛ فقد أخفْنا، وظلمنا، وطردنا من ديارنا وأبنائنا، وبغي علينا، ودفعنا عن حقنا، وأفترى أهل الباطل علينا . فالله الله فينا؛ لا تخذلونا، وانصرونا؛ ينصركم الله تعالى) (1). فما ذا ترى أيها العزيز: أليس البراءة الحقة بكل أبعادها، والولاية الصادقة بكل معانيها روح هذه الخطبة الشريفة؟: والتي هي البيان الأول المفصح عن حقيقة القيام المهدوي المقدس وأبعاده النورية الربانية . ثم هل يتصور أحد بعد هذا البيان الشريف، والخطبة المباركة: أن يكون من أنصاره عليه السلام ما لم يحمل البراءة الحقة من أعداء الزهراء وآل الزهراء عليها وعليهم أفضل الصلاة والسلام دماً يجري في كل أوردته و شرايينه؟! ولا يظن ذو لب أن الأمر بخاف على أحد من الناس، ولكن جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعُلواً)، لعنة الله عليهم . [صفحة 398] وفي رواية أخرى عن إمامنا الباقر عليه السلام: أن إمامنا صلوات الله عليه حين ظهوره الشريف، يقول في خطبته الشريفة بين الركن والمقام: .... إنا نشهد وكل مسلم اليوم أنا قد ظلمنا، وطردنا، وبغي علينا، وأخرجنا من ديارنا وأموالنا وأهالينا، وقهرنا؛ ألا أنا نستنصر الله اليوم وكل مسلم) (1) . فالتفت أيها المحب إلى قوله عليه السلام: وكل مسلم)، حيث جعل صلوات الله عليه عنوان الإسلام منطبقاً على كل من إعتقد مظلوميتهم والتي هي فرع عن أحقيتهم وبطلان أعدائهم لعنة الله عليهم جميعاً . وينتج من ذلك بديهة: أن من لم يعتقد بمظلوميتهم وأحقيتهم وبطلان أعدائهم فليس بمسلم، لعنة الله عليه . (٤) من حديث رواه أبو حمزة الثمالي (ره)، عن إمامنا الباقر صلوات الله عليه، وهو يحدثه عن إمام زماننا عليه أفضل الصلاة والسلام، فيقول: فيا طوبى لمن أدركه، وكان من أنصاره . والويل كل الويل لمن خالفه، وخالف أمره، وكان من أعدائه . ثم قال: يقوم بأمر جديد، وسنة جديدة، وقضاء جديد على العرب شديد، ليس شأنه إلا القتل، ولا يستتيب أحداً، ولا تأخذه في الله لومة لائم)) . [صفحة 399] وتلك أيها المحب البراءة العملية الحقة، تتجلى لنا في سيرة إمام زماننا صلوات الله عليه حين ظهوره الشريف. (٥) وجاء في زيارة إمامنا الغائب الشاهد صلوات الله عليه: وأنك حي لا تموت، حتى تبطل الجبت والطاغوت) (۱). وقد مر عليك أيها العزيز تفصيل ذلك في الفتنة الثانية من الفصل الأول من فصول هذا الكتاب . وإني أرتل بين يديك أيها الشيعي الغيور: فتوكل على الله، إنك على الحق المبين . إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين . وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم، إن تُسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون) (1) . [صفحة 400] الثمرة الثانية البراءة الحقة والولاية الصادقة هما السر الذي يحمله الأصحاب المخلصون الأوفياء لإمام زماننا عليه السلام )أ( في عصر الغيبة الشريفة (۱) عن يونس بن عبد الرحمن، قال: دخلت على موسى بن جعفر عليهما السلام، فقلت له: يا ابن رسول الله أنت القائم بالحقِّ؟ فقال: أنا القائم بالحق، ولكن القائم الذي يطهر الأرض من أعداء الله عز وجل، ويملأها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً: هو الخامس من ولدي له غيبة يطول أمدها خوفاً على نفسه، يرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون . ثم قال عليه السلام: طوبى لشيعتنا المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا، والبراءة من أعدائنا، أولئك منا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمة، ورضينا بهم شيعةً، فطوبى لهم، ثم طوبى لهم، وهم والله معنا في درجاتنا يوم القيامة)) . عن سدير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلّى [صفحة 401] الله عليه وآله وسلم: طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو مقتد به قبل قيامه، يأتم به وبأئمة الهدى من قبله، ويبرء إلى الله عز وجل من عدوهم، أولئك رفقائي وأكرم أمتي علي) (1) . (۳) ) عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو يأتم به في غيبته قبل قيامه، ويتولى أولياءه، ويُعادي أعداءه، ذلك من رفقائي، وذوي مودتي، وأكرم أمتي علي يوم القيامة (1) . (٤) عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي، وهو مفتون (۳) به قبل قيامه، يتولى وليه، ويتبرء من عدوه) (1) . )ب( في عصر الظهور الشريف (۱) عن عجلان أبي صالح، قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: (۱) عن إكمال الدين وتمام النعمة ج ١ ص ٢٨٦ وص ۲۸۷ ج ٣ . (۲) عن المصدر الشريف المتقدم ج ١ ص ٢٨٦ ٢ . [صفحة 402] لا تمضي الأيام والليالي حتى يُنادي مناد من السماء: يا أهل الحق إعتزلوا، يا أهل الباطل إعتزلوا . فيُعزل هؤلاء من هؤلاء، ويُعزل هؤلاء من هؤلاء . قال: قلت: أصلحك الله يخالط هؤلاء هؤلاء بعد ذلك النداء؟ قال: كلاً، إنه يقول في الكتاب: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه، حتى يميز الحبيث من الطيب) (1)) (٢). ولا يخفى عليك أيها المحب: فإن أهل الحق: هم شيعة إمام زماننا عليه السلام، وإن أهل الباطل: هم المخالفون، والمشككون، والنواصب، والمنافقون الذين ينسبون أنفسهم زوراً وبهتاناً إلى الشيعة والتشيع، لعنة الله عليهم جميعاً . وما إعتزال أهل الحق عن أهل الباطل دون أن تحدث مخالطة بينهم مطلقاً بعد الظهور الشريف، إلا تطبيق عملي صادق في كل أبعاده لمعنى البراءة الحقة، التي كان يعيش معناها ومضمونها المخلصون من أصحاب إمامنا عليه السلام في عصر غيبته الشريفة . (۲) عن سعد عن أبي جعفر عليه السلام، قال: حديثنا صعب، مستصعب، لا يحتمله إلا: مَلَكٌ مُقرب، أو نَبي مُرسَل، أو مؤمن ممتحن، أو مدينة حصينة). فإذا وقع أمرنا وجاء مهدينا، كان الرجل من شعيتنا أجرى من (1) من الآية الشريفة (۱۷۹) من سورة آل عمران المباركة . [صفحة 403] ليث، وأمضى من سنان: يطأ عدونا برجله، ويضربه بكفيه، وذلك عند نزول رحمة الله، وفرجه على العباد (1) . (۳) جاء في حديث رواه شيخنا المفيد (ره)، عن إمامنا الباقر عليه السلام في وصف الشيعة المخلصين عند ظهور إمامنا عليه السلام: ... فإذا وقع أمرنا، وخرج مهدينا: كان أحدهم أجرى من الليث، وأمضى من السنان: يطأ عدونا بقدميه، ويقتله بكفيه) (٢). وعن حافظ الأسرار المعصومية جابر الجعفي رضوان الله تعالى عليه، قال: ) قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله نزع الخوف من قلوب شيعتنا، وأسكنه قلوب أعدائنا . فواحدهم أمضى من سنان، وأجرى من ليث: يطعن عدوه برمحه، ويضربه بسيفه، ويدوسه بقدمه (۳). (٤) ومن حديث الصحابي الجليل عبد الأعلى الحلبي (ره)، عن باقر العترة الطاهرة صلوات الله عليه وعليها . عن مجيء إمام زماننا عليه السلام إلى الكوفة: (.... فيخرج إليه من كان بالكوفة، من مرجئها وغيرهم من جيش السفياني . فيقول لأصحابه: إستطردوا لهم، ثم يقول: كروا عليهم. وقولهم، التابع المطيع لهم، الوفي بعهده معهم، الصادق في حبه لهم، صلوات الله عليهم (۱) عن بصائر الدرجات الشريف ص ٤٤ ح ١٧ . [صفحة 404] قال أبو جعفر عليه السلام: ولا يجوز والله الخندق منهم مخبر) (1) . وإنما يكون ذلك منهم لما تحمله قلوبهم المخلصة لإمامهم عليه السلام من براءة واقعية صادقة، كانوا يعيشون حقيقتها زمن الغيبة الشريفة، فبرز مصداقها العملي الواضح حين الظهور الشريف. الفارقية [صفحة 405] الثمرة الثالثة البراءة الحقة ومعناها الإجمالي قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد (1) الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، ويُدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، رضي الله عنهم ورضوا عنه، أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون) (3) . وفي الأحاديث المعصومية المقدسة الشريفة: (۱) ) عن أبي حمزة، قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: إنما يعبد الله من يعرف الله، فأما من لا يعرف الله؛ فإنما يعبده هكذا ضلالاً . قلت: جعلت فداك، فما معرفة الله؟ قال: تصديق الله عز وجل، وتصديق رسوله صلى الله عليه وآله، وموالاة علي، والأئتمام به وبأئمة الهدى عليهم السلام، والبراءة إلى الله عز وجل من عدوهم . هكذا يُعرفُ الله عز وجل (۳). (۱) حاد: حارب، عادى، أبغض، جانب، وزبدة القول: إنه إتخذ حداً وجهة في الإنحراف إلى الضلالة والنصب لآل الرسول صلوات الله عليه وعليهم . [صفحة 406] ) عن عمرو بن مدرك الطائي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه: أي عرى الإيمان أوثق؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم . وقال بعضهم: الصلاةُ . وقال بعضُم: الزكاة. وقال بعضهم: الصيام . وقال بعضهم: الحج والعمرة . وقال بعضهم: الجهاد. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لكل ما قلتم فضل وليس به (۱)، ولكن أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله، وتوالي) أولياء الله، والتبري من أعداء الله)) . (۳) ) عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: كل من لم يُحب على الدين، ولم يبغض على الدين، فلا دين له) (٤) . (٤) (عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا أبا حمزة، إنما يعبد الله من عرف الله، فأما من لا يعرف الله، كأنما يعبد غيره هكذا ضالاً، قلت: أصلحك الله، وما معرفة الله؟ (1) المراد: وليس بالأوثق (۲) التوالي: بمعنى التولي والموالاة [صفحة 407] قال: يصدق الله، ويُصدق محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله في موالاة علي والإيتمام به، وبأئمة الهدى من بعده، والبراءة إلى الله من عدوهم، وكذلك عرفان الله . قال: قلتُ: أصلحك الله، أي شيءٍ إذا عملته أنا إستكملت حقيقة الإيمان؟ قال: توالي أولياء الله، وتُعادي أعداء الله، وتكون مع الصادقين كما أمرك الله . قال: قلت: ومن أولياء الله، ومن أعداء الله؟ فقال: أولياء الله: محمد رسول الله، وعلي، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ثم إنتهى الأمر إلينا، ثم إبني جعفر ـ وأوماً إلى جعفر وهو جالس - فمن والى هؤلاء فقد والى الله؛ وكان مع الصادقين كما أمره الله . قلت: ومن أعداء الله، أصلحك الله؟ قال: الأوثان الأربعة . قال: قلت: من هم؟ قال: أبو الفصيل، ورمع، ونعثل، ومعاوية ومن دان بدينهم، فمن عادى هؤلاء فقد عادى أعداء الله) (۱). وهنا أيها المحب الموالي لأولياء الله، والمتبرئ من أعدائهم أعداء الله، فإلهج معي ومن كل القلب والضمير: [صفحة 408] (اللهم والعن أول ظالم ظلم آل بيت محمد، والعن أرواحهم وديارهم وقبورهم . والعن اللهم العصابة التي نازلت الحسين بن بنت نبيك، وحاربته، وقتلت أصحابه، وأنصاره، وأعوانه، وأوليائه، وشيعته، ومحبيه، وأهل بيته، وذريته . والعن اللهم الذين نهبوا ماله، وسلبوا حريمه، ولم يسمعوا كلامه، ولا مقاله . اللهم والعن كل من بلغه ذلك فرضي به من الأولين الآخرين، والخلائق أجمعين، إلى يوم الدين) (1). [صفحة 409] الثمرة الرابعة شعار البراءة الحقة الصادقة لعن أعداء آل محمد صلوات الله عليهم) أ في كتابنا العزيز الكريم وقرآننا العظيم، قال سبحانه وتعالى عما يقوله المشركون: ١ - إِنَّ الذينَ يُؤذونَ الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهينا (1). وقد صرحت الأحاديث النبوية الشريفة في كتب الفرقة الناجية المهتدية، وكذاك في كتب المخالفين، عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، أنه قال: فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما آذاها) (3) . ۲ - والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يُوصَل، ويُفسدون في الأرضِ، أولئكَ لَهُمُ اللعنة ولهم سُوءُ الدار)) . (۱) الآية الشريفة (٥٧) من سورة الأحزاب المباركة . (۲) أذكر هنا على سبيل المثال بعضاً من كتب المخالفين التي ذكرت هذا الحديث الشريف وهذا المضمون المقدس، وهي كثيرة جداً إلا أني سأشير إلى بعض منها، مثل: مسند ابن حنبل ج ٤ صه، وصحيح مسلم ج ٧ ص ١٤٠، وصحيح الترمذي ج ١٣ ص ٢٤٧، ومستدرك الحاكم النيشابوري ج ۳ ص ۱۵۹، وصواعق ابن حجر ص ۱۸۸، وكنز العمال للهندي ج ۱۳ ص ۹۳، والنهاية للجزري ص ١٥٦، وغيرها كثير جداً . أسأله تعالى بحق صاحبة الضلع المكسور والجنين المسقط أن يوفقني للتعرض لهذا المطلب في [صفحة 410] وقد جاء في زيارة الصديقة الكبرى أم الحسن والحسين صلوات الله عليها وعليهما وآلهما: ) ومن آذاك فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن وصلك فقد وصل رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن قطعك فقد قطع رسول الله صلى الله عليه وآله .......)) . - إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (1) . وهل هناك كتمان للحق والهدى أوضح من كتمان أعداء آل محمد عليهم السلام لحقهم وفضلهم وهداهم صلوات الله عليهم؟! ٤ - كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات، والله لا يهدي القوم الظالمين - أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . وأي كفر بعد الإيمان أصرح من نقض العهود والمواثيق التي أخذت على القوم في بيعة الغدير المقدسة؟! وأي شيء صنعوا بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله؟! وأي النتائج أنتجت سقيفتهم المشؤومة؟! (۱) عن المفاتيح الشريف ص ۳۱۷ و ص ۳۱۸ . [صفحة 411] إستفهامات أترك الإجابة عليها لكل منصف غيور . ه - ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغَضِبَ اللهُ عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيما) (1). وفي الزيارة الجامعة لأئمة المؤمنين عليهم السلام: ) ياموالي، فلو عاينكم المصطفى، وسهام الأمة مغرقةً في أكبادِكُم، ورماحُهُم مُشرعةٌ في نحوركم، وسيوفها مُولَغَةٌ في دمائكم . يشفي أبناء العَواهِرِ عَليلَ الفِسْقِ مِن وَرَعكم وغيظ الكفر من إيمانكم . وأنتم بين صريع في المحراب قد فَلَق السيف هامته، وشهيد فوق الجنازة قد شكت أكفانه بالسهام، وقتيل بالعراء قد رفع فوقَ القَناةِ رَأْسُهُ، ومُكَبَّل في السجن قد رضت بالحديد أعضاؤه، ومسموم قد قطعت بجرع السم أمعاؤه، ...)) . ٦ - ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وَعَدَنا ربنا حقاً فهل وجدتُم ما وعد ربكم حقاً، قالوا نعم، فَأَذَّنَ مُؤذِّنٌ بينهم أن لعنة الله على الظالمين (۳). وهل يوجد معنى للظلم أوضح وأنكى من ظلم الزهراء وآلها الأطهار صلوات الله عليهم؟ والآية صريحة في أن شعار البراءة من أعداء آل محمد صلوات الله عليهم: وهو لعنهم ليس فقط من الخلق العالي لأهل الإيمان في الدنيا، بل (1) الآية الشريفة (۹۳) من سورة النساء المباركة . [صفحة 412] هو من الخلق الرفيع لأهل الآخرة، وسكان العوالم الجنائية المقدسة أيضاً . - وَعَدَ الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها، هي حسبهم، ولعنهم الله، ولهم عذاب مقيم). وهل عرف التأريخ - أيها المنصفون - إلى يومنا هذا: منافقين ومنافقات كأعداء الزهراء وآلها الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين؟ ومن أظلم ممن افترى على الله كَذِباً، أولئك يُعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين). ولست واجداً أيها المنصف في تأريخ الإسلام قوماً جمعوا بين الإفتراء على الله ورسوله صلى الله عليه وآله، وبين الظلم الشنيع مثل ظالمي الزهراء وآلها الأطهار صلوات الله عليهم جميعاً، أبداً!!! -- وما جعلنا الرؤيا التي أريناكَ إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن، وتخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً) ". وما الشجرة الملعونة هنا إلا شجرة أعداء آل محمد صلوات الله عليهم والتي تمت جذورها في سقيفة بني ساعدة . وقد ذكرت كتب الحديث والتفسير عند الفرقة الناجية المهتدية وعند (1) الآية الشريفة (٦٨) من سورة التوبة المباركة [صفحة 413] المخالفين أن الشجرة الملعونة هذه: بنو أمية لعنة الله عليهم قاطبة . وما هم - أركسهم الله في نار جهنم وزاد في عذابهم - إلا ثمرة من تلك الثمار الخبيثة التي أنتجتها السقيفة المشؤومة . وما المسبب لو لم ينجح السبب؟!) ۱۰ - والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) (1). وهل تجد أيها المنصف مصداقاً واقعياً ظاهراً للكذب وللكاذبين أوضح وأجلى من أعداء الزهراء عليها السلام ومكذبيها، ومن أعداء أمير المؤمنين وآله المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين؟! ۱۱ - إِنَّ الذينَ يَرْمُونَ المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم) (٢) . فإذا كان هذا حال من يقذف عامة أهل الإيمان - وما المؤمنات هنا إلا مصداق ـ، فما حال من ينسب الكذب والعظائم بهتاناً وإفتراءاً على من فرض الله طاعتهم والتسليم لأمرهم عليهم أفضل الصلاة والسلام؟! ۱۲ - لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لتغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا . ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا) . (1) الآية الشريفة (۷) من سورة النور المباركة . [صفحة 414] والمذكورون الملعونون أيها المنصف في هذه الآية الشريفة هم من الذين يقال لهم: صحابة النبي صلى الله عليه وآله لأنهم كانوا مجاورين له صلى الله عليه وآله كما تقول الآية الشريفة: في المدينة)، و لا يجاورونك)، باعتبار أن المخالفين عدوا كل من عاش في زمن النبي صلى الله عليه وآله صحابياً، فكيف بمن كان من أهل المدينة، أو من جيرانه صلى الله عليه وآله؟! وأولاء هم أصحاب السقيفة المشؤومة . ۱۳ - يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار . (١). ومن هم الظالمون؟ أفليس أعداء الزهراء وآل الزهراء صلوات الله عليها وعليهم، هم؟! أوليس أعداء أمير المؤمنين والأئمة المعصومين من ولده عليهم السلام جميعاً، هم؟! ١٤ - فَهَلْ عَسَيْتُم إِنْ تَوليتُم أن تُفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم . أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) (1) . (۲) وأجلى مصاديق تقطيع الأرحام، هو قطع رحم رسول الله صلى الله عليه وآله، في عترته الطاهرة. حيث جاءتنا الأحاديث الشريفة عن المعصومين عليهم السلام أن الرحم المذكور في القرآن الكريم هو رحم آل محمد [صفحة 415] صلوات الله عليهم وهو معلّق بالعرش ..... فقطع الله من قطعه ولعنه وأعد له سوء العذاب ١٥ - ويُعذِّب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء، عليهم دائرة السوء، وغَضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم، وساءت مصيرا) (1) . وليس الكلام يقف عند هذا الحد، ولا الآيات الشريفة التي لعنت المنحرفين عن الحق وأئمة الضلال محصورة بهذا العدد الذي ذكرته بين يديك الكريمة أيها المحب . وإني لخوفي من الإطالة والإطناب سأذكر لك مواطن الآيات الشريفة الأخرى التي أكدت على اللعن في الكتاب الكريم دون ذكرها بالنص والتعليق عليها: ١٦ - الآية الشريفة (۸۸) من سورة البقرة المباركة ۱۷ - الآية الشريفة (۸۹) من سورة البقرة المباركة ۱۸ - الآية الشريفة (١٦١) من سورة البقرة المباركة . ١٩ - الآية الشريفة (٦١) من سورة آل عمران المباركة . ٢٠ - الآية الشريفة (٤٦) من سورة النساء المباركة . ٢١ - الآية الشريفة (٤٧) من سورة النساء المباركة . ۲۲ - الآية الشريفة (٥٢) من سورة النساء المباركة . ۲۳ - الآية الشريفة (۱۱۸) من سورة النساء المباركة . [صفحة 416] ٢٤ - الآية الشريفة (۱۳) من سورة المائدة المباركة . ٢٥ - الآية الشريفة (٦٠) من سورة المائدة المباركة . ٢٦ - الآية الشريفة (٦٤) من سورة المائدة المباركة . ۲۷ - الآية الشريفة (۷۸) من سورة المائدة المباركة . ۲۸ - الآية الشريفة (٦٠) من سورة هود المباركة ۲۹ - الآية الشريفة (۹۹) من سورة هود المباركة . ٣٠ - الآية الشريفة (٣٥) من سورة الحجر المباركة . ٣١ - الآية الشريفة (٤٢) من سورة القصص المباركة . ۳۲ - الآية الشريفة (٦٤) من سورة الأحزاب المباركة . ٣٣ - الآية الشريفة (۷۸) من سورة ص المباركة .. فهذه ثلاثة وثلاثون مورداً في الكتاب الكريم أكد الباري سبحانه وتعالى فيها اللعن على أهل الضلالة والغي والإنحراف والذين يقف على رأسهم أعداء الزهراء وآل الزهراء صلوات الله عليها وعليهم أجمعين . فلعنة الله عليهم أبد الآبدين . وهنا لابد من الإلتفات إلى أن القرآن الكريم لم يتطرق لتفصيل أحكام الشريعة بجزئياتها، وإنما ذكرها بنحو كلي إجمالي ولم يُخصص لكل حكم من الأحكام المهمة في الشريعة المقدسة إلا عدداً محدوداً من الآيات الكريمة . مع علمنا بأهميتها وضرورتها . وكذلك فإن هناك الكثير من المطالب العقائدية المهمة تحدث عنها القرآن الكريم في آية أو [صفحة 417] ومع كل ذلك فإنا نجد القرآن العظيم يؤكد الحديث عن اللعن في هذا العدد الضخم من الآيات القرآنية الكريمة فعن أي شيء يكشف هذا أيها المنصفون؟ أليس يكشف ذلك عن ضروة اللعن في حياتنا الإعتقادية؟ أوليس يؤكد لنا الباري سبحانه وتعالى هنا أن اللعن على الظالمين هو من أخلاقه وصفاته جل شأنه وتعالى؟ أولسنا مأمورين أن نتخلق بأخلاق الله؟ إذ لطالما صدع النبي صلى الله عليه وآله بين أظهرنا: ) تخلّقوا بأخلاق الله) [صفحة 418] ب - وفي الأحاديث المعصومية الشريفة، قال الأطيبون الأطهرون صلوات الله عليهم جميعاً: (۱) سئل أمير المؤمنين عليه السلام: (وكيف يُحاسب الرجل نفسه؟ فقال: إذا أصبح ثم أمسى رجع إلى نفسه، وقال: يا نفس إن هذا يوم مضى عليك لا يعود إليك أبدا، والله تعالى يسألك عنه بما أفنيتيه؟ وما الذي عملت فيه؟ أذكرت الله؟ أحمدتيه؟ أقضيت حق أخ مؤمن؟ أنفست عنه كربة؟ أحفظتيه بظهر الغيب في أهله وولده؟ أحفظتيه بعد الموت في مخلفيه؟ أكففت عن غيبة أخ مؤمن بفضل جاهك؟ أ أعنتِ مسلماً؟ مالذي صنعت فيه؟ فيذكر ما كان منه، فإن ذكر أنه جرى منه خير؛ حمد الله تعالى وشكره على توفيقه، وإن ذكر معصية أو تقصيراً إستغفر الله تعالى، وعزم على ترك معاودته، ومحى ذلك عن نفسه بتجديد الصلاة على محمد وآله الطيبين، وعَرْض بيعة أمير المؤمنين عليه السلام على نفسه وقبوله لها، وإعادة لعن أعدائه وشانئيه ودافعيه عن حقوقه . فإذا فعل ذلك، قال الله عز وجل: لست أناقشك في شيء من الذنوب مع موالاتك أوليائي ومعاداتك أعدائي) (1). ولا يخفى عليك أيها المحب فإن المرسوم بين أهل الله أن تكون المحاسبة في [صفحة 419] كل يوم، وعليه فلا بد من اللعن في كل يوم، بل في كل حال من الأحوال، فإن لم يكن لفظياً وقلبياً، فليكن قلبياً على الأقل . اللهم وفقنا للعن أعداء الزهراء وآل الزهراء صلوات الله عليها وعليهم في كل آن من آناتنا بالقلوب والألسنة والعمل، وأمتنا ونحن نردد لعنهم على شفاهنا، واقبرنا على لعنهم، وابعثنا على لعنهم، لعنة الله عليهم جميعاً . (۲) عن إمامنا الزاكي العسكري صلوات الله عليه: أن رجلاً قال للصادق عليه السلام: يا ابن رسول الله، إني عاجز ببدني عن نصرتكم، ولست أملك إلا البراءة من أعدائكم واللعن، فكيف حالي؟ فقال الصادق عليه السلام: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: من ضعف عن نصرتنا أهل البيت، فلعن في صلاته أعداءنا، بلغ صوته جميع الأملاك من الثرى إلى العرش . فكلَّما لَعَنَ هذا الرجل أعداءنا لعناً، ساعدوه، فلعنوا من يلعنه، ثم ثنوه فقالوا: اللهم صل على عبدك هذا الذي قد بذل ما في وسعه، ولو قدر على أكثر منه لفعل، فإذا النداء من قبل الله تعالى: قد أجبتُ دُعاءكم، وسمعت نداءكم، وصليت على رُوحِهِ في الأرواح، وجعلته عندي من المصطفين الأخيار)). [صفحة 420] من حديث قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله مخاطباً أصحابه: ) لا تعجبوا لحفظه السماء أن تقع على الأرض، فإن الله عز وجل يحفظ ما هو أعظم من ذلك . قالوا: وما هو؟ قال: من ذلك ثواب طاعات المحبين لمحمد وآله، ثم قال: (وأنزل من السماء ماء) (۱) يعني: المطر، ينزل مع كل قطرة ملك يضعها في موضعها الذي يأمره به ربه عز وجل؛ فعجبوا من ذلك . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أو تستكثرون عدد هؤلاء؟! وإن الملائكة المستغفرين لمحبي علي بن أبي طالب أكثر من عدد هؤلاء، وإن عدد الملائكة اللاعنين المبغضيه أكثر من عدد هؤلاء (٢). فانظر أيها المحب الودود اللاعن لأعداء أوليائك الأطهار صلوات الله عليهم: كيف أن قطان العوالم العلوية من الملائكة المقربين يلهجون بلعن أعداء الزهراء وآله الأطهرين عليها وعليهم أفضل الصلاة والسلام . (٤) عن إمامنا السجاد صلوات الله وسلامه عليه: ... والملائكة (٣)، ومن آمن بالملائكة إنهم عباد معصومون لا يعصون (1) من الآية الشريفة (۲۲) من سورة البقرة المباركة . [صفحة 421] الله عز وجل ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وإن أشرف أعمالهم في مراتبهم التي قد رتبوا فيها من الثرى إلى العرش: الصلاة على محمد وآله الطيبين صلوات الله عليهم، واستدعاء رحمة الله ورضوانه لشيعتهم المتقين، واللعن للمتابعين لأعدائهم المجاهرين والمنافقين والمجاهرين) (۱). فأشرف أعمال الملائكة: اللعن إذاً . وقد روى شيخنا المحدث النوري (ره) في المستدرك الشريف جه ص ٣٤٠ - ٣٦/٦٠٤٥ مثل هذا المضمون، ومؤداه: أن أشرف أعمال المؤمنين هو لعن المتابعين لأعداء الزهراء وآل الزهراء صلوات الله عليها وعليهم أجمعين . (٥) وعن إمامنا زين العابدين وسيد الساجدين صلوات الله عليه أيضاً: ) ... والويل للمعاندين علياً؛ كفراً بمحمد، وتكذيباً بمقاله، وكيف يلعنهم الله بأخس اللعن من فوق عرشه! وكيف يلعنهم حملة العرش، والكرسي، والحجب، والسماوات، والأرض، والهواء، وما بين ذلك وما تحتها إلى الثرى! وكيف يلعنهم أملاك الغيوم، والأمطار، وأملاك البراري، والبحار، وشمس السماء، وقمرها، ونجومها، وحصباء الأرض، ورمالها، وسائر ما يدب من الحيوانات؛ فيُسفِلُ الله بلعن كُلِّ واحدٍ منهم لديه [صفحة 422] محالهم، ويقبح عنده أحوالهم، حتى يردوا عليه يوم القيامة، وقد شهروا بلعن الله ومقته على رؤوس الأشهاد، وجعلوا من رفقاء إبليس، ونمرود، وفرعون أعداء رب العباد وإن من عظيم ما يتقرب به خيار أملاك الحجب، والسماوات: الصلاة على محبينا أهل البيت، واللعن لشانئينا) (1) . (٦) ) عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: دخلت الجنة فرأيت على بابها مكتوباً: لا إله الا الله، محمد حبيب الله، علي بن أبي طالب ولي الله، فاطمة أمة الله، الحسن والحسين صفوة الله، على مبغضيهم لعنة الله). إن لعنة الله على أعداء الزهراء وظالميها وظالمي آلها الأطيبين صلوات الله عليها وعليهم أجمعين، مكتوبة على أبواب جنة رب العالمين، فلنكتبها يا شقيقي في حب فاطمة وآلها الأطياب على أبواب عقولنا وقلوبنا وأرواحنا. (۷) ) عن سليمان الجعفري، عن الرضا، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، قال: لا تأكلوا القنبرة، ولا تسبوه، ولا تعطوه الصبيان يلعبون بها؛ فإنها كثيرة التسبيح، وتسبيحها: لعن الله مبغضي آل محمد عليهم السلام (۳). (۱) عن البحار الشريف ج ٦٨ ص ٣٧ وص ٣٨ من ح ٧٩ . [صفحة 423] حتى الحيوانات فإنها تلعن أعداء محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين . فماذا أقول بعد هذا؟! ولربما طال بنا الكلام بعض شيء عن اللعن وضرورته في حياتنا الإعتقادية . إلا أني لم أعط الموضوع حقه؛ حيث أن النصوص الشريفة الواردة عن المعصومين عليهم السلام من الأحاديث العزيزة، والأدعية الكريمة، والزيارات المباركة كثيرة جداً، وما ذكرته في المقام ما هو إلا قطرة من جرة . فضلاً عن أحاديث كثيرة وردت في كتب المخالفين تتحدث عن اللعن، وعن طائفة من الملعونين على لسان النبي الهاشمي صلى الله عليه وآله، وقد خاب من من إفترى . [صفحة 424] دول الثمرة الخامسة الميدان مراتب البراءة الحقة هنالك مراتب للبراءة الحقة الصادقة، يجب على الشيعي الوفي، ويلزمه الإتيان بها والسعي إلى تحصيلها وتحقيقها في نفسه، وكذا في عائلته ومجتمعه إن أمكن ذلك . وها أني سأذكرها بين يديك أيها المحب الودود بثوبها الإجمالي، والتفصيل موكول إلى محاله: أولا - البراءة العاطفية: (۱) روى شيخنا المفيد (ره)، عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه، أنه قال: ) صديق عدو علي عليه السلام عَدُوٌّ علي عليه السلام) (1) . (۲) روى شيخنا البرسي (ره): أن رجلاً قال لأمير المؤمنين عليه السلام: (أنا أحبك وأهوى فلان (1)، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنت الآن أعور، فإما أن تعمى، أو تبصر) (۳). وروى إبن إدريس الحلي (ره) في مستطرفات سرائره: أن رجلاً قدم على أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين أنا أحبك وأحب فلاناً، وسمى بعض أعدائه، فقال عليه السلام: [صفحة 425] (أما الآن فأنت أعور، فإما أن تعمى، وإما أن تبصر . وفي تفسير شيخنا علي بن إبراهيم القمي (ره): ) عن أبي جعفر عليه السلام، في قوله: ما جَعَلَ اللهُ لرجل من قَلَبَينِ: ما في جوفه) (٢)، قال (۲)، قال علي بن أبي طالب عليه السلام: لا يجتمع حبنا وحب عدونا في جوف إنسان؛ إن الله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه، فيحب هذا، ويبغض هذا . فأما محبنا فيُخلص الحب لنا كما يُخلص الذهب بالنار، لا كدر فيه . فمن أراد أن يعلم حبنا، فَلْيَمتحن قلبه، فإن شاركه في حبنا حب عدونا، فليس منا ولسنا منه، والله عدوهم، وجبرئيل، وميكائيل، والله عدو الكافرين)) . (٤) من حديث يرويه إمامنا العسكري صلوات الله عليه، عن جده زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام، جاء فيه: ... ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإن من تعوذ بالله منه، أعاده الله، ونعوذ من همزاته، ونفخاته، ونفثاته . (1) عن مستطرفات السرائر الشريف ص ١٤٩ ح ١ . [صفحة 426] أتدرون ما هي؟ أما همزاته: فما يُلقيه في قلوبكم من بغضنا أهل البيت . قالوا: يارسول الله، وكيف نبغضكم بعد ما عرفنا محلكم من الله ومنزلتكم؟ قال صلى الله عليه وآله: بأن تبغضوا أولياءنا، وتُحبوا أعداءنا . فاستعيذوا بالله من محبة أعدائنا، وعداوة أوليائنا، فتعاذوا من بغضنا وعداوتنا . فإنه من أحب أعداءنا، فقد عادانا، ونحن منه براء، والله عز وجل منه بريء)(1). (٥) وروى إبن إدريس الحلي (ره) في مستطرفات سرائره أيضاً: ) قيل للصادق عليه السلام: إن فلاناً يواليكم، إلا أنه يضعف عن البراءة من عدوكم قال: هيهات كذب من ادعى محبتنا، ولم يتبرأ من عدونا)). (٦) عن إمامنا الزاكي العسكري صلوات الله عليه: (عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لبعض أصحابه ذات يوم: يا عبد الله أحب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله، وعاد في الله؛ فإنه لاتنالُ ولاية الله إلا بذلك، ولا يجد رجلٌ طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصيامه، حتى يكون كذلك . وقد صارت مواخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتوادون، وعليها يتباغضون، وذلك لا يغني عنهم من الله شيئاً . [صفحة 427] فقال له: وكيف لي أن أعلم أني قد واليت وعاديت في الله عز وجل؟ ومن ولي الله عز وجل حتى أواليه؟ ومن عدوه حتى أعاديه؟ فأشار له رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام، فقال: أترى هذا؟ فقال: بلى . قال: ولي هذا ولي الله فَوالِهِ، وعدو هذا عدو الله فعاده . قال: وال ولي هذا ولو أنه قاتل أبيك وولدك، وعاد عدو هذا ولو أنه أبوك أو ولدك) (1). (۷) من حديث حبيش بن المعتمر، عن أمير المؤمنين عليه السلام: يا حبيش، من سره أن يعلم: أمحب لنا، أم مبغض . فليمتحن قلبه، فإن كان يحب ولياً لنا فليس بمبغض لنا، وإن كان يبغض ولياً لنا فليس بمحب لنا . إن الله تعالى أخذ الميثاق المحبينا بمودتنا، وكتب في الذكر اسم مبغضنا . نحن النجباء، وأفراطنا أفراط الأنبياء ((٢). ثانياً - البراءة العقائدية: (۱) جاء في مستطرفات السرائر لإبن إدريس الحلي (ره)، نقلاً عن كتاب الصفواني (ره): [صفحة 428] ) عن الرضا عليه آلاف التحية والثناء، أنه قال: كمال الدين ولايتنا، والبراءة من عدونا . ثم قال الصفواني: واعلم يابني، أنه لا تتم الولاية، ولا تخلص المحبة، ولا تثبت المودة لآل محمد صلى الله عليه وآله إلا بالبراءة من عدوهم، قريباً كان منك أو بعيداً، فلا تأخذك به رأفة، فإن الله عز وجل يقول: لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم (1) الآية)) . (۲) وروى شيخنا الأجل بن شعبة الحراني (ره)، عن إمامنا الجواد صلوات الله عليه: (أوحى الله إلى بعض الأنبياء: أما زهدك في الدنيا فتعجلك الراحة، وأما إنقطاعك إلى فيعززك بي . ولكن هل عاديت لي عدواً، وواليت لي ولياً؟)). وروى شيخنا المجلسي (ره) في البحار الشريف، عن فقه الإمام الرضا عليه السلام: (أن الله أوحى إلى بعض عباد بني إسرائيل، وقد دخل قلبه شيء: أما عبادتك لي فقد تعززت بي، وأما زهدك في الدنيا فقد تعجلت الراحة . فهل واليت لي ولياً، أو عاديت لي عدواً؟ ثم أمر به إلى النار، نعوذ بالله منها) (3) . [صفحة 429] ) عن البزنطي، قال: كتب إلي الرضا عليه السلام: قال أبو جعفر عليه السلام: من سره أن لا يكون بينه وبين الله حجاب، حتى ينظر إلى الله، وينظر الله إليه؛ فليتول آل محمد، ويبرأ من عدوهم، ويأتم بالإمام منهم . فإنه إذا كان كذلك نظر الله إليه ونظر إلى الله) (1) . (٤) وتحضرني أبيات من بائية الكميت الأسدي (ره)، أود أن أذكرها بين يديك الكريمة، أيها المحب الودود: فمالي إلا آل أحمد شيعة ومالي إلا مَشْعَبَ الحقِّ مشعبُ ومن غيرهم أرضى لنفسي شيعة؟! ومن بعدهم؟ الا من أجل وأرْجَبُ) إليكم ذوي آل النبي تطلعت نوازع من قلبي ظماء والبب فإني عن الأمر الذي تكرهونه بقولي وفعلي ما استطعت الأجنب يُشيرون بالأيدي إلى وقولهم ألا خاب هذا، والمشيرون أخيب فطائفة قد كفرتني بحبكم وطائفة قالوا مسيء ومذنب فما ساءني تكفير هاتيك منهم ولاعيب هاتيك التي هي أعيب يعيبونني من حبهم وضلالهم على حبكم بل يسخرون وأعجب وقالوا تُرابي هواه ورأيه بذلك أدعى فيهم والقب وأحمل أحقاد الأقارب فيكم ويُنصب لي في الأبعدين فأنصب (۱) عن البحار الشريف ج ۲۷ ص ٥١ ٢ . [صفحة 430] ثالثا - البراءة الفعلية والعملية: أ - إياك ومجالستهم لعنة الله عليهم: قال تعالى في كتابه الكريم: وإذا رأيت الذين يخوضُونَ في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) (1) . و روى شيخنا الصدوق (ره): عن هشام بن سالم، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام، قال: من جالس لنا عائباً، أو مدح لنا قالياً، أو واصل لنا قاطعاً، أو قطع لنا واصلاً، أو والى لنا عدواً، أو عادى لنا ولياً؛ فقد كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم)) . ب - إياك أن تتخذ منهم صديقاً لعنة الله عليهم: فقد قال سبحانه وتعالى يصف عاقبة ظالمي الزهراء وآلها صلوات الله عليها وعليهم، وعاقبة من شايعهم لعنة الله عليهم: ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني إتخذت مع الرسول سبيلا . يا ويلتي ليتني لم أتَّخِذُ فلانا خليلا)). وإن أردت تفصيل الكلام في معنى هاتين الآيتين، فعليك بتفسير البرهان الشريف، وغيره من تفاسير أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم . (۱) الآية الشريفة (٦٨) من سورة الأنعام المباركة . [صفحة 431] ج - إياك أن تُشبع أحداً منهم، أو تطعمه، أو تسقيه، أو تؤويه في بيتك لعنة الله عليهم: فقد قال إمامنا الصادق صلوات الله عليه: (من أشبع عدواً لنا فقد قتل وليا لنا)) . وروى شيخنا الصدوق (ره) أيضاً، عنه صلوات الله عليه، أنه قال: من مثل مثالاً، أو إقتنى كلباً فقد خرج من الإسلام . فقيل له: هلك إذا كثير من الناس! فقال: ليس حيث ذهبتُم، إنما عنيت بقولي: (من مثل مثالاً: من نصب ديناً غير دين الله، ودعا الناس إليه . وبقولي: (من إقتنى كلباً: عنيت مبغضاً لنا أهل البيت، إقتناه، فأطعمه، وسقاه؛ من فعل ذلك فقد خرج من الإسلام) (1) . فحذار، حذار من الخروج من الإسلام، وهل بعد الإسلام إلا الكفر؟!!! د - إياك وذبائحهم وما يبيعونه من اللحوم لعنة الله عليهم: إذ روى شيخنا الحر العاملي (ره): ) عن أبي بصير،، قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام، عن الرجل يشتري اللحم من السوق، وعنده من يذبح ويبيع من إخوانه، فيتعمد الشراء من النصاب . فقال: أي شيء تسألني أن أقول؟ ما يأكل إلا مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. قلتُ: سبحان الله، مثل الدم والميتة ولحم الخنزير؟! فقال: نعم وأعظم عند الله من ذلك . ثم قال: إن هذا في قلبه على المؤمنين مرض (۳). (۱) عن معاني الأخبار الشريف ص ٣٦٥، باب معنى الناصب لعنة الله عليه . [صفحة 432] وروى أيضاً (ره): ) عن زكريا بن آدم، قال: قال أبو الحسن (۱) عليه السلام: إني أنهاك عن ذبيحة كل من كان على خلاف الذي أنت عليه وأصحابك، إلا في وقت الضرورة (1) إليه) (3) . هـ ـ إياك أن تستعين بأحد منهم بأي نحو كان، لعنة الله عليهم: إذ يُحدثنا شيخنا أبو جعفر البرقي (ره): (عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: ياجابر، لا تستعن بعدو نا في حاجة، ولا تستطعمه، ولا تسأله شربة ماء؛ إنه ليمر به المؤمن في النار، فيقول: يا مؤمن، ألست فعلت بك كذا وكذا؟ فيستحيي منه فيستنقذه من النار؛ وإنما سمي المؤمن مؤمناً؛ لأنه يؤمن على الله، فيؤمن (1) أمانه) (3) . وروى شيخنا المحدث عباس القمي (ره)، عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال لرجل من شيعته: (إجهد أن لا يكون المنافق عندك يد؛ فإن المكافي عنك وعنهم الله عز وجل بجنته، والمصطفى محمد صلى الله عليه وآله بشفاعته، والحسن والحسين عليهما السلام بحوض جدهما) (1). (۱) هو إمامنا الثامن، وولينا الضامن، شمس الشموس، وأنيس النفوس علي بن موسى الرضا عليهما أفضل الصلاة والسلام . (۲) إشارة إلى قوله تعالى في الآية الشريفة (۳) من سورة المائدة المباركة: فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم)، وتفصيل الحكم فيها موكول إلى بابه . (۳) عن الوسائل الشريف ج ١٦ ص ٣٥٦ باب ٢٨ ح ه . (٤) وفي البحار الشريف ج ٨ ص ٤٢ - ٣٦، نقلاً عن نسخة أخرى: (فيجيز)، وربما كان أوجه . [صفحة 433] وفي علل الشرائع لشيخنا الصدوق (ره) باب عنوانه: العلة التي من أجلها يكره تكليف المخالفين للحوائج) جاء فيه: ۱ - (عن حنان، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام، يقول: لا تسألوهم؛ فتكلفونا قضاء حوائجهم يوم القيامة)) . ۲ - (عن حنان، قال أبو جعفر عليه السلام: لا تسألوهم الحوائج؛ فتكونوا لهم الوسيلة إلى رسول الله يوم القيامة (٢) . و - إياك أن تسمي أحداً من ولدك، أو من غير ولدك بأسمائهم لعنة الله عليهم: إذ ورد في الخبر الشريف عن إمامنا الباقر صلوات الله وسلامه عليه: .... إن الشيطان إذا سمع منادياً يُنادي: يا محمد، يا علي؛ ذاب كما يذوب الرصاص، حتى إذا سمع منادياً يُنادي بإسم عدو من أعدائنا؛ إهتر واختال (۳))) . ز - إياك أن تتقاضى أو تترافع إليهم، لعنة الله عليهم: فقد روى شيخنا الكليني (ره): (عن عمر بن حنظلة، قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان (3) وإلى القضاة)، أيحل ذلك؟ قال: من (۱) و (۲) عن علل الشرائع الشريف ج ٢ ص ٥٦٤ باب ٣٦١ ح ١ و ٢ . (۳) إختال: تمايل في مشيته فرحاً، وتفاخر متكبراً . [صفحة 434] تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت . وما يحكم له فإنما يأخذ سحناً، وإن كان حقاً ثابتاً له؛ لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: ﴿ يُريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به) (1) . قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران إلى من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا؛ فليرضوا به حكماً؛ فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً . فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه، فإنما إستخف بحكم الله، وعلينا رد . والراد علينا: الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله)) . وروى (ره) أيضاً: (عن محمد بن مسلم، قال مر بي أبو جعفر وأبو عبدالله عليهما السلام، وأنا جالس عند قاض (۳) بالمدينة، قد خلت عليه من الغد، فقال لي: ما مجلس رأيتك فيه أمس؟! قال: قلت له: جعلت فداك، إنّ هذا القاضي لي مكرم، فربما جلست إليه . فقال لي: وما يؤمنك أن تنزل اللعنة فتعم من في المجلس) (1) . وهكذا أيها العزيز المحب فإن البراءة من أعداء آل الرسول صلوات الله عليهم دخيلة في كل شأن من شؤون حياتنا الدينية والدنيوية . وما هم لعنة الله عليهم إلا كلاب ممطورة كما وصفهم بذلك إمامنا الرضا صلوات الله عليه حين وصف المخالفين والخارجين عن الإعتقاد بإمامته عليه (1) من الآية الشريفة (٦٠) من سورة النساء المباركة . (۲) عن الكافي الشريف ج ١ ص ٦٧ من ح ١٠ . [صفحة 435] أفضل الصلاة والسلام .. والكلاب كما تعلم يا عزيزي عيون نجسة لا طهارة لها أبداً، فإذا ما مطرت السماء وتساقط المطر عليها فإن الماء الملامس لها سينجس أيضاً . وإن لها الطبيعة خبيثة إذ تنفض أجسامها بقوة حينما يبللها الماء، فلا تترك شيئاً قريباً منها إلا ونجسته بما يتطاير من ماء تنجس بملامسته لأبدانها . وهكذا هم المخالفون لآل الرسول صلوات الله عليهم الناصبون لهم العداء، فاحذر شديد الحذر من أن يميل قلبك إليهم، أو أن تسعى في إعانتهم بأي نحو من أنحاء الإعانة، أو أن تكون سبباً في إفراحهم وإدخال السرور عليهم لعنة الله عليهم . فإنهم سيفعلون معك ما تفعله الكلاب الممطورة بمن حولها بل إننا نجد في أحاديثنا المعصومية الشريفة النهي الشديد والأكيد عن مشابهة أعداء أهل البيت عليهم السلام في كل حال من أحوالهم: في الأكل والشرب والثياب والألبسة وهيئتها وطريقة إرتدائها ولبسها، والخواتيم وموضعها من اليد والأصابع وهكذا في أمثال هذه الجزئيات التي قد لا يلتفت إليها الإنسان بإهتمام ورعاية أكيدة، إلا أن لها الأثر الكبير في صياغة شخصية الموالي الصادق والمتبرأ المخلص . ولو لم يكن الأمر كذلك لما نبه عليه أهل البيت عليهم السلام . ودونك كتب الحديث الشريف فإنها تعج بمثل هذه المعاني والمضامين النورية بنحو واضح وصريح . ولا أخفي عليك فإنك تقرأ في كل الرسائل العملية لفقهائنا الأجلاء في الأغسال المندوبة: (الإغتسال لقتل الوزغ »، ولو سألت عن السر في قتل [صفحة 436] الحيوانات . وكذاك هو الغراب فإن المحرم مع ما ورد في كل كتب الفقه من التشديد عليه في عدم التعرض للحيوانات ولأشياء أخرى يطول الكلام بذكرها، إلا أنه يحق له أن يرجم الغراب بالحجر كما في بعض الأحاديث الشريفة، أو أن يقتله كما في أحاديث أخرى ولا نجد للغراب ضرراً على الإنسان إلا كونه من نواصب الحيوانات كما صرحت بذلك الأخبار الشريفة . وما الوزغ والغراب هنا إلا مثال ورد ذكره في المقام . وأختم حديثي بطائفة من الأحاديث المعصومية الشريفة والتي تتناول جوانب أخرى من البراءة الفعلية والعملية: ۱ - روى شيخ الطائفة الطوسي (ره): (عن أبي عبدالله عليه السلام: خذ مال الناصب حيثما وجدته، وإدفع إلينا الخمس) (1) . ۲ - روى شيخنا الصدوق (ره): (عن إبن فرقد، قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: ما تقول في قتل الناصب؟ قال: حلال الدم، أتقي (1) (۲) عليك . فإن قدرت أن تقلب عليه حائطاً، أو تغرقه في ماء؛ لكي لا يُشهد به عليك، فافعل قلت: فما ترى في ماله؟ قال: توه ما قدرت عليه)) . - روى شيخنا الكليني (ره): (عن الحلبي، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: إذا صليت (*) على عدو الله، فقل: اللهم إن فلاناً لا نعلم (۱) عن التهذيب الشريف ج ٤ ص ١٢٢ ٣٥٠/٧ (۲) أتقي عليك هنا بمعنى أخشى عليك (۳) توه: أهلكه وأتلفه، وهو فعل أمر من التواء وهو إهلاك المال وإتلافه . [صفحة 437] منه، إلا أنه عدو لك ولرسولك . اللهم فاحش قبره ناراً، وإحش جوفه ناراً، وعجل به إلى النار؛ فإنه كان يتولى أعداءك، ويُعادي أولياءك، ويبغض أهل بيت نبيك . اللهم ضيق عليه قبره . فإذا رفع (1)، فقل: اللهم لا ترفعه ولا تركه) (1) . ٤ - وحدثنا (ره) أيضاً: (عن عامر بن السمط، عن أبي عبدالله عليه السلام، أن رجلاً من المنافقين مات، فخرج الحسين بن علي صلوات الله عليهما يمشي معه فلقيه مولى له . فقال له الحسين عليه السلام: أين تذهب يا فلان؟ فقال له مولاه: أفر من جنازة هذا المنافق أن أصلي عليها . فقال له الحسين عليه السلام: إنظر " أن تقوم على يميني، فما تسمعني أقول فقل مثله، فلما كبر عليه وليه (3)، قال الحسين عليه السلام: الله أكبر، اللهم إلعن فلاناً عبدك ألف لعنة مؤتلفة غير مختلفة، اللهم إخر عبدك في عبادك وبلادك، وأصله حر نارك، وأذقه أشد عذابك؛ فإنه كان يتولى أعداءك، ويُعادي أولياءك، ويبغض أهل بيت نبيك صلى الله عليه وآله) (*) . ه - و من حديث طويل رواه صاحب البحار الشريف (ره)، جاء فيه أنّ عذاباً نزل بقوم نصاب . وقد رأى ما نزل بهم جابر الجعفي رضوان الله تعالى (1) المراد حين رفعه من الأرض بعد إتمام الصلاة عليه، لعنة الله عليه . (۲) عن الكافي الشريف ج ۳ ص ۱۸۹ ح ٤، باب الصلاة على الناصب . (۳) المراد: إسع في تدبير حالك أن تكون على يميني حين الصلاة ... (٤) الضمير عائد على الميت . (٥) عن الكافي الشريف ج ۳ ص ۱۸۹ ۲، باب الصلاة على الناصب، والأحاديث الشريفة بهذا [صفحة 438] عليه، فسأله إمامنا الباقر عليه السلام، كما في حديث جابر (ره): (ثم سألني، فقال: يا جابر ما حال الناس؟ فقلت: ياسيدي لا تسأل يا ابن رسول الله، خربت الدور والقصور، وهلك الناس، ورأيتهم بغير رحمة فرحمتهم فقال: لا رحمهم الله أبداً، أما أنه قد بقي عليك بقية (1)؛ لولا ذلك ما رحمت أعداءنا، وأعداء أوليائنا . ثم قال: سُحقاً سُحقاً، بُعداً بعداً، للقومِ .)((.... الظالمين وهنا تنبيه في غاية الأهمية ومنتهى الضرورة: وهو أن ما جاء ذكره في البراءة العملية والفعلية لا يكون بجيمع أبعاده إلا مع النواصب المعاندين لعنة الله عليهم . أما من ترجى هدايته لإعتناق مذهب الحق، والدخول في ربقة الإسلام الصادق الحق والذي هو إسلام الفرقة الناجية ودينها، أعز الله رايتها منصورة بظهور إمامنا الغائب الشاهد صلوات الله وسلامه عليه، فإن الأمر يختلف معه جداً، سواء كان ذلك في السلوك الأخلاقي معه، أو في إسلوب هدايته وإرشاده للخير والفلاح . ولنا في سيرة نبينا وأئمتنا صلى الله عليهم أجمعين مصباح هدى وسفينة (1) المراد أن ياجابر لقد بقي في قلبك شيء من الميل إليهم ولذلك رحمتهم، ولم تكن قد تبرأت منهم براءة واقعية صادقة حقة. [صفحة 439] نجاة. إذ يحدثنا قرآننا العزيز فيقول في خطابه الخاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله: فَبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كُنتَ فَظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين) (1) . ويقول أيضاً: إدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضَلَّ عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين) (٢) . رابعاً - البراءة الفكرية والعلمية: وهذه البراءة أهم أنواع البراءة وأقسامها، إذ هي أساس البراءة العاطفية، والبراءة العقائدية، والبراءة الفعلية والعملية. وهي مدار العقيدة الحقة، وحصن الإيمان الواقعي . بل هي المحور الذي تتكون حوله شخصية المؤمن العقائدي، وتنشأ ملكاته النفسية في الولاية والبراءة حيث رحابها وفنائها . ولتعلم أيها المحب الودود أن فتنة الناس في هذا الباب عظيمة جداً . إذر بما تبتني أفكارهم ومعلوماتهم على أسس وقواعد لاصلة لها بأهل بيت العصمة صلوات الله عليهم . وأكثرهم إفتتاناً في ذلك معاشر أهل العلم والفقه . وإن أهل الفضل والتحقيق ليعلمون أهمية هذا الأمر وضرورته؛ ولذا يحدثنا شيخنا أبو جعفر الكليني (ره): ) عن بشير الدهان، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا خير فيمن لا [صفحة 440] يتفقه (1) من أصحابنا يا بشير! إن الرجل منهم إذا لم يستغن بفقهه إحتاج إليهم (1)، فإذا إحتاج إليهم؛ أدخلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم)) . ومن هنا ورد النهي عن الإستماع إلى أحاديث المخالفين إذ يروي إبن إدريس الحلي (ره): ) عن هارون بن خارجة، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا نأتي هؤلاء المخالفين لتستمع منهم الحديث؛ يكون حجة لنا عليهم . قال: لا تأتهم، ولا تستمع منهم، لعنهم الله، ولعن ملكهم المشركة) (٤) . وقد روى شيخنا أبو جعفر محمد بن يعقوب (ره): (عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لا تجالسوهم - يعني المرجئة (٥) - لعنهم الله، ولعن الله ملكهم المشركة الذين لا يعبدون الله على شيء من الأشياء) . ويروي (ره) أيضاً: (عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لعن الله القدرية، لعن الله الخوارج، لعن الله المرجئة، لعن الله المرجئة . قال: قلت: لعنت هؤلاء مرة مرة، ولعنت هؤلاء مرتين؟! (1) التفقه والفقه في أحاديث الآل صلوات الله عليهم ليس هو العلم بالأحكام الشرعية فقط، وإنما هو معرفة الدين على حقائقه وما الأحكام إلا جزء يسير من ذلك . (۲) الضمير: (هم) يعود على المخالفين لأهل البيت عليهم السلام . (۳) عن الكافي الشريف ج ١ ص ٣٣ ٦ . (4) عن مستطرفات السرائر الشريف ص ٤١ ٨ . (٥) قد مر الكلام في تعريفهم بنحو مفصل في الفصل الأول من هذا الكتاب . وهم المخالفون لآل [صفحة 441] قال: إن هؤلاء) يقولون: إن قتلتنا مؤمنون، فدماؤنا متلطخة بثيابهم الى يوم القيامة . إن الله حكى عن قوم في كتابه: لَن تُؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، قُلْ قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قُلتُم قلم قتلتُموهم إن كنتم صادقين) (٢)، قال: كان بين القاتلين والقائلين خمسمائة عام، فألزمهم الله القتل برضاهم ما فعلوا)) . وبعد هذه البيانات المعصومية المقدسة الموجزة تتضح لنا أهمية الميزان الذي أكده الأئمة عليهم السلام في أحاديثهم الشريفة من مخالفة العامة العمياء؛ حيث أن الرشد والهداية والصواب في خلافهم . ودونك أيها العزيز قطوف نورية من أحاديث أئمتنا عليهم أفضل الصلاة والسلام: 1 - ما جاء في حديث عمر بن حنظلة (ره)، عن إمامنا الصادق عليه السلام: (قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين، قد رواهما الثقات عنكم؟ (1) وهم القائلون بإسلام وإيمان أصحاب الصحيفة والسقيفة، وأصحاب الجمل، ومعاوية وبني أمية، وبني العباس ومن كان على شاكلتهم لعنة الله عليهم جميعاً وعلى من لم يتبرأ منهم .. (۲) ما بين الأقواس ليس هو نصاً للآية الشريفة، بل هو معناها . فربما ذكر الإمام عليه السلام المعنى، وربما كان التصرف هذا ينقل المعنى دون النص من الراوي، والآية الشريفة المقصودة هي الآية (۱۸۳) من سورة آل عمران المباركة . وإليك نصها: الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن الرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات والذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين) . [صفحة 442] قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة، وخالف العامة، فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة، ووافق العامة (1) . قلت: جعلت فداك، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة، ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لهم، بأي الخبرين يُؤخذ؟ قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد فقلت: جعلت فداك، فإن وافقهما الخبران جميعاً . قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل (۲)، حكامهم وقضاتهم فيترك، ويُؤخذ بالآخر . قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعاً؟ قال: إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الإقتحام في الهلكات)) . ۲ - (عن محمد بن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: قال الصادق عليه السلام: إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه. فإن لم تجدوهما في كتاب الله، فإعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه، و ما خالف أخبارهم فخُذوه)) . (۱) في ذلك إشارة واضحة إلى مخالفة العامة لكتاب الله العزيز، وسنة نبيه صلى الله عليه وآله المطهرة (۲) لأن قلوبهم لا تميل إلا إلى الفساد والضلال لعنة الله عليهم [صفحة 443] - (عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ما أنتم والله على شيء مما هم فيه، ولا هم على شيءٍ ما أنتم فيه (١)، فخالفوهم فما هم من الحنيفية (1) على شيء) (3) . ٤ -) عن ابن أبي عمير، عن داود بن الحصين، عمن ذكره، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: والله ما جعل الله لأحد خيرة في إتباع غيرنا، وأن من وافقنا خالف عدونا، ومن وافق عدونا في قول أو عمل فليس منا ولا نحن منهم) (1) . ه - (عن محمد بن عبدالله، قال: قلت للرضا عليه السلام: كيف تصنع بالخبرين المختلفين؟ فقال: إذا ورد عليكم خبران مختلفان، فانظروا إلى ما يُخالف منهما العامة فخذوه، وانظروا إلى ما يوافق أخبارهم فدعوه) (٥) . ٦ - (عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: ما سمعته منّي يشبه قول الناس) فيه التقية، وما سمعت مني لا يشبه) قول الناس فلا تقية فيه) (۸) . (1) ألا يذكرك أيها المحب الودود هذا الحديث الشريف بسورة الكافرون، وما جاء في آخر آية من آياتها الشريفة: لكم دينكم ولي دين . (۸) عن الوسائل الشريف ج ١٨ ص ٨٨ ٤٦ (۲) الحنيفية هي الشرعة المحمدية العلوية الصافية، وهي دين الله الخالص، وإسلامه الذي أراد للعباد أن يتقربوا إليه به (۳) عن الوسائل الشريف ج ۱۸ ص ٨٥ ٣٢ . (٤) عن الوسائل الشريف ج ١٨ ص ٨٥ ج ٣٣ . (٥) عن الوسائل الشريف ج ۱۸ ص ٨٥ و ص ٨٦ ٣٤ . [صفحة 444] وفي خبر زرارة بن أعين (ره) حين سأل الإمام الباقر عليه السلام، عن الحديثين المتعارضين، بأيهما يأخذ؟ فأجابه صلوات الله عليه: .... إلى أن قال: (إنظر ما وافق منهما مذهب العامة فإتركه، وخذ بما خالفهم)) . ) عن ابن فضال، عن الحسن بن الجهم، قال: قلت للعبد الصالح (1) عليه السلام: هل يسعنا فيما ورد علينا منكم إلا التسليم لكم؟ فقال: لا والله، لا يسعكم إلا التسليم لنا . فقلت: فيروى عن أبي عبد الله عليه السلام شيء، ويروى عنه خلافه، فبأيهما نأخذ؟ فقال: خُذ بما خالف القوم (۳)، وما وافق القوم فاجتنبه) (1). ٩ - (عن الحسين بن السري، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا ورد عليكم حديثان مختلفان، فخُذوا بما خالف القوم)) . ١٠ - (عن الحسين بن خالد، عن الرضا عليه السلام، قال: شيعتنا المسلمون لأمرنا، الآخذون بقولنا، المخالفون لأعدائنا، فمن لم يكن كذلك فليس منا) (1) . وبعد أن أجلت نظرك أيها العزيز في هذه القطوف النورية التي إقتطفتها (1) عن المستدرك الشريف ج ۱۷ ص ٣٠٣ من ج ٢١٤١٣/٢ (۲) لقب معروف من ألقاب إمامنا الكاظم عليه السلام، والحسن بن الجهم (ره) من ثقات أصحابه عليه السلام، ذكر توثيقه النجاشي (ره) في رجاله، والشيخ (ره) في رجاله أيضاً . (۳) هم المخالفون للنبي وأهل بيته المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين . (٤) عن الوسائل الشريف ج ۱۸ ص ٨٥ ٣١ . [صفحة 445] لك من دوحة أحاديث العصمة والطهارة، أذكر بين يديك هذه الضابطة النورية التي لها دلالة ودلالة ودلالة: ) عن علي بن أسباط، قال: قلت للرضا عليه السلام: يحدث الأمر لا أجد بداً من معرفته، وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك . قال: فقال: إنت فقيه (1) البلد فاستفته من أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإن الحق فيه) (٢) . ولا عجب في ذلك أبداً؛ حيث يُبين لنا إمامنا الصادق عليه السلام السر في ذلك في الرواية الشريفة التي رواها شيخنا الصدوق (ره): (عن أبي إسحاق الأرجاني: رفعه، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أتدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامة؟ فقلت: لا تدري، فقال: إن علياً عليه السلام لم يكن يدين الله بدين إلا خالف (۳) عليه الأمة إلى غيره إرادة لإبطال أمره. وكانوا يسألون أمير المؤمنين عليه السلام عن الشيء الذي لا يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له صدا من عندهم ليلبسوا على الناس) (1). وعلى سبيل المثال أنقل لك بعضاً مما ذكره شيخنا الأميني (ره) في غديره الشريف، من كلمات ضلالتهم وإنحرافهم عن الحق أسلافاً وأخلاقاً: ) قال الشيخ محمد بن عبد الرحمن الدمشقي في كتاب: رحمة الأمة (1) المراد فقيه المخالفين للنبي وآله الأطهار صلوات الله عليهم جميعا (۲) عن الوسائل الشريف ج ۱۸ ص ۸۳ ج ۲۳ (۳) الموجود في المصدر هكذا، ولا بأس به، والمعنى صحيح . إلا أن الأولى أن تدخل تاء التأنيث على الفعل، فلربما سقطت من الرواة أو النساح، لأن كلامهم عليهم السلام أفصح الكلام [صفحة 446] في إختلاف الأئمة المطبوع بهامش الميزان للشعراني ۱، ۸۸: السنة في القبر التسطيح، وهو أولى على الراجح من مذهب الشافعي وقال: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: التسنيم أولى؛ لأن التسطيح صار شعاراً للشيعة . وقال الغزالي، والماوردي: إن تسطيح القبور هو المشروع، لكن لما جعلته الرافضة شعارا لهم، عدلنا عنه إلى التسنيم وقال مصنف الهداية من الحنفية: إن المشروع التختم في اليمين ولكن لما إتخذته الرافضة جعلناه في اليسار . واول من إتخذ التختم باليسار خلاف السنة هو معاوية كما في ربيع الأبرار للزمخشري . وقال الحافظ العراقي في بيان كيفية إسدال طرف العمامة: فهل المشروع إرخاؤه من الجانب الأيسر كما هو المعتاد، أو الأيمن لشرفه؟ لم أرما يدل على تعيين الأيمن إلا في حديث ضعيف عند الطبراني، وبتقدير ثبوته فلعله (۱) كان يرخيها من الجانب الأيمن ثم يردها إلى الجانب الأيسر كما يفعله بعضهم . إلا أنه صار شعاراً للإمامية، فينبغي تجنبه لترك التشبه بهم، شرح المواهب للزرقاني ٥، ١٣ وقال الزمخشري في تفسيره ٢، ٤٣٩: القياس جواز الصلاة على كل مؤمن لقوله تعالى: وهو الذي يصلي عليكم)، وقوله تعالى: وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم (۳)، وقوله صلى الله عليه وسلم اللهم صل (۱) الضمير هنا يعود على النبي صلى الله عليه وآله . [صفحة 447] على آل أبي أوفى) . ولكن للعلماء تفصيلاً في ذلك وهو: أنها إن كانت على سبيل التبع كقولك صلى الله على النبي وآله فلا كلام فيها، وأما إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو فمكروه؛ لأن ذلك شعار الذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنه يؤدي إلى الإتهام بالرفض، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم) . وقال ابن تيمية في منهاجه ٢، ١٤٣ عند بيان التشبه بالروافض: ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعاراً لهم، فإنه وإن لم يكن الترك واجباً لذلك، لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم، فلا يتميز السني من الرافضي، ومصلحة التمييز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحب ...) (1) . ومثل هذا الكلام الخبيث في كتبهم كثير كثير، أعاذنا الله تعالى وإياكم من الضلالة، ووفقنا للتمسك بعروة محمد وآل محمد صلوات الله عليهم. ومن هنا فقد شدّد أئمتنا عليهم أفضل الصلاة والسلام على شيعتهم أن يأخذوا معالم دينهم عن العلماء والفقهاء الذين لم تتسرب إلى أذهانهم وأفكارهم وساوس حبائل العامة الشيطانية، وقياساتهم الإبليسية التي لبسوها بألبسة مختلفة، وزوقوها بمستحسنات عقلية باردة، لا يتذوقها إلا كل أعمى البصيرة والقلب، أعاذنا الله تعالى وإياكم منهم ومن أتباعهم وممن تأثر بهم . فهاك إسمع أيها المحب: أي حديث جاءنا عن الأئمة المعصومين عليهم السلام؟! [صفحة 448] ) عن علي بن سويد السائي، قال: كتب إلي أبو الحسن الأول (1) وهو في السجن: وأما ما ذكرت يا علي: ممن تأخذ معالم دينك؟ لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا، فإنك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم؛ إنهم أو تمنوا على كتاب الله جل وعلا فحرفوه وبدلوه؛ فعليهم لعنة الله، ولعنة رسوله، ولعنة ملائكته، ولعنة آبائي الكرام البررة، ولعنتي، ولعنة شيعني إلى يوم القيامة)) . (۲) ومما رواه شيخنا الكشي (ره)، عن ابن ما هويه، قال: (كتبت إليه: يعني أبا الحسن الثالث (۳) عليه السلام: أسأله عمن أخذ معالم ديني؟ و كتب أخوه) أيضاً بذلك، فكتب إليهما: فهمت ما ذكره ا، فاصمدا في دينكما على كل متين في حبنا، وكل كبير التقدم في أمرنا، فإنهما كافو كما إن شاء الله تعالى ((٥) . (۳) ومما جاء في التوقيع الشريف الذي خرج إلى إسحاق بن يعقوب (ره)، (۱) هو إمامنا المعصوم السابع موسى بن جعفر الكاظم عليهما أفضل الصلاة والسلام . (۲) عن رجال شيخنا الكشي (ره) ص ٤ ٤ . (۳) هو إمامنا المعصوم العاشر علي بن محمد الهادي عليهما أفضل الصلاة والسلام . [صفحة 449] بواسطة السفير الثاني رضوان الله تعالى عليه، عن إمام زماننا عليه أفضل الصلاة والسلام: (وأما الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله)) . وانتبه أيها العزيز إلى قوله عليه السلام: «رواة حديثنا، أي أنهم لا يتحركون أية حركة، ولا يسكنون أية سكنة، إلا على أساس ما جاء عن أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم، إذ هم رواة حديثهم فقط، ولا شأن لهم بأي حديث أو كلام لا يمت لأهل البيت عليهم السلام بصلة أو رابطة . حيث يحدثنا السيد هاشم البحراني (ره): ) عن الفضيل بن يسار، قال: دخلت على أبي عبدالله عليه السلام أنا و محمد بن مسلم، فقلنا: مالنا وللناس، بكم والله تأتم، وعنكم نأخذ، ولكم والله تسلم، ومن وليتم والله تولينا، ومن برثتم منه برثنا منه، ومن كففتم عنه كففنا عنه، فرفع أبو عبد الله عليه السلام يده إلى السماء، فقال: والله، هو الحق المبين)) . سيدي يا صاحب الأمر والزمان صلوات الله عليك: إي والله، مالنا وللناس، فنحن معكم معكم، لامع غيركم . ومن غير كم؟!!! لعنة الله على من خالفك، وسار في غير طريقك ومذهبك وعفوك، عفوك، يا ابن رسول الله (عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، أنه قال: كل شيء لم يخرج من هذا (۱) عن الإحتجاج الشريف ج ۲ ص ٤٧٠ . [صفحة 450] البيت (1) فهو باطل)) . ولذا نقرأ في الزيارة الجامعة الكبيرة المروية عن إمامنا الهادي صلوات الله عليه: (والحق معكم، وفيكم، ومنكم، وإليكم، وأنتم أهله ومعدنه، وميراث النبوة عندكم، وإياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم، وفصل الخطاب عندكم، وآيات الله لديكم، وعزائمه فيكم، ونوره وبرهانه عندكم، وأمره إليكم ...)). وبعد أن أجلت نظرك أيها المحب الودود في هذه الأحاديث الشريفة التي تشدد على الرجوع في أمر الدين الصادق إلى فقهاء وعلماء ينهلون حقيقة لا دعوى ولا كذباً من فقه وعلم وحكمة محمد وآل محمد صلوات الله عليهم . أضع بين يديك طائفة أخرى من أحاديث أل محمد عليهم السلام يكشفون فيها حقائق الأمور لشيعتهم ومحبيهم: (۱) حدثنا إمامنا العسكري عليه السلام، عن جده الصادق صلوات الله عليه، أنه قال: (... وكذلك عوام أمتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة، والتكالب على حطام الدنيا وحرامها، وإهلاك من يتعصبون عليه وإن كان لإصلاح أمره مستحقا، وبالترفق بالبر والإحسان على من تعصبوا له وإن كان للإذلال والإهانة مستحقاً . فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء، فهم مثل اليهود الذين ذمهم (۱) مراده صلوات الله عليه: بيت النبوة والعصمة والطهارة . (۲) عن المستدرك الشريف ج ۱۷ ص ٣٠٩ - ٢١٤٣٢/٩ . [صفحة 451] الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم . فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً الأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه . وذلك لا يكون إلا في بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فإن من ركب من القبائح والفواحش مراكب فَسَقَة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئاً، ولا كرامة لهم) (٢). إلى أن يقول صلوات الله عليه في وصف فقهاء السوء وعلماء الضلالة ممن يدعي التشيع، ولا ينطق إلا بما قاله المخالفون لأهل البيت عليهم السلام: ) ومنهم (۳) قوم نصاب لا يقدرون على القدح فينا، يتعلمون علومنا الصحيحة، فيتوجهون به عند شيعتنا، وينتقصون بنا عند نصابنا)، ثم يضيفون إليه أضعافه، وأضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن براء منها، فيتقبله المستسلمون من شيعتنا على أنه من علومنا فضلوا وأضَلُّوهم . وهم أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي عليهما السلام وأصحابه؛ فإنهم يسلبونهم الأرواح والأموال، وللمسلوبين عند الله أفضل الأحوال لما لحقهم من أعدائهم. وهؤلاء علماء السوء الناصبون المشبهون بأنهم لنا موالون، ولأعدائنا معادون، يدخلون الشك والشبهة على ضعفاء شيعتنا، فيُضلونهم ويمنعونهم عن قصد الحق المصيب لا جرم أن مَن عَلِمَ اللهُ من قلبه من هؤلاء العوام أنه لا يريد الأصيانة دينه، (۱) إشارة إلى الآيتين الشريفتين (۷۸) و (۷۹) من سورة البقرة المباركة . (۲) عن تفسير إمامنا العسكري صلوات الله عليه ص ٣٠٠ . (۳) الضمير (هم) يعود على فقهاء السوء الذين يدعون التشيع والولاء بحسب الظاهر، وقد تشبعوا [صفحة 452] وتعظيم وليه)، لم يتركه في يد هذا الملبس (1) الكافر، ولكنه يقيض له مؤمناً) يقف به على الصواب، ثم يُوفقه الله تعالى للقبول منه، فيجمع له بذلك خير الدنيا والآخرة، ويجمع على من أضله لعن الدنيا وعذاب الآخرة (1). (۲) عن إمامنا الصادق عليه السلام: (..... إن الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت، وإن العلماء ورثوا العلم بالطلب، وإن الصديقين ورثوا الصدق بالخشوع وطول العبادة . فمن أخذه بهذه المسيرة إما أن يسفل، وإما أن يُرفع، وأكثرهم الذي يسفل ولا يُرفع؛ إذا لم يرع حق) الله، ولم يعمل بما أمر به، فهذه صفة من لم يعرف الله حق معرفته، ولم يحبه حق محبته، فلا يغرنك صلاتهم، وصيامهم، ورواياتهم، وعلومهم؛ فإنهم حمر مستنفرة)). (۳) عن إمامنا الرضا صلوات الله وسلامه عليه، قال: (قال علي بن الحسين عليهما السلام: إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته (1) وهديه، وتماوت في (1) هو إمام زماننا الحجة بن الحسن صلوات الله عليهما . (۲) والتقدير هنا: في يد هذا الفقيه الملبس الكافر . (۳) والتقدير هنا: يقيض له فقيهاً مؤمناً. والمؤمن حقيقة هو الشيعي المخلص فقط (4) عن تفسير إمامنا الزاكي العسكري صلوات الله عليه ص ۳۰۱ . (٥) وأعظم حق الله علينا معرفة رسوله والأئمة صلوات الله عليهم، وولايتهم، وطاعتهم، والبراءة من أعدائهم، عليهم لعائن الله .. [صفحة 453] منطقه، وتخاضع في حركاته، فرويداً لا يغرنكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب المحارم منها؛ لضعف نيته، ومهانته، وجبن قلبه؛ فنصب الدين فخاً لها، فهو لا يزال يختل (1) الناس بظاهره، فإن تمكن من حرام إقتحمه . وإذا وجدتموه يعف عن المال الحرام قلبه، فرويداً لا يغرنكم، فإنّ شهوات الخلق مختلفة، فما أكثر من ينبو) عن المال الحرام وإن كثر، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرماً . فإذا وجدتموه يعف عن ذلك، فرويداً لا يغركم حتى تنظروا ما عقده (۳) عقله، فما أكثر من ترك ذلك أجمع، ثم لا يرجع إلى عقل متين، فيكون ما يُفسده بجهله أكثر مما يصلحه بعقله . فإذا وجدتُم عقله متيناً، فرويداً لا يغركم حتى تنظروا: أمع هواه يكون على عقله؟ أو يكون مع عقله على هواه؟ وكيف محبته للرئاسة الباطلة وزهده فيها؟ فإن في الناس من خسر الدنيا والآخرة، يترك الدنيا للدنيا، ويرى أن لذة الرئاسة الباطلة أفضل من لذة الأموال والنعم المباحة المحللة، فيترك ذلك أجمع طلباً للرئاسة، حتى إذا قيل له: إتق الله، أخذته العِزَّةُ بالأثم، فحسبه جهنم ولبئس المهاد . فهو يخبط خبط عشواء (1)، ويقوده أول باطل إلى أبعد غايات الخسارة، ويمده ربه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في (1) يختل: يخدع . (۲) ينبو: يترفع، أو يتجافي . (۳) ما عقده عقله: أي ما أجمع عليه عقله . وفي نسخة: ما عقيدة عقله . وليس من فرق كبير في المعنى، بل ربما كانت النتيجة واحدة . [صفحة 454] طغيانه . فهو يُحِلُّ ما حرم الله، ويُحرم ما أحل الله، لا يبالي بما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي يتقي من أجلها، فأولئك الذين غضب الله عليهم، ولعنهم، وأعد لهم عذاباً مهينا . ولكن الرجل، كل الرجل، نعم الرجل: هو الذي جعل هواه تبعاً لأمر الله، وقواه مبذولة في رضا الله؛ يرى الذل مع الحق أقرب إلى عز الأبد من العز في الباطل، ويعلم أن قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفد، وإن كثير ما يلحقه من سرائها إن إتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا إنقطاع له ولا يزول، فذلكم الرجل نعم الرجل، فيه فتمسكوا، وبسنته فاقتدوا، وإلى ربكم به فتوسلوا؛ فإنه لا ترد له دعوة، ولا تخيب له طلبة) (1) . (٤) ومن مواعظ النبي صلى الله عليه وآله لإبن مسعود، حيث يحدثه عن أهل آخر الزمان، فيقول: يا إبن مسعود، علماؤهم وفقهاؤهم خونة فجرة، ألا إنهم أشرار خلق الله، وكذلك أتباعهم، ومن يأتيهم، ويأخذ منهم، ويحبهم، ويُجالسهم، ويشاورهم . أشرار) خلق الله، يدخلهم نار جهنم صم بكم عمي فهم لا يرجعون (۳)، ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً، مأواهم جهنم كلما حبت زِدْناهم سعيرا)، كلما نضجت (۱) عن العوالم الشريف ج ٣ ص ٤٠٢ وص ٤٠٣ ج ٤٣ . (۲) والتقدير هنا: هم أشرار خلق الله . [صفحة 455] جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقاً وهي تفور . تكاد تميز من الغيظ) ()، وكلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها)، وقيل لهم: ﴿ ذُوقوا عذاب الحريق (1)، ولهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (0)؛ يدعون أنهم على ديني وسنتي ومنهاجي وشرائعي، إنهم مني براء، وأنا منهم بريء . يابن مسعود، لا تجالسوهم في الملأ، ولا تبايعوهم في الأسواق، ولا تهدوهم إلى الطريق، ولا تسقوهم الماء، قال الله تعالى: مَن كانَ يُريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون) (1). يقول الله تعالى: ﴿وَمَن كانَ يُريدُ حرث الدنيا نوته منها وماله في الآخرة من نصيب) . يا بن مسعود، ما بلوى أمتي؛ بينهم) العداوة والبغضاء والجدال، أولئك أذلاء هذه الأمة في دنياهم، والذي بعثني بالحق ليخسفن الله بهم (1) من الآية الشريفة (٥٦) من سورة النساء المباركة . (۲) الآية الشريفة (۷)، وبعض من الآية الشريفة (۸) من سورة الملك المباركة . (۳) من الآية الشريفة (۲۲) من سورة الحج المباركة . (٤) من الآية الشريفة (۲۲) من سورة الحج المباركة . (٥) الآية الشريفة (١٠٠) من سورة الأنبياء المباركة . (1) الآية الشريفة (١٥) من سورة هود المباركة . (۷) من الآية الشريفة (۲۰) من سورة الشورى المباركة . (۸) وفي نسخة: منهم . والمعنى وفقاً لنسخة بينهم، يكون هكذا: أن بلوى هذه الأمة هو وقوع العداوة والبغضاء والجدال بين فقهائهم وعلمائهم. وأما على نسخة و منهم،، فيكون المعنى: أن بلوى هذه الأمة من علمائهم وفقهائهم هو وقوع العداوة والبغضاء والجدال بين الأمة بسبب [صفحة 456] ويمسحهم قردة وخنازير . قال: فيكى رسول الله عليه السلام، وبكينا لبكائه، وقلنا: يارسول الله ما يبكيك؟ فقال: رحمة للأشقياء، يقول الله تعالى: ﴿ ولو ترى إذ فزعوا فلافوت وأخذوا من مكان قريب (1)، يعني: العلماء والفقهاء (٢) . (٥) وعن إمامنا سيد الأوصياء أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: ) يا معشر شيعتنا، المنتحلين مودتنا، إياكم وأصحاب الرأي "، فإنهم أعداء السنن، تفلتت منهم الأحاديث أن يحفظوها، وأعيتهم السنة أن يعوها، فاتخذوا عباد الله خولا، وماله دولا، فذلت لهم الرقاب، وأطاعهم الخلق أشباه الكلاب، ونازعوا الحق أهله، وتمثلوا بالأئمة الصادقين، وهم من الكفار الملاعين، فسئلوا عما لا يعلمون، فأنفوا أن يعترفوا بأنهم لا يعلمون، فعارضوا الدين بآرائهم فضلوا وأضلوا)) . (٦) ومما حدثنا به شيخنا الأجل عباس القمي (ره): (1) الآية الشريفة (٥١) من سورة سبأ المباركة، والآية هذه في رواياتنا الشريفة مفسرة بظهور إمام زماننا عليه السلام، وقد مر عليك في الفصل الأول عما يفعله عليه السلام مع فقهاء السوء وعلماء الضلالة لعنة الله عليهم (۲) عن المكارم الشريف ج ۲ ٣٤، طبعة قم / مؤسسة النشر الإسلامي . (۳) وهم الفقهاء والعلماء الذين لهم سخيفة يعتمدون عليه دون الرجوع إلى ما قاله الأئمة المعصومين عليهم السلام [صفحة 457] ) عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام، أنه قال لأبي هاشم الجعفري: يا أبا هاشم سيأتي زمان على الناس، وجوههم ضاحكة مستبشرة، وقلوبهم مظلمة منكدرة، السنة فيهم بدعة، والبدعة فيهم سنة، المؤمن بينهم محقر، والفاسق بينهم موقر، أمراؤهم جائرون، وعلماؤهم في أبواب الظلمة سائرون، أغنياؤهم يسرقون زاد الفقراء، وأصاغرهم يتقدمون على الكبراء، كل جاهل عندهم خبير، وكل محيل (1) عندهم فقير، لا يميزون بين المخلص والمرتاب، ولا يعرفون الضأن من الذئاب، علماؤهم شرار خلق الله على وجه الأرض؛ لأنهم يميلون إلى الفلسفة والتصوف، وأيم الله أنهم من أهل العدوان والتحرف، يُبالغون في حب مخالفينا، ويُضِلُّون شيعتنا وموالينا، فإن نالوا منصباً لم يشبعوا عن الرشا، وإن خذلوا عبدوا الله على الرياء، ألا إنهم قطاع طريق المؤمنين، والدعاة إلى نحلة الملحدين، فمن أدركهم: فليحذرهم، وليصن دينه وإيمانه . ثم قال: يا أبا هاشم هذا ما حدثني أبي، عن آبائه، عن جعفر بن محمد عليهم السلام، وهو من أسرارنا فإكتمه إلا عن أهله)) . (۷) ) عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: لكل نبي حواري، فإذا إنتهى الحواريون، يأتون يأتون رجال يركبون رؤوس المنابر، يقولون ما يعلمون، (1) المحيل: هو الماكر المحتال المخادع . (۲) ربما كان المراد من ميلهم إلى الفلسفة والتصوف: هو تقديمهم الفكر الفلسفي والكلام الصوفي على فكر أهل البيت عليهم السلام وكلامهم وحديثهم الشريف حين التعارض بينهما، وربما كان غير ذلك . [صفحة 458] ويعملون ما ينكرون، فأولئك عليكم جهادهم بالأيدي والألسن والقلوب، فأعظمهم درجة من جاهدهم باليد واللسان والقلب، وأوسطهم إيماناً من جاهدهم بلسانه ويده، وأضعفهم إيماناً من جاهدهم بالقلب . قالوا: يا رسول الله، أو للقلب جهاد؟ قال: نعم، أن تنكروا أعمالهم بقلوبكم) (1). وقُل للذين لا يؤمنون إعملوا على مكانتكم إنا عاملون . وانتظروا إنا منتظرون . ولله غيب السماوات والأرض وإليه يُرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه، وما ربك بغافل عما تعملون (٢) . (۱) عن بيان الأئمة عليهم السلام ج ٢ ص ٤٦٩ . [صفحة 459] الثمرة السادسة البراءة عقيدة حية قد يفهم البعض (1) أن البراءة من أعداء الله ورسوله والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم، تتعلق بأشخاص عاصروا النبي صلى الله عليه وآله والأئمة المعصومين عليهم السلام وأظهروا العداء والخلاف لهم، وارتكبوا ما ارتكبوا من الظلم الشنيع والجور الفظيع في حقهم صلوات الله عليهم، فحسب . وهذا خطأ كبير فاحش لا يغتفر بالهين؛ إذ أن مثل هذا الإعتقاد والتفكير إنما هو فرع من غفلة الشيعة عن إمام زمانها عليه السلام . فكيف يمكن لعاقل أن يجعل البراءة محصورة بعصر دون عصر، والحق نفسه هو الحق، والباطل عينه هو الباطل . ولا يدور الحق إلا حيث يدور الحجة بن الحسن العسكري صلوات الله عليهما، إذ هو معدن الحق وأصله وحقيقته صلوات الله عليه . فالبراءة من أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد صلوات الله عليهم مقرونة في كل أحوالها قلباً ولساناً وفعلاً بحسب المكنة (1) مع البراءة من كل (1) ربما يقول قائل: إنا لم تسمع بمثل هذا القول، ولم نجده مكتوباً! أقول: ربما لم يسمع مثل هذا الكلام في صيغة لفظية معينة، إلا إن حقيقة الحال في الواقع العملي للمجتمع الشيعي تشهد على ذلك بوضوح صريح بين، وأول نظرة فاحصة في زوايا مجتمعنا الشيعي بحثاً عن البراءة الواقعية الصادقة ترشدنا إلى هذه الحقيقة (۲) قيد المكنة متعلق بالبراءة القولية والفعلية . وإلا فالبراءة القلبية لا يمكن تصور خلو قلب المؤمن [صفحة 460] ظلمتهم على طول الدهر وإلى يوم القيامة . إذ البراءة في زماننا هذا وفي كل الأزمنة، إنما هي براءة: من كل الحكام الظلمة الطغاة، ومن كل المتجبرين والمتفرعنين، وأعوانهم الجائرين القساة، و من كل غاصب الحقوق أهل الإيمان، وقتلتهم لعنة الله عليهم، ومن كل أهل الضلالة والإضلال والإنحراف عن أهل البيت عليهم السلام من السلاطين، والفقهاء، والعلماء، والقراء، والوعاظ، ومن تابعهم وشايعهم، كل أولئك إنما هم أعداء إمام زماننا صلوات الله عليه . فالبراءة بهذا المعنى عقيدة حية فاعلة باعثة على تماسك المجتمع الإيماني في وجه الكفر والإلحاد والنصب والخلاف على الحق . وربما تطاولت السنون وبراءتنا في القلوب محبوسة، حتى قيض الله تعالى لها من يقيم أركانها، ويعلي بنيانها في عصرنا الحاضر، بصرخة علوية في وجه كل الزيف في هذا العالم التائه الضال، وبوقفة حسينية في ميادين صراع الضلالة والهدى: إنه خميني الإسلام الذي أرعب قلوب طغاة هذا العصر: من ملوك متجبرين، ورؤساء طغاة جائرين، وفقهاء خونة من عبدة الدينار والدرهم، ووعاظ شبعوا وتجشأوا من حرام البلاط وسحت أروقة القصور السلطانية . فلقد جسد قدس سره الشريف الزاكي معنى البراءة في حياته حالاً وقولاً وفعلاً، فكان أمثولة الولاية لإمام زماننا عليه السلام، وإنموذج البراءة من أعدائه صلوات الله عليه . وما أنا بالمستطيع تسطير آيات فضله وكماله نور الله مضجعه الأقدس الشريف، إلا أنني أيها المحب أضع بين يديك ثمة [صفحة 461] (إعلان البراءة هو المرحلة الأولى من الكفاح، ومواصلتها تمثل المراحل الأخرى من واجبنا . كما ويفرض الكفاح في كل عصر وزمان مظاهر وأساليب ومناهج تناسبه، وينبغي التفكير فيما ينبغي عمله خلال عصر كعصرنا، حيث أئمة الكفر والشرك يُعرضون للخطر كيان التوحيد برمته، ويتلاعبون بجميع المقدرات الوطنية والثقافية والدينية والسياسية للشعوب وفق ما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم ..... هل ينبغي أن تجلس في بيوتنا، وتنشغل بالتحليلات الخاطئة، والإستهانة بمكانة ومنزلة أبناء البشر، وإلقاء إيحاءات الضعف والعجز بين المسلمين، وأن ننصاع للشيطان وفراخ الشيطان عملياً، ونمنع المجتمع من الوصول إلى الإخلاص الذي هو غاية الكمال ونهاية الآمال؟ ونتصور بأن جهاد الأنبياء ضد الأوثان والوثنيين كان محدوداً بمقارعة الأوثان الحجرية والخشبية الجامدة، وبأن الأنبياء - كإبراهيم - كانوا سباقين في كسر الأصنام لكنهم والعياذ بالله - تركوا ساحة الكفاح ضد الظالمين؟ بينما كانت كل عمليات تحطيم الأوثان وعمليات الكفاح والحروب التي خاضها سيدنا إبراهيم مع النمروديين ومع عبدة القمر والشمس والنجوم مقدمة لهجرة كبرى ... وكل تلك الهجرة وما صاحبها من المشاق، والسكن في واد غير ذي زرع، وإقامة البيت، وفداء إسماعيل؛ كانت مقدمة لبعثة ورسالة صدع بها خاتم النبيين معيداً قول أول وآخر من بنى الكعبة وأسسها، معلناً رسالته الأبدية بكلامه الأبدي: إنني بريء مما تشركون (1) . وإن ذهبنا إلى غير هذا التحليل والتفسير، فستخرج بنتيجة هي أن [صفحة 462] الأصنام وعبادة الأصنام غير موجودة أصلاً في العصر الراهن . وأي عاقل لا يعرف عبادة الأصنام الجديدة الحديثة بأشكالها ودسائسها وألاعيبها الخاصة . أو يجهل سلطة بيوت الأصنام كالبيت الأسود) على البلدان الإسلامية، وعلى دماء وأعراض المسلمين، وشعوب العالم الثالث؟ نداؤنا اليوم بالبراءة من المشركين والكافرين، إنما هو صرخة ألم من ظلم الظالمين، وصرخة أمة ضاق صدرها مما عانته من إعتداءات الشرق والغرب، وعلى رأسهم أمريكا وأذنابها، وسلبت أوطانها وثرواتها (1)، إلى أن يقول قدس سره القدوسي: ) نداء براءتنا هو نداء براءة كل الجماهير التي ما عادت تطيق تفرعن أمريكا وحضورها السلطوي، والتي لا نريد أن تبقى في ضجر، ولا أن تبقى أصوات غضبها ونقورها مخنوقة إلى الأبد في صدورها ... هو (۳) نداء الذين عزموا أن يعيشوا أحراراً ويموتوا أحراراً، وأن يكونوا معبرين عن آمال الأجيال وآلامها . صرخة براءتنا هي صرخة الدفاع عن العقيدة والكرامات والنواميس . صرخة دفاع عن ثروات الشعوب ومصادرها الطبيعية وأرصدتها، صرخة ألم الشعوب التي مزق خنجر الكفر والنفاق قلبها، صرخة براءتنا هي صرخة فقر وفاقة يعاني منها الجياع والمحرومون والمنكوبون الذين تسرق ثمرة (1) هو البيت الأبيض الأمريكي: مركز سلطة الكفر العالمي، ومهد الضلالة والإلحاد، ورمز الشيطان الأكبر . (۲) من بيان البراءة الذي وجهه إماء الأمة (ره) للحجاج عام ١٤٠٧ [صفحة 463] عرق جبينهم وكدحهم المتواصل على يد الغزاة الدوليين ... هؤلاء الغزاة الذين يمتصون بولع دماء الشعوب الفقيرة، ودماء الفلاحين والعمال والكادحين بإسم الرأسمالية والإشتراكية والشيوعية، ويستولون على الشريان الحياتي لإقتصاد العالم ويحرمون شعوب العالم من نيل أدنى حد من حقوقهم الحقة . صرخة براءتنا صرخة أمة تجمعت قوى الكفر والإستكبار للقضاء عليها، وإتجهت كل السهام والحراب نحو قرآنها وعترة نبيها العظيم ولكن هيهات أن تخضع أمة محمد صلى الله عليه وآله التي إنتهلت من كوثر عاشوراء، وتنتظر وراثة الصالحين للأرض ... هيهات أن تخضع للموت الذليل ولأغلال الغرب والشرق . وهيهات أن يبقى الخميني ساكناً ساكناً أمام ما يرتكبه المتغطرسون والمشركون والكافرون من عدوان على حريم القرآن الكريم، وعترة رسول رب العالمين، وأمة محمد وأتباع إبراهيم الحنيف، أو أن يبقى متفرجاً على مشاهد ذل المسلمين وتحقيرهم) (1)، إلى أن يقول رضوان الله تعالى عليه: (ليطمئن الجبابرة والقوى الكبرى وعملائهم أن الخميني حتى لو بقى وحيداً فريداً فإنه سيواصل طريقه، وهو طريق مقارعة الكفر والظلم والشرك والوثنية. وسوف يعمل بإذن الله إلى جانب شباب التعبئة في العالم الإسلامي، إلى جانب هؤلاء المنكوبين المعرضين لسخط الدكتاتوريين . سوف يعمل على سلب النوم والراحة من عيون جبابرة الأرض والمأجورين الذين يصرون على ظلمهم) (٢). وقال أيضاً نور الله مرقده الشريف: [صفحة 464] ) فسنّة النبي بإعلان البراءة لاتبلى مع مرور الأيام . وإعلان البراءة لا ينحصر بأيام الحج ومراسيمه . بل على المسلمين أن يملأوا كل أجواء العالم بالمحبة والعشق تجاه ذات الله سبحانه، والبغض العملي بالنسبة الأعداء الله)) . وأختم هذه الثمرة بقوله تعالى: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (٢). وقال سبحانه وتعالى مخاطباً نبيه الأكرم صلى الله عليه وآله: قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل، فسوف تعلمون) (۳) بله (۱) عن نفس بيان البراءة المتقدم الذكر . [صفحة 465] الثمرة السابعة تحذير وتنبيه من فتنة الدجال وأشباهه (لعنة الله عليهم جميعاً) )أ( هوية أتباع الدجال لعنة الله عليه وعليهم من حديث يرويه المفضل بن عمر (ره)، عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ يقول في مقطع من جواب السؤال سئل به صلّى الله عليه وآله عن الدجال لعنة الله عليه: (... في أول يوم من خروجه يتبعه سبعون ألفاً من اليهود، والأعراب، والنساء، وأولاد الزنا، والمدمنين بالخمر، والمغنين، وأصحاب اللهو . ويجتمع عنده سحرة الجن والأنس، ويكون معه إبليس، ومردة الشياطين، وكل شيء من الأطعمة والأشربة . ويُذبح له ولأصحابه من البقر والجداء والحملان، ويُحلب لهم ألبان من البقر والغنم في أي وقت يريدون . وهو في كل يوم يقتل أحداً من أصحابه أو غيرهم، فيواريه أحد من الشياطين، ويُري الناس نفسه بصورته، فيُخيلهم الدجال أنه يحيي ويُميت؛ وبذلك يغويهم أشدَّ الإغواء، فيطوف البلدان راكباً على حمار أقمر والشياطين معه: مع الطبول والمزامير والبوقات وكل آلة من آلات اللهو، فيبيح الزنا واللواط وسائر المناهي، حتى يباشر الرجال، النساء، والغلمان [صفحة 466] وشرب الخمور وإرتكاب أنواع الفسوق والفجور. يُسخر آفاق الأرض، إلا مكة والمدينة ومراقد الأئمة عليهم السلام فإذا بلغ في طغيانه وملأ الأرض من جوره وجود أعوانه يقتله من يُصلّي خلفه عيسى بن مريم عليه السلام) (1). )ب( ومن أتباعه: طلاب اللقمة الدسمة وعشاقها لعنة الله عليه وعليهم) عن النبي صلى الله عليه وآله: (يخرج الدجال، فيتبعه ناس يقولون: نحن شهداء: أنه كافر . وإنما نتبعه لنأكل من طعامه، ونرعى من الشجر . فإذا نزل غضب الله نزل عليهم جميعاً) (۲) )ج( ومن أتباعه: محبو عثمان لعنة الله عليهم جميعاً ) عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: كان أمير المؤمنين، يقول: من أراد أن يقاتل شيعة الدجال فليقاتل الباكي على دم عثمان، والباكي على أهل النهروان . إن من لقي الله مؤمناً بأن عثمان قتل مظلوماً لقي الله عز وجل ساخطاً عليه، و لا يدرك الدجال . فقال رجل: يا أمير المؤمنين، فإن مات قبل ذلك؟ قال: فيبعث من قبره حتى لا يؤمن به وإن رغم أنفه)) . (1) عن شرح الأربعين للسيد الخاتون آبادي الإصفهاني (ره) من ج ۳۳ (۲) عن معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام ج ۲ ص ۷۰ وص ۷۱ ٤٢٩، وهو منقول من [صفحة 467] بيان: لو نظرت أيها المحب بدقة في متن هذه الرواية لوجدت أن يد التحريف قد إمتدت إليها فوضعت كلمة (لا) مرتين، مرة قبل كلمة: (يدرك)، وأخرى قبل كلمة: (يؤمن)، ولذا فإنك حين تزيل هاتين الكلمتين الموضوعتين إفتراءاً؛ ينسجم سياق الكلام في الرواية الشريفة دون إضطراب وإرتباك في المعنى . وأما حين تقرأ الكلمتين الموضوعتين إفتراءاً تجد الإرتباك الشديد واضحاً في متن الرواية الشريفة، وذلك من جهات: 1 - أن الإمام عليه السلام في مقام الذم لعدوه، وعدم إدراك الدجال لعنة الله عليه حين القول: (ولا يدرك الدجال)، ليس من الدم في شيء، بل قد يكون مدحاً، ولا وجه لذكره أبداً في المقام . ثم أن الباكي على أهل النهروان المتفق على ضلالتهم وبغيهم بل كفرهم معطوف في الرواية الشريفة على الباكي على قتل عثمان، وفي ذلك دلالة واضحة على ضلالة الجميع، وهذا ما يقتضيه العطف بحسب موازين العربية . ٢ - لو نظرت أيها المحب إلى سؤال السائل حين قال: (فإن مات قبل ذلك؟)، لعرفت أن الإمام عليه السلام كان قد ذكر أن أعداءه سيدركون الدجال لعنة الله عليه وعليهم . ولو لم يكن الإمام عليه السلام قد ذكر ذلك، لما كان هناك من وجه مطلقاً لمثل هذا السوال وما جاء في الرواية من قول: (فيبعث من قبره حتى لا يؤمن به وإن رغم أنفه)، ليس فيه من ذم أبداً، ثم إن قولة: (وإن رغم أنفه، لا تتسق مع عدم الإيمان بالدجال لعنة الله عليه بأي وجه من الوجوه . [صفحة 468] المخالفين لأهل البيت عليهم السلام هم من شيعة الدجال لعنة الله عليه وعليهم، وسيأتي ذكر بعضها بعد قليل . ولا تعجب أيها العزيز أن أقول لك: إن هذا المعنى ورد أيضاً في كتب المخالفين، فهاك إنظر ما جاء في كتابهم المعروف: (كنز العمال): ) عن حذيفة، قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخرها خروج الدجال . والذي نفسي بيده، لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب [قتل ] عثمان الا تبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه أفتن به في قبره (۱) . بيان: ۱ - حذيفة الذي نقلت عنه هذه الرواية: هو حذيفة بن اليمان (ره)، ومثل هذه المعاني التي نقلها من المقطوع به أنها ليست من بناة تفكيره؛ فهو إما أن يكون قد نقلها عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أو عن أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام هذا في نظرنا؛ لأن حذيفة (ره) كان من المخلصين لسيد الأوصياء صلوات الله عليه وعليهم . وأما في نظر المخالفين فإن حذيفة (ره) معروف بينهم وفي كتبهم: أنه من نقلة أحاديث الفتن والملاحم عن رسول الله صلى الله عليه وآله . ٢ - تلاحظ أيها العزيز أن كلمة (قتل) قد حشرت حشراً واضحاً من خلال مطالعة سياق الحديث بدقة، هذا أولاً . ومن مراجعة الأحاديث الشريفة التي وردت بهذا الخصوص سواء التي ذكرت في هذه الثمرة أو الأخرى الكثيرة التي لم تذكر؛ يتضح المقصود واضحاً جلياً من دون شك وشبهة ثانياً ... [صفحة 469] - قد جاء في نفس كتاب كنز العمال رواية أخرى عن حذيفة (ره) تؤيد هذا المعنى: (لو خرج الدجال لأمن به قوم في قبورهم) (1) . وقد رواها أيضاً السيوطي من علمائهم في الدر المنثور ج ٥ ص ٣٥٥، وعبد الله بن محمد بن أبي شيبة من كبار محدثيهم في كتابه المصنف ج ١٥ ص ١٤٣ ح ١٩٣٣٨ . وقد يقول قائل كيف يكون الإيمان والكفر في القبور بعد الموت؟ وإنما عواقب الناس محمودها ومذمومها يشخص عند الموت . وجواب ذلك: إن ما قيل صحيح . إلا أن الإعتقاد بإمامة إمام زماننا عليه السلام، له خصوصية نلحظها في رواياتنا الشريفة، وعلى سبيل المثال ما جاء في الحديث الشريف الذي يرويه أبان بن تغلب (ره)، عن إمامنا الصادق عليه السلام، وهو يتحدث عن ظهور إمام زماننا صلوات الله عليه، وما يرافق ذلك من أحداث وتغيرات، فيقول: (ولا يبقى مؤمن ميت إلا دخلت عليه تلك الفرحة في قبره؛ وذلك حيث يتزاورون في قبورهم، ويتباشرون بقيام القائم عليه السلام ...) . فكذلك هو الحال في البراءة أو الولاية للدجال لعنة الله عليه، حيث إنه إمام الضلالة والكفر في زمان إمامة إمامنا عليه السلام . (১) ومن أتباعه لعنة الله عليه وعليهم: المبغضون لأهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام ۱ -) عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال [صفحة 470] رسول الله صلى الله عليه وآله: من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهودياً . قيل: يا رسول الله، وإن شهد الشهادتين؟ قال: نعم، إنما إحتجب بهاتين الكلمتين عن سفك دمه، أو يؤدي الجزية (1) وهو صاغر . ثم قال: من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهودياً . قيل: وكيف يارسول الله؟ قال: إن أدرك الدجال آمن به) (1) . ۲ - (عن أبي سعيد الخدري، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال في خطبته: أيها الناسُ، من أبغضنا أهل البيت، بعثه الله يهودياً، لا ينفعه إسلامه . وإن أدرك الدجال آمن به، وإن مات بعثه الله من قبره حتى يؤمن به) . (هـ) ومن أتباعه لعنة الله عليه وعليهم: من قاتل أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم جميعاً ۱ - (عن رافع مولى أبي ذر، قال: رأيت أبا ذر رحمه الله آخذاً بحلقة باب الكعبة، مستقبل الناس بوجهه، وهو يقول: من عرفني فأنا جندب الغفاري، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله، يقول: من قاتلني في الأولى، وقاتل أهل بيتي في الثانية حشره الله تعالى في الثالثة مع الدجال . إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، (1) تقدم في الفصل الأول / الفتنة الثامنة، ما يوضح هذا المعنى [صفحة 471] ومن تخلف عنها غرق، ومثل باب حطة من دخله نجا، ومن لم يدخله هلك) (1). بيان: المراد من الأولى في حياته صلى الله عليه وآله، ومن الثانية بعد رحيله عن الدنيا صلى الله عليه وآله حتى زمان الظهور الشريف، ومن الثالثة زمان ظهور إمامنا صلوات الله وسلامه عليه . ٢ - عن إمامنا الرضا صلوات الله عليه: (عن آبائه عليهم السلام، قال: قال علي بن أبي طالب عليه السلام: من قاتلنا في آخر الزمان، فكأنما قاتلنا مع الدجال . قال أبو القاسم الطائي: سألت علي بن موسى الرضا عليه السلام: عمن قاتلنا في آخر الزمان؟ قال: من قاتل صاحب عيسى بن مريم، وهو المهدي عليه السلام) (1). )و( ومن الشيعة من هو أشد فتنة من الدجال لعنة الله عليه ) عن الوشاء، عن الرضا عليه السلام، قال: إن ممن يتخذ مودتنا أهل البيت، لمن هو أشد فتنة على شيعتنا من الدجال!!! فقلت: يا ابن رسول الله، بماذا؟ قال: بموالاة أعدائنا، ومعاداة أوليائنا؛ (۱) عن أمالي شيخنا الطوسي (ره) ج ۱ ص ٥٩ . [صفحة 472] إنه إذا كان ذلك إختلط الحق بالباطل واشتبه الأمر فلم يُعرف مؤمن من منافق) (1). فإعتبر أيها الموالي، واحذر؛ فإن في الناس من يدوف السم بالعسل، وما أكثرهم في زماننا!!! والحر تكفيه إشارة ويلزمك يا محب آل محمد صلوات الله عليهم، في زمان مثل زماننا تكثر فيه الفتن المضلة، وتتشعب فيه السبل المختلفة، وتتصارع فيه الأحزاب والفرق المتكالبة على الدنيا ورئاستها، حيث الأهواء متباينة، والآراء متضاربة، و كل حزب بما لديهم فرحون (1)، فأَما الزَّبَدُ فيذهب جفاء)، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، كذلك يضرب الله الأمثال) (1). فيلزمنا جميعاً يا عزيزي أن نعرف الحق كي تعرف أهله، وأن نعرف الرجال بالحق، لا أن نعرف الحق بالرجال . كذاك هي تعاليم أئمتنا عليهم السلام . وعلينا تجديد العهود والمواثيق مع إمام زماننا صلوات الله وسلامه عليه: بالمودة، والولاية، والطاعة، والإتباع، والتسليم لأمره العالي صلوات الله عليه، وبالبراءة من كل المنحرفين عن صراطه المستقيم أيا كانوا، وكيف (۱) عن البحار الشريف ج ٧٥ ص ۳۹۱، نقله (ره) عن صفات الشيعة لشيخنا الصدوق (ره) . (۲) من الآية الشريفة (۳۲) من سورة الروم المباركة . (۳) جفاء: باطلاً . [صفحة 473] كانوا؛ فليس من حق إلا وهو منيخ بفناء إمام زماننا الأقدس صلوات الله عليه، وليس من هدى إلا بالتشبث بأذيال لطفه وجوده عليه أفضل الصلاة والسلام، وليس من طريق وصول إلى الله سبحانه وتعالى إلا بحبله الأكرم صلوات الله عليه وعلى آبائه الأطهرين .. سيدي يا صاحب الأمر «صلوات الله عليك »: عذراً ... عذراً ... من قصورنا وتقصيرنا!!! وعفواً ... عفواً ... يارجانا!!! ولطفاً ... لطفاً ... يا صاحب الخلق العظيم!!!! (1) كان في نيتي حين شرعت في كتابة الأوراق الأولى من هذا الكتاب أن يكون بحث البراءة في الفصل الثالث منه ينحو مفصل ومسهب إلا أني حين شرعت في كتابته جعلته موجزاً مقتضباً، وقد طويت كشحاً عن مطالب كثيرة لثلاً يساء فهمها، لأنا قد إبتلينا في زماننا هذا بكثيرين يجيدون الإصطياد في المياه العكرة والآمنة لكروعهم وإرتماسهم فيها ليل نهار، أعاذنا الله [صفحة 475] خاتِمَةُ الكِتاب وتَشْتَمِلُ على وَقْفَتَين: [صفحة 477] الوقفة الأولى: بستان الأحاديث إذا كانت المدائن تتزين بحدائقها الغناء، والأرياف يزداد حسنها برياض بساتينها المزهرة، ويُجمل الناس بيوتهم بأشجار وأوراد ورياحين . فزينة كتابي بستان أحاديثه المعصومية . قدونك أيها المحب الودود: (بستان الأحاديث)، فتجول بين رياضه العبقة، وتنشق نسيم شقائق العترة الطاهرة صلوات الله عليها!!! وأين منها شقائق النعمان؟! وتلذذ ببهجة ثمارها اليانعة!!! وأين منها ثمار التين العسلية؟! ومتع عيون قلبك بالنظر إلى طراوة معانيها وحضرتها!!! أفليس الخضرة فيها معنى الحياة؟! أوليس حديثهم حياة القلوب؟! فتعال معي ياعزيزي لتحيي القلوب والعقول بحديث آل الله، آل العصمة والطهارة .........!!! وأنشد معي بملء فيك: فَدَع عنك قول الشافعي ومالك وأحمد والمروي عن كعب الأحبار وحد عن أناس قولهم وحديثهم روى جدهم عن جبرئيل عن الباري (1) مجموعة متنوعة من الأحاديث المعصومية الشريفة تبلغ أربعين حديث تتناسق مضامينها مع ما [صفحة 478] ۱ - (عن الحسين بن نعيم الصحاف، قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قوله: فمنكم كافر ومنكم مؤمن (۱)؟ فقال: عَرفَ الله عز وجل إيمانهم بموالاتنا وكفرهم بها يوم أخذ عليهم الميثاق وهم ذر في صلب آدم . وسألته عن قوله عز وجل: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين) (۲)؟ فقال: أما والله ما هلك من كان قبلكم، وما هلك من هلك حتى يقوم قائمنا عليه السلام؛ إلا في ترك ولايتنا، وجحود حقنا . وما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من الدنيا حتى ألزم رقاب هذه الأمة حقنا . والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (3) . ۲ - من حديث زرارة (ره)، عن إمامنا باقر العلوم صلوات الله عليه:،: ذروة الأمر، وسنامه، ومفتاحه، وباب الأشياء، ورضا الرحمن: الطاعة للإمام بعد معرفته . إن الله عز وجل يقول: من يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً)، أما لو أن رجلاً قام ليله، وصام نهاره، وتصدق بجميع ماله، وحج جميع دهره، ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه، ويكون جميع أعماله بدلالته إليه؛ ما كان له على الله جل وعز حق في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان . ثم قال: أولئك المحسن منهم يُدخله الله الجنة بفضل رحمته) (*) . (1) من الآية الشريفة (۲) من سورة التغابن المباركة . (۲) من الآية الشريفة (۱۲) من سورة التغابن المباركة . (۳) عن الكافي الشريف ج ١ ص ٤٢٦ وص ٤٢٧ ح ٧٤ . [صفحة 479] - (عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: إني أخالط الناس فيكثر عَجَبي من أقوام لا يتولونكم، ويتولون فلاناً وفلانا، لهم أمانة وصدق ووفاء؟! وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الصدق ولا الوفاء؟! قال: فاستوى أبو عبد الله عليه السلام جالساً، وأقبل علي كالغضبان . ثم قال: لا دين لمن دان بإمامة إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله . قال: قُلتُ: فلا دين لأولئك، ولا عتب على هؤلاء؟! فقال: نعم، أما تسمع قول الله عز وجل: الله ولي الذين آمنوا يُخرجهم من الظلمات إلى النور (۱): يُخرِجُهم من ظلماتِ الذنوب إلى نور التوبة والمغفرة لولايتهم كل إمام عادل من الله، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوتُ يُخرجونهم من النور إلى الظلمات)، فأي نور يكون للكافر فيخرج منه؟ إنما عنى بهذا أنهم كانوا على نور الإسلام، فلما تولّوا كل إمام جائر ليس من الله؛ خرجوا بولايتهم إياهم من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر، فأوجب لهم النار مع الكفار، فقال: أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (۳))) . ٤ - ومما جاء عن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، في وصف آلي محمد صلوات الله عليهم: (سر الواحد الأحد، فلا يُقاس بهم من الخلق أحد، فهم خاصة الله وخالصته، وسر الديان وكلمته، وباب الإيمان (۱) و (۲) و (۳) الآية الشريفة (٢٥٧) من سورة البقرة المباركة ... (٤) عن تأويل الآيات الشريف ج 1 ص ٩٦ ٨٧، وهو بعينه في الكافي الشريف ص ٣٧٥ [صفحة 480] وكعبته، وحجة الله ومحجته (۱)، وأعلام الهدى ورايته، وفضل الله ورحمته، وقدرة الرب ومشيته، وأم الكتاب وخاتمته، وفصل الخطاب ودلالته، وخزنة الوحي وحفظته، وآية الذكر وتراجمته، ومعدن التنزيل ونهايته، فهم الكواكب العلوية، والأنوار العلوية المشرقة من شمس العصمة الفاطمية، في سماء العظمة المحمدية، والأغصان النبوية النابتة في دوحة الأحمدية، والأسرار الإلهية المودعة في الهياكل البشرية، والذرية الزكية، والعترة الهاشمية الهادية المهدية، أولئك هم خير البرية) (٢) ه -) عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سره أن يجمع الله له الخير كله فليوال علياً بعدي، وليوال أولياءه، وليعاد أعداءه) (3) . ٦ - (عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: أرأيت الراد على هذا الأمر، كالراد عليكم؟ فقال: يا أبا محمد، من رد عليك هذا الأمر فهو كالراد على رسول الله صلى الله عليه وآله) (3) . - (عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: من نصب ۷ لعلي حرباً كمن نصب لرسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال: أي والله، ومن نصب لك أنت لا ينصب لك إلا على هذا الدين، كما نصب الرسول الله صلى الله عليه وآله)) . محجته: صراطه المستقيم، لأن المحجة في اللغة وسط الطريق المسلوك (۲) عن البحار الشريف ج ٢٥ ص ١٧٤ من ح ٣٨ . (۳) عن البحار الشريف ج ۲۷ ص ٥٥ ج ۹، نقله (ره) عن أمالي الشيخ الصدوق (ره) . (1) كناية عن التشيع، ومعرفة الإمام عليه السلام، وإتباعه، والتسليم لأمره صلوات الله عليه ... [صفحة 481] (عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: من لم يعرف سوء ما أوتي إلينا من ظلمنا، وذهاب حقنا، وما نكبنا به؛ فهو شريك من أتى إلينا فيما ولينا به)) . ۹ - (عن سعدان، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يُحاسبكم به الله، فيغفر لمَن يَشَاءُ ويُعذب من يشاء) . قال: حقيق على الله أن لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من حبهما (۳) (1) . ۱۰ - ومما جاء عن إمامنا زين العابدين علي بن الحسين صلوات الله عليهما، من حديث أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام مع الطبيب اليوناني، حيث قال له صلوات الله عليه بعد إيمانه وتشيعه وإستبصاره الحق: ) وأمرك أن تواسي إخوانك المؤمنين المطابقين لك على تصديق محمد صلى الله عليه وآله، وتصديقي، والإنقياد له ولي، مما رزقك الله وفضلك على من فضلك به منهم: تسد فاقتهم، وتجبر كسرهم وخلتهم، ومن كان منهم في درجتك في الإيمان ساويته في مالك بنفسك، ومن كان منهم فاضلاً عليك في دينك، أثرته بمالك على نفسك، حتى يعلم الله منك أن دينه أثر عندك من مالك، وأن أولياءه أكرم عليك من أهلك وعيالك وأمرك أن تصون دينك وعلمنا الذي أودعناك وأسرارنا التي حملناك، (1) عن عقاب الأعمال الشريف ص ٢٤٨ ٦٠ . (۲) من الآية الشريفة (٢٨٤) من سورة البقرة المباركة [صفحة 482] فلا تبد علومنا لمن يُقابلها بالعناد، ويُقابلك من أجلها بالشتم واللعن والتناول من العرض والبدن، ولا تفش سرنا إلى من يشنّع علينا عند الجاهلين بأحوالنا، ويعرض أولياءنا لنوادر الجهال) (1) . ۱۱ - وما جاء عن إمامنا أبي جعفر الجواد صلوات الله عليه، أنه قيل له: (إن فلاناً نُقبَ (۳) في جواره على قوم، فأخذوه بالتهمة، وضربوه خمسمائة سوط . قال محمد بن علي عليهما السلام: ذلك أسهل من مائة ألف ألف سوط في النار؛ نبه على التوبة حتى يكفر ذلك . قيل: وكيف ذلك يا ابن رسول الله صلى الله عليك وعلى آلك؟ قال: إنه في غداة يومه الذي أصابه ما أصابه ضيع حق مؤمن، وجهر بشتم أبي الفصيل وأبي الدواهي وأبي الشرور وأبي الملاهي (۳)، وترك التقية، ولم يستر على إخوانه ومخالطيه، فاتهمهم عند المخالفين، وعرضهم للعنهم وسبهم ومكروههم وتعرض هو أيضاً، فهم الذين سوو(1) عليه البلية، وقذفوه بهذه التهمة فوجهوا إليه وعرفوه ذنبه ليتوب، ويتلافى ما فرط منه، فإن لم يفعل، فليوطن نفسه على ضرب خمسمائة سوط وحبس في مطبق) لا يفرق فيه بين الليل والنهار . (۱) عن تفسير إمامنا الزاكي العسكري صلوات الله عليه ص ١٧٥ من ح ٨٤ . (۲) نقب في جواره: أي خرق اللصوص جدار بيت جيرانه . (۳) هؤلاء هم الأول، والثاني، والثالث، ومعاوية . [صفحة 483] فوجه إليه، فتاب وقضى حق الأخ الذي كان قد قصر فيه، فما فرغ من ذلك حتى عثر باللص، وأخذ منه المال، وخلي عنه، وجاءه الوشاة يعتذرون إليه) (1) . ۱۲ - عن إمامنا باب الحوائج موسى بن جعفر عليهما السلام: (من أعان محباً لنا على عدو لنا، فقواه وشجعه حتى يخرج الحق الدال على فضلنا بأحسن صورته، ويخرج الباطل الذي يروم (1) به أعداؤنا دفع حقنا في أقبح صورة، حتى يتنبه الغافلون، ويستبصر المتعلمون، ويزداد في بصائرهم العاملون، بعثه الله تعالى يوم القيامة في أعلى منازل الجنان، ويقول: يا عبدي الكاسر لأعدائي، الناصر لأوليائي، المصرح: بتفضيل محمد خير أنبيائي، وبتشريف علي أفضل أوليائي، وتناوي (۳) إلى من ناواهما، وتسمي بأسمائهما وأسماء خلفائهما، وتلقب بألقابهما . فيقول ذلك، ويُبلغ الله جميع أهل العرصات، فلا يبقى ملك، ولا جبار، ولا شيطان، إلا صلى على هذا الكاسر الأعداء محمد صلى الله عليه وآله، ولعن الذين كانوا يناصبونه في الدنيا من النواصب المحمد وعلي عليهما السلام) (1) ۱۳ - (عن منصور، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا منصور، إن هذا الأمر) لا يأتيكم إلا بعد إياس، لا والله لا يأتيكم حتى تميزوا، لا والله (۱) عن تفسير إمامنا الزاكي العسكري صلوات الله عليه ص ٣٢٤ ج ١٧١ . (۲) بروم: يريد، أو يطلب، أو يبتغي . (۳) تناوي: تعادي وتباغض . (٤) عن تفسير إمامنا الزاكي العسكري صلوات الله عليه ص ٠ ٣٥ - ٢٣٥ . [صفحة 484] لا يأتيكم حتى تمحصوا، ولا والله لا يأتيكم حتى يشقى من شقي، ويسعد من سعد) (1). ١٤ -) عن عبد الرحمن بن سيابة، عن أبي عبدالله عليه السلام، أنه قال: كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى ولا علم، يتبرأ بعضكم من بعض، فعند ذلك تميزون وتمحصون وتغربلون، وعند ذلك إختلاف السيفين (٢)، وإمارة من أول النهار، وقتل وخلع من آخر النهار) (۳) .. ١٥ -) عن محمد بن مسلم الثقفي، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام، يقول: القائم منا منصور بالرعب، مؤيد بالنصر تُطوى له الأرض، وتظهر له الكنوز، يبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويُظهر الله عز وجل به دينه على الدين كله ولو كره المشركون، فلا يبقى في الأرض خراب إلا قد عمر، وينزل روح الله عيسى بن مريم عليه السلام، فيصلي خلفه، قال: قلت: يا ابن رسول الله، متى يخرج قائمكم؟ قال: إذا تشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، واكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وركب ذوات الفروج السروج، وقبلت شهادات الزور، وردت شهادات العدول، واستخف الناس بالدماء وإرتكاب الزنا وأكل الربا، وإتقي الأشرار مخافة ألسنتهم، وخروج السفياني من الشام، اليماني من اليمن، وخسف بالبيداء، وقتل غلام من آل محمد صلى الله (۱) عن كمال الدين وتمام النعمة الشريف ج ٢ ص ٣٤٦ ج ٣٢ . (۲) إختلاف السيفين: إما هو كناية عن الحروب التي تقع بين أهل الباطل لعنة الله عليهم، وإما أن يكون ذلك إشارة إلى وقوع الحرب بين أهل الحق وأهل الباطل. هذا كله وفقاً لهذه النسخة . [صفحة 485] عليه وآله بين الركن والمقام، إسمه محمد بن الحسن النفس الزكية، وجاءت صيحة من السماء: بأن الحق فيه (1) وفي شيعته، فعند ذلك خروج قائمنا . فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة، واجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً. وأول ما ينطق به هذه الآية: ﴿ بقيه الله خير لكم إن كنتم مؤمنين (٢)، ثم يقول: أنا بقية الله في أرضه، وخليفته، وحجته عليكم؛ فلا يسلم عليه مسلم إلا قال: السلام عليك يا بقية الله في أرضه . فإذا اجتمع إليه العقد وهو عشرة آلاف رجل خرج . فلا يبقى في الأرض معبود دون الله عز وجل من صنم ووثن وغيره إلا وقعت فيه نار فإحترق . وذلك بعد غيبة طويلة؛ ليعلم الله من يطيعه بالغيب، ويؤمن به) (۳). ١٦ -) عن أم هانئ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: سيأتي زمان تسمع بالرجل خير من أن تراه وتلقاه، وإذا لقيته خير من أن تُجربه، وإن جربته أظهر لك أحوالاً؛ دينهم دنانيرهم، همتهم بطونهم، قبلتهم نساؤهم، يركعون للرغيف، ويسجدون للدراهم، حيارى سكارى، لاهم مسلمين ولا نصارى)) . ۱۷ - (عن جابر بن يزيد، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عز وجل: والليل إذا يغشى) (*)، قال: دولة إبليس إلى يوم القيامة وهو يوم قيام القائم . والنهار إذا تجلى) (٦): وهو القائم عليه السلام إذا قام (1) الهاء في: (فيه، عائدة على إمام زماننا صلوات الله عليه . (۲) من الآية الشريفة (٨٦) من سورة هود المباركة . (۳) عن كمال الدين وتمام النعمة الشريف ج ١ ص ٣٣١ - ١٦ . (٤) عن بيان الأئمة عليهم السلام ج ٢ ص ٠٤٤٤ [صفحة 486] وقوله: فأما من أعطى واتقى) (1): أي أعطى نفسه الحق، واتقى الباطل، فستيسره لليسرى): أي الجنة . وأما من بَخِلَ واستغنى) (1): يعني بنفسه عن الحق، واستغنى بالباطل عن الحق، وكذب بالحسنى) (): بولاية علي بن أبي طالب والأئمة من بعده صلوات الله عليهم؛ فسنيسره للعسرى) (1): يعني النار . وأما قوله: إن علينا للهدى): يعني إن علياً للهدى، وإن له الآخرة والأولى (؟). فأنذرتكم ناراً تلظى (١٠)، قال: هو القائم إذا قام بالغضب، فيقتل من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين . لا يصلاها إلا الأشقى) (۱۱)، قال: هو عدو آل محمد . وسيجنبها الأتقى (١)، قال: ذاك أمير المؤمنين عليه السلام وشيعته) (۱۳). (1) الآية الشريفة (٥) من سورة الليل المباركة . (۱۱) الآية الشريفة (١٥) من سورة الليل المباركة . (۲) المراد أنه بذل نفسه للحق وفي سبيل الحق، لأن أعطى تأخذ مفعولين: فنفسه مفعول أول، (۱۲) الآية الشريفة (۱۷) من سورة الليل المباركة. والحق مفعول ثاني . (۳) الآية الشريفة (۷) من سورة الليل المباركة . (٤) الآية الشريفة (۸) من سورة الليل المباركة . (5) المراد بخل بنفسه عن الحق، فلم يبذلها في سبيله، ولم يتحمل أعباء ذلك (1) الآية الشريفة (4) من سورة الليل المباركة . (۷) الآية الشريفة (۱۰) من سورة الليل المباركة . (۸) الآية الشريفة (۱۲) من سورة الليل المباركة . (4) في ذلك إشارة إلى الآية الشريفة (۱۳) من سورة الليل المباركة والتي نصها: وإن لنا للآخرة والأولى) (۱۳) عن تأويل الآيات الشريف ج ۲ ص ۸۰۷ و ص ۸۰۸ ح ۱ . [صفحة 487] ۱۸ - ومما جاء في تفسير فرات الكوفي (ره)، عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه: فأنذرتكم ناراً تلظى (١): القائم صلوات الله عليه إذا قام بالغضب، فقتل من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) (1) . ۱۹ - (عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قوله عز وجل: فإذا نُقر في الناقور) (۳)، قال: الناقور هو النداء من السماء: ألا إن وليكم الله وفلان بن فلان (1) القائم بالحق، ينادي به جبرئيل في ثلاث ساعات من ذلك اليوم، فذلك يوم عسير على الكافرين غير يسير (٥): يعني بالكافرين المرجئة) الذين كفروا بنعمة الله، وبولاية علي بن أبي طالب عليه السلام)). ۲۰ - (عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)، فقال: والله ما نزل تأويلها (1) بعد، ولا ينزل تأويلها حتى يخرج القائم عليه السلام . فإذا خرج القائم عليه السلام، (1) الآية الشريفة (١٤) من سورة الليل المباركة ((۸) الآية الشريفة (۳۳) من سورة التوبة المباركة . (۲) عن تفسير فرات (ره) ص ٥٦٧ ج ٣ / ٧٢٧، طبعة طهران - وزارة الإرشاد .. (۳) الآية الشريفة (۸) من سورة المدثر المباركة . (۹) ما نزل تأويلها: المراد أنه ما تحقق معناها في (٤) كناية عن إمام زماننا صلوات الله عليه . الواقع الخارجي . (5) إشارة إلى الآيتين الشريفتين (۹) و (۱۰) من سورة المدثر، ونصهما فذلك يومئذ يوم عسير . على الكافرين غير يسير) . (1) هم المخالفون لأهل البيت عليهم السلام، وقد مر الكلام عنهم . [صفحة 488] لم يبق كافر بالله العظيم، ولا مشرك بالإمام إلا كره خروجه، حتى أن لو كان كافراً أو مشركاً في بطن صخرة لقالت: يا مؤمن في بطني كافر، فإكسرني واقتله)) . ۲۱ - وما رواه أبو حمزة (ره)، عن إمامنا باقر العترة الطاهرة صلوات الله عليه وعليها: (في قوله عز وجل: قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلّفين . إن هو إلا ذكر للعالمين)، قال: هو أمير المؤمنين عليه السلام، ولتعلمن نبأه بعد حين)، قال: عند خروج القائم عليه السلام . وفي قوله عز وجل: ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه (1) قال: إختلفوا كما إختلفت هذه الأمة في الكتاب، وسيختلفون في الكتاب الذي مع القائم الذي يأتيهم به، حتى يُنكره ناس كثير، فيقدمهم، فيضرب أعناقهم)) . ۲۲ - (عن عبد الله بن سنان، قال: كنت عند أبي عبدالله عليه السلام فسمعت رجلاً من همدان يقول له: إن هؤلاء العامة يُعيرونا ويقولون لنا: إنكم تزعمون أن منادياً يُنادي من السماء بإسم صاحب هذا الأمر . وكان متكئاً فغضب وجلس، ثم قال: لا ترووه عني وارووه عن أبي، ولا حرج عليكم في ذلك . أشهد أني قد سمعت أبي عليه السلام يقول: والله إن ذلك في كتاب الله عز وجل لبين، حيث يقول: إن نشأ ننزل عليهم من (۱) عن كمال الدين وتمام النعمة الشريف ج ۲ ص ٦٧٠ ٠١٦ (۲) الآيتان الشريفتان (٨٦) و (۸۷) من سورة من المباركة . (۳) الآية الشريفة (۸۸) من سورة ص المباركة . [صفحة 489] السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) (1)، فلا يبقى في الأرض يومئذ أحد إلا خضع وذلت رقبته لها، فيؤمن أهل الأرض إذا سمعوا الصوت من السماء: ألا إن الحق في علي بن أبي طالب عليه السلام وشيعته . قال: فإذا كان من الغد، صعد إبليس في الهواء حتى يتوارى عن أهل الأرض، ثم ينادي: ألا إن الحق في عثمان بن عفان وشيعته، فإنه قتل مظلوماً، فاطلبوا بدمه . قال: فيُثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت على الحق وهو النداء الأول، ويرتاب يومئذ الذين في قلوبهم مرض، والمرض والله عداوتنا، فعند ذلك يتبرعون منا ويتناولوننا ()، فيقولون: إن المنادي الأول سحر من سحر أهل هذا البيت . ثم تلا أبو عبد الله عليه السلام قول الله عز وجل: وإن يروا أية يُعرضوا ويقولوا سحر مستمر) () (). ۲۳ - (عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما كان قول لوط عليه السلام: لو أن لي بكم قوة أو أوي إلى ركن شديد ()، إلا تمنياً لقوة القائم عليه السلام، ولا ذكر إلا شدة أصحابه، وإن الرجل منهم ليعطى قوة أربعين رجلاً، وإن قلبه لأشد من زبر الحديد، ولو مروا بجبال الحديد لقلعوها، ولا يكفون سيوفهم حتى يرضى الله عز وجل)) . ٢٤ - (عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لينصرن الله (1) الآية الشريفة (٤) من سورة الشعراء المباركة . (۲) يتناولوننا: يشتموننا، ويقدحون فينا، و لعنة الله عليهم . . (۳) الآية الشريفة (۲) من سورة القمر المباركة . (4) عن غيبة شيخنا النعماني (ره) ص ٢٦٠ وص ٢٦١ - ١٩ . (٥) من الآية الشريفة (۸۰) من سورة هود المباركة . [صفحة 490] هذا الأمر بمن لا خلاق (۱) له، ولو قد جاء أمرنا لقد خرج منه، من اليوم مقيم على عبادة الأوثان) (1) . بيان: المراد من عبادة الأوثان في الحديث الشريف: إما طاعة حكام الجور وسلاطين الباطل، وإما إتباع علماء السوء وفقهاء الضلالة الذين إنحرفوا عن طريق آل الرسول صلوات الله عليهم، سواء بإتباعهم المذاهب الباطلة الضالة، أو بتأثرهم بها وإن كانوا يتظاهرون بالتشيع، ويلبسون بذلك على المخدوعين من عامة الشيعة والمحبين . ٢٥ - (عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: قال الله في كتابه، يحكي قول اليهود: إن الله عهد إلينا ألا نؤمن الرسول حتى يأتينا بقربان) (۳) الآية، وقال: ﴿ فَلِمَ تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين (1)، وإنما أنزل هذا في قوم اليهود وكانوا على عهد محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يقتلوا أنبياء الله بأيديهم ولا كانوا في زمانهم، وإنما قتل أولياؤهم الذين كانوا من قبلهم، فنزلوا بهم أولئك القتلة، فجعلهم الله منهم، وأضاف إليهم فعل أوائلهم بما تبعوهم وتولوهم)) . ٢٦ - عن سليمان بن جعفر الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن (عليه (1) لاخلاق له: لاحظ وافر له بين الناس .. (۲) عن بيان الأئمة عليهم السلام ج ۳ ص ۲۱۹ . (۳) من الآية الشريفة (۱۸۳) من سورة آل عمران المباركة . (٤) من الآية الشريفة (۹۱) من سورة البقرة المباركة . [صفحة 491] السلام يقول لأبي: مالي رأيتك عند عبد الرحمن بن يعقوب؟ قال: إنه خالي . فقال له أبو الحسن عليه السلام: إنه يقول في الله قولاً عظيماً، يصف الله تعالى ويحده، والله لا يوصف . فإما جلست معه وتركتنا، وإما جلست معنا وتركته . فقال: إن هو يقول ماشاء، أي شيء علي منه إذا لم أقل ما يقول؟ فقال له أبو الحسن عليه السلام: أما تخافن أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعاً؟ أما علمت بالذي كان من أصحاب موسى، وكان أبوه من أصحاب فرعون، فلما لحقت خيل فرعون موسى عليه السلام، تخلف عنه ليعظه، وأدركه موسى وأبوه يُراغمه (۱) حتى بلغا طرف البحر، فغرقا جميعاً، فأتى موسى الخبر، فسأل جبرئيل عن حاله . فقال له: غرق رحمه الله ولم يكن على رأي أبيه، لكن النقمة إذا نزلت لم يكن لها عمن قارب المذنب دفاع!) (1) . ۲۷ - (عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى (۳)، قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام: ليس لك أن تقعد مع من شئت؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإما يُنسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين)، وليس لك أن تتكلم بما شئت؛ لأن الله عز وجل قال: عليه التحية والسلام، حيث أن سليمان بن جعفر الجعفري (ره) من ثقات أصحابهما عليهما أفضل الصلاة والسلام، كما جاء في رجال النجاشي والطوسي رحمهما الله تعالى .. (1) براغمه: يغاضبه، ويهجره، وينحو أدق: يعانده على الباطل .. (۲) عن أمالي شيخنا المفيد (ره) ص ۱۱۲ ج ٣ من المجلس ۱۳ . (۳) هو إمامنا السابع، والنور الساطع، موسى بن جعفر عليهما أفضل الصلاة والسلام [صفحة 492] ولا تقف ماليس لك به علم)، ولأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: رحم الله عبداً قال خيراً فغنم، أو صمت فسلم، وليس لك أن تسمع ما شئت؛ لأن الله عز وجل يقول: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا (1))(۳). ۲۸ - عن أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام: (يُحشر المرجئة (1) عمياناً، وإمامهم أعمى، فيقول بعض من يراهم من غير أمتنا: ما نرى أمة محمد إلا عميانا! فيقال لهم: ليسوا من أمة محمد صلى الله عليه وآله؛ إنهم بدلوا فبدل بهم، وغيروا فغير ما بهم)) . ۲۹ - (عن سعيد بن أبي سعيد، قال: سمعت أبا الحسن (1) عليه السلام يقول: إن الله عز وجل في كل وقت صلاة يُصليها هذا الخلق يلعنهم قال: قلت: جعلت فداك، ولم؟ قال: بجحودهم حقنا، وتكذيبهم إيانا) (). ٣٠ - (عن حنان بن سدير، عن أبيه، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن عدو علي عليه السلام لا يخرج من الدنيا حتى يجرع جرعة من الحميم (1). (۱) و (۲) الآية الشريفة (٣٦) من سورة الإسراء المباركة (۳) عن البحار الشريف ج ٧٤ ص ١٩٣ ح ١٦ . (٤) هم أتباع أهل السقيفة المشؤومة لعنة الله عليهم جميعاً (٥) عن البحار الشريف ج ٢٧ ص ٢٣٥ - ٤٨ . (٦) الذي يظهر أنه إمامنا زين العابدين صلوات الله وسلامه عليه، وذلك أن سعيد بن أبي سعيد معدود في أصحابه عليه السلام كما في رجال الشيخ (ره) . (۷) الخلق هنا يراد منهم المخالفون لأهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام . [صفحة 493] وقال: سواء على من خالف هذا الأمر (1) صلى أو زنا) (). ٣١ - عن إمامنا صادق العترة الطاهرة صلوات الله عليه وعليها: (إن الناصب لنا أهل البيت لا يبالي صام أم صلّى، زنا أم سرق، إنه في النار، إنه في النار) . ٣٢ - (عن أبي بصير ليث المرادي، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: إن نوحاً عليه السلام حمل في السفينة الكلب والخنزير، ولم يحمل فيها ولد الزنا، والناصب شر من ولد الزنا)) . ۳ - (عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: مدمن الخمر كعابد الوثن، والناصب لآل محمد شر منه! قلتُ: جعلت فداك، ومن أشر من عابد الوثن؟! فقال: إن شارب الخمر تدركه الشفاعة يوماً ما (*)) وإن الناصب لو شفع فيه أهل السماوات والأرض لم يشفعوا)) . ٣٤ - (عن المعلى بن خنيس، قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام، يقول: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت؛ لأنك لا تجد أحداً يقول: أنا أبغض محمداً وآل محمد، ولكن الناصب: من نصب لكم، وهو يعلم (۱) هو التشيع الصادق لآل الرسول صلوات الله عليهم . عن (۲) البحار الشريف ج ۲۷ ص اح ٢٣٥ ح ... ٥٠ . (۳) عن البحار الشريف ج ۲۷ ص ٢٣٥ ج ٥١ . (4) عن عقاب الأعمال لشيخنا الصدوق (ره) ص ٢٥١ ٢٢ . (٥) وفي بعض النسخ: (يوم القيامة) . (1) عن عقاب الأعمال الشريف ص ٢٤٦ ج ١ باب عقاب الناصب والجاحد لأمير المؤمنين عليه [صفحة 494] أنكم تتولّونا، أو تتبرعون من أعدائنا) (1) . ٣٥ - (عن سليمان الأعمش، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: ياعلي، أنت أمير المؤمنين، وإمام المتقين، ياعلي أنت سيد الوصيين، ووارث علم النبيين، وخير الصديقين، وأفضل السابقين، يا علي أنت زوج سيدة نساء العالمين، وخليفة خير المرسلين، يا علي أنت مولى المؤمنين، والحجة بعدي على الناس أجمعين؛ إستوجب الجنة من تولاك، وإستوجب دخول النار من عاداك، يا علي والذي بعثني بالنبوة، وإصطفاني على جميع البرية: لو أن عبداً عبد الله ألف عام ما قبل ذلك منه إلا بولايتك، وولاية الأئمة من ولدك، وإن ولا يتك لا تقبل إلا بالبراءة من أعدائك، وأعداء الأئمة من ولدك . بذلك أخبرني جبرئيل عليه السلام! فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر)) . ٣٦ -) عن عبد الأعلى بن أعين، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس مجلساً ينتقص فيه إمام، أو يُعاب فيه مؤمن (۳)) (1) . ۳۷ - (عن عبيد بن زرارة، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (۱) عن معاني الأخبار الشريف ص ٣٦٥ - ١ باب معنى الناصب، وقد مر قريب منه في المعنى في الفصل الأول . (۲) عن البحار الشريف ج ٢٧ ص ٦٣ ج ٢٢. (۳) المؤمن هو الشيعي المخلص فقط الذي لا يجد لأي شيء من من دون آل الرسول صلوات الله عليهم من قيمة أبداً . [صفحة 495] من قعد في مجلس يُسب فيه إمام من الأئمة، يقدِرُ على الإنتصاب (۱)، فلم يفعل، البسه الله الذل في الدنيا، وعذبه في الآخرة، وسلبه صالح ما من به عليه من معرفتنا) (1) . ۳۸ - (عن إسحاق بن عمار، قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: للقائم غيبتان: أحداهما قصيرة والأخرى طويلة . الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه) . ۳۹ - (عن إبراهيم بن زياد، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: لو أن عدو علي جاء الفرات وهو يزخ زخيخاً (1) قد أشرف ماؤه على جنبتيه، فتناول منه شربة، وقال: بسم الله، وإذا شربها قال: الحمد لله . ما كان ذلك إلا ميتةً، أو دماً مسفوحاً، أو لحم خنزير) (3) . بيان: إنما كانت شربة الماء هذه مع التسمية والتحميد بمنزلة الميتة والدم المفسوح (1) الإنتصاب: إما هو بمعنى ترك المجلس أي ينتصب قائماً فيتركه ويذهب عنه، وإما هو بمعنى أن ينتصب للدفاع عنهم عليهم السلام ويظهر البراءة من أعدائهم عليهم لعنة الله، و إنما ينتصب في دفاعه أي يقوم ناهضاً حين كلامه ودفاعه للتعبير عن سخطه وغضبه . وجاء في بعض النسخ: (الإنتصاف، وفي نسخ أخرى: (الإنصراف،، والمعاني كلها متقاربة لأن مؤداها واحد: وهو إظهار البراءة والنفرة من أعداء آل محمد صلوات الله عليهم . (۲) عن الكافي الشريف ج ۲ ص ۳۷۹ ح ۱۵ . (۳) عن الكافي الشريف ج ١ ص ٣٤٠ - ١٩ . (4) يزخ زخيخاً: أي تتدافع أمواجه لكثرة مائه وزيادته . [صفحة 496] الحرام ولحم الخنزير، لأن الأرض وما عليها للإمام عليه السلام، وهو لم يأذن إلا لشيعته في التصرف فيها وما عليها، بحسب ما بين ذلك في مظانه من كتب الفقه والحديث . ٤٠ - ومن حديث جابر بن يزيد الجعفي (ره)، عن إمامنا زين العابدين وسيد الساجدين صلوات الله وسلامه عليه، حين يحدثه عن ركني المعرفة الحقة: (ياجابر، إثبات التوحيد، ومعرفة المعاني: أما إثبات التوحيد: معرفة الله القديم الغائب، الذي لا تدركه الأبصار وهو يُدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، وهو غيب باطن، ستدركه (۱) كما وصف به نفسه وأما المعاني: فنحن معانيه ومظاهره فيكم، إخترعنا من نور ذاته، ونحن إذا شئنا شاء الله، وإذا أردنا أراد الله، ونحن أحلنا الله عز وجل هذا المحل، وإصطفانا من بين عباده، وجعلنا حجته في بلاده، فمن أنكر شيئاً (1) ورده، فقد رد على الله جل إسمه، وكفر بآياته وأنبيائه ورسله) (۳) . وبهذا يا شقيقي في محبة مهدي آل محمد صلوات الله عليهم، تمت أحاديث بستاننا الزاهي المورق المثمر . ورجائي أن تكون قد طابت متعتك الولائية بهذه الأحاديث العذاب . وأبهج مسامعك بهذه الطريفة اللطيفة التي ذكرها شيخنا الكشي (ره) في رجاله عند حديثه عن مؤمن الطاق (ره)، إذ قال: (إنه دخل على أبي حنيفة يوماً، فقال له أبو حنيفة: بلغني عنكم (1) المراد: فإن إعتقدت بالله تعالى هكذا، فإنك ستدركه كما وصف به نفسه . (۲) أي من أنكر شيئاً مما قاله صلوات الله وسلامه عليه . [صفحة 497] معشر الشيعة شيء؟ فقال: فما هو؟ قال: بلغني أن الميت منكم إذا مات كسرتم يده اليسرى؛ لكي يُعطى كتابه بيمينه فقال: مكذوب علينا يا نعمان! ولكني بلغني عنكم معشر المرجئة أن الميت منكم إذا مات قمعتُم (1) في دبره قمعاً، فصببتم فيه جرة من ماء؛ لكي لا يعطش يوم القيامة فقال أبو حنيفة: مكذوب علينا وعليكم!!!)). (۱) قمعتم: أي وضعتم على فتحته قمعاً، والقمع هو الآلة التي توضع على فم الآنية فتصب فيها السوائل . [صفحة 498] الوقفة الثانية: نهاية المطاف أقف هنا في نهاية مطاف هذا الكتاب وقفة الإعتذار في الفناء المقدس المطهر لسيدتي فاطمة المعصومة بنت باب الحوائج صلوات الله عليه وعليها. و أقول بكل خجل: عذراً ... يابنت الأكرمين؛ فهديتي قاصرة، قاصرة، قاصرة . وأنتم إخوتي في حب مهدي آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين، التمسكم الدعاء لتعجيل فرج إمام زماننا عليه السلام أولاً، وقبول العذر عن تقصيري فيما كتبته وحبرته ثانياً . وأسأله تعالى بحق روحانية صاحب الأمر عليه السلام ونوارنيته، أن يوفقني الخدمة شيعة آل محمد صلوات الله عليهم المخلصين . وأن أكون وأهل أنسي ممن يشملهم دعاء إمام زماننا عليه السلام، حين يدعو في قنوته الشريف، فيقول: (يا من لا يخلف الميعاد، أنجزلي ما وعدتني، وأجمع لي أصحابي، وصبرهم، وانصرهم على أعدائك، وأعداء رسولك)) . وختاماً سيدتي يا معصومة آل محمد صلوات الله عليك، ولعن الله من صغر قدرك، هذا: عبيدكم الآيق الغربي وغاية منيته، وكل أمله، ومنتهى رجائه: القبول [صفحة 499] دَليلُ الموضوعات والأبحاث [صفحة 501] هديتي إستهلال تمهيد البحث ص ١٥ - ص ۲۹ الفائدة الأولى: لمحة عن موضوع الكتاب، وروايات الفتن في زمن الظهور الشريف ص ١٥ إنارة ص ۱۹ الفائدة الثانية: الحكمة البالغة في دراسة هذه الفتن وأسبابها ونتائجها ص ۲۰ الفائدة الثالثة: إنتظار الفرج ص ٢٦ الفصل الأول دراسة سريعة لأهم فتن عصر الظهور الشريف ص ۳۳ - ص ٣٥٧ مقدمة .......... ص ٣٥ ......... تنبيهات ص ٤٢ الفتنة الأولى مجيئه شاباً صلوات الله عليه حين الظهور الشريف ص ٤٣ - ص ٧٢ [صفحة 502] الوقفة الثانية ...... ص ٤٧ ..... الوقفة الثالثة ص ٤٩ ............. الوقفة الرابعة ۵۱ ص ............. الوقفة الأخيرة ص ٥٣ الفتنة الثانية أللات والعزى وهي أعظم الفتن كلها وأشدها ص ۷۳ - ص ۹۰ الوقفة الأولى ص ٧٥ الوقفة الثانية ص ۷۸ الوقفة الثالثة ص ۸۲ الوقفة الأخيرة ص ۸۷ الفتنة الثالثة، الرابعة، الخامسة، السادسة ص ۹۱ - ص ۱۲۰ الوقفة الأولى: الفتنة الثالثة: فتنة الطعام والشراب ص ۹۳ الوقفة الثانية: الفتنة الرابعة: فتنة نهر طالوت ص ۹۷ الوقفة الثالثة: الفتنة الخامسة: [صفحة 503] الوقفة الرابعة: الفتنة السادسة: فتنة المعترضين والخارجين عليه صلوات الله وسلامه عليه ... ص ۱۰۹ الوقفة الأخيرة ............ ص ۱۱۹ الفتنة السابعة كثرة القتل ص ۱۲۱ - ص ٢٣٤ دعاء شريف ص ۱۲۳ الوقفة الأولى: نظرة عامة ... ص ۱۲۵ الوقفة الثانية: الثأر الحسيني الشريف ص ١٣٤ فائدتان: الفائدة الأولى: في معنى قوله تعالى: ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا ... . ... ص ۱۳۸ الفائدة الثانية: (أين الطالب بدم المقتول بكربلاء) .. ص ١٤٣ الوقفة الثالثة: قتل النواصب والمرجئة لعنة الله عليهم جميعاً، وفيها مقدمة تشتمل على مقامين: المقام الأول: الناصب لعنة الله عليه في حديث أهل البيت .. ص ١٤٨ عليهم السلام . المقام الثاني: في تعريف المرجئة لعنة الله عليهم ........ ص ١٥١ الوقفة الرابعة: قتل النصاب وأهل الضلالة وأتباعهم ممن يدعي التشيع ويتلبس بلباسه لعنة الله عليهم جميعاً ............ ص ١٦٨ [صفحة 504] .. ص ۱۹۱ التبرية الوقفة الخامسة: أمره الشريف بقتل طائفة من جنده وعسكره ص ١٩٦ الوقفة الأخيرة: النظرة الأولى: نظرة سريعة فاحصة في روايات الفتنة السابعة المتقدمة الذكر ص ۲۰۲ النظرة الثانية: نظرة تأمل واعتبار ... ... ص ٢٠٦ ص ۲۱۰ النظرة الثالثة: الحسد، مرض العلماء القاتل مقاطع مقتطفة من بيان مهم لسيدنا الإمام الخميني (قده) وجهه إلى المراجع والعلماء والحوزات العلمية ص ٢٢٤ النظرة الرابعة: نظرة إجمالية سريعة في الفتنة السابعة وأسبابها ص ۲۲۸ الفتنة الثامنة التشريع والأحكام ص ٢٣٥ - ص ٣٢٥ الوقفة الأولى: هدم بيت الله الحرام، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، وسائر المساجد المهمة الأخرى ..... ص ۲۳۷ توضيحات: أولاً: هدم المسجد الحرام ص ٢٤١ ثانياً: هدم مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ..... ص ٢٤٤ [صفحة 505] المساجد المباركة في الكوفة ص ٢٤٧ المساجد الملعونة في الكوفة ص............... ختم المقال .. ص ٢٥٤ تذكرة ص ٢٥٩ الوقفة الثانية: الأموال والأراضي والممتلكات .......... ص ٢٦١ الوقفة الثالثة: القضاء المهدوي العادل الحق ............ ص ۲۷۷ الوقفة الرابعة: أحكام مهدوية جديدة، وتشريعات قائمية مستحدثة: ۱ - ليس لأحد من الناس حق في الإستتابة ............ ص ۲۸۱ ۲ - حكم النواصب لعنة الله عليهم .... ۲۸۲ ص ........... - طعام النواصب لعنة الله عليهم . ص ۲۸۲ - حكم المخالفين لأهل البيت عليهم السلام ............ ص ۲۸۳ ه - حكم الكفار لعنة الله عليهم .. .... ص ٢٨٤ ٦ - حكم من لم يتفقه من الشباب ص ٢٨٥ -٦ - حكم الذي يدور في قلبه ما يدور من نوايا وهواجس لا توافق ما يريده الإمام عليه السلام، ولو كان من أخص خواصه ص ۲۹۰ صلوات الله وسلامه عليه - حكم المساجد ذات السقوف، والمساجد المزينة بالتصاوير . ص ۲۹۱ - حكم الطواف في البيت العتيق وإستلام الحجر [صفحة 506] ۱۰ - حكم السير في الطرقات .. ص ۲۹۳ ۱۱ - وجوب الزهد وبذل أقصى غاية الجهد، وحرمة الإنغماس في اللذائذ الدنيوية على خواصه وعماله ومن ينوبون عنه في ص ۲۹۳ شؤون دولته المباركة صلوات الله وسلامه عليه ۱۲ - حرمة الرهن على المؤمن وهو الشيعي الإثنا عشري الخالص، وحرمة أخذ الربح عليه حين البيع ... ص ٢٩٦ وجوب مواساة المؤمن لأخيه المؤمن ... ص ۲۹۷ ۱۳ ١٤ - حكم وراثة المؤمن لأخيه المؤمن، وعدم توريث الإخوان النسبيين من الولادة إن لم يكونوا مؤمنين حقيقيين ...... ص ۲۹۸ ١٥ - حكم أمانات وودائع أعداء أهل البيت عليهم السلام والمخالفين لهم لعنة الله عليهم جميعاً ص ۲۹۹ ١٦ - حكم الزاني المحصن، وحكم مانع الزكاة، حيث يقتلان ص ۲۹۹ من دون بينة حاشية عن فضيلة أرض كربلاء المقدسة و شرافتها وكرامتها على الله سبحانه وتعالى ص ٣٠٤ - ص ٣١٤ الإشارة الأولى: كربلاء المقدسة أشرف من الكعبة المشرفة ص ٣٠٤ الإشارة الثانية: شيء من خصائص تربة كربلاء المقدسة ... ص ۳۰۸ ........ ص ۳۰۹ الإشارة الثالثة: روح القبلة وحقيقتها [صفحة 507] والأدب العرفاني ص ۳۱۱ الإشارة الخامسة: فتنة تغيير القبلة ........ ص ۳۱۳ الوقفة الأخيرة ... ص ۳۱۵ أ - أن إمامنا عليه أفضل الصلاة والسلام يهدم ما كان قبله ويبطله ص ۳۱۹ ب - وأنه صلوات الله وسلامه عليه يدعو إلى أمر جديد وسنة جديدة ص ۳۱۹ ج - وأنه عجل الله تعالى فرجه الشريف يخرج للناس المثال المستأنف الجديد ص ۳۲۱ حكمة بالغة وحجة دامغة ص ٣٢٥ الفتنة التاسعة، العاشرة، الحادية عشرة ص ٣٢٧ - ص ٣٤٦ الوقفة الأولى: الفتنة التاسعة: أن يكون الظهور الشريف من دون أن تحدث العلائم المعروفة المترقبة «المحتومة » .. ص ۳۲۹ الوقفة الثانية: الفتنة العاشرة: أن يكون أول خروج إمامنا عليه السلام من غير مكة المكرمة ........ ص ۳۳۳ الوقفة الثالثة: النتنة الحادية عشرة: [صفحة 508] بعد ظهوره لهم في مكة المكرمة، إبتلاءاً وتمحيصاً لثباتهم ....... ص ٣٣٦ ومدى إخلاصهم له صلوات الله عليه ............. الوقفة الأخيرة ......... ص ٣٤٠ الفتنة الثانية عشرة، الثالثة عشرة ص ٣٤٧ - ص ٣٥٧ الوقفة الأولى: الفتنة الثانية عشرة: ص ٣٤٩ الخوف الوقفة الثانية: الفتنة الثالثة عشرة: الدجال لعنة الله عليه ص ٣٥٢ الوقفة الأخيرة ...... ص ٣٥٥ الفصل الثاني دراسة موجزة في معنى الفتنة وأبعادها ص ٣٥٩ - ص ۳۸۸ الفائدة الأولى: في معنى الفتنة ... ص ٣٦١ ۱ - حكمة الإمتحان والإختبار والفتن ................. ص ٣٦٢ ۲ - جذور فتنة الضلالة .. ص ٣٦٢ أشد الفتنة والإمتحان والتمحيص ......... ص ٣٦٣ - إحذروا منهم حذراً شديداً ص ٣٦٣ [صفحة 509] الفائدة الثالثة: فتن عصر الغيبة الشريفة ............... ص ۳۷۱ أ - دوامة الفتن والتمحيص ص ۳۷۲ ب - الساقطون في الفتنة والفاشلون في التمحيص ...... ص ٣٧٤ ج - من أعظم الفتن في عصر الغيبة الشريفة الفائدة الرابعة: الأسباب الإجمالية للسقوط والفشل في الفتن والإمتحانات .. ص ۳۷۷ الفائدة الخامسة: شاطىء التسليم الآمن: إنه شاطىء النجاة ص ۳۸۱ الفائدة السادسة: عبرة واعتبار ... إن نفع الإعتبار ..... ص ۳۸۷ الفصل الثالث البراءة الحقة سر النجاح والفشل، والتوفيق والخذلان في جميع أنواع الفتن والإمتحانات ص ۳۸۹ - ص ٤٧٣ من حديث النور ص ۳۹۱ من حديث المعرفة . ص ۳۹۳ الثمرة الأولى: البراءة الحقة والولاية الصادقة هما حقيقة الدين الذي يدعو إمامنا عليه السلام الناس إليه حين ظهوره الشريف، ويؤاخذهم عليهما ص ٣٩٥ الثمرة الثانية: البراءة الحقة والولاية الصادقة هما السر الذي [صفحة 510] (أ) في عصر الغيبة الشريفة ص ٤٠٠ ص ٤٠١ (ب) في عصر الظهور الشريف الثمرة الثالثة: البراءة الحقة ومعناها الإجمالي ص ٤٠٥ الثمرة الرابعة: شعار البراءة الحقة الصادقة: لعن أعداء آل محمد صلوات الله عليهم: أ - في كتابنا العزيز الكريم وقرآننا العظيم ........ ص ٤٠٩ ب - وفي الأحاديث المعصومية الشريفة ................. ص ٤١٨ الثمرة الخامسة: مراتب البراءة الحقة: أولاً: البراءة العاطفية ص ٤٢٤ ............. ثانياً: البراءة العقائدية ....... ص ٤٢٧ ثالثاً: البراءة الفعلية والعملية ............ ص ٤٣٠ تنبيه في غاية الأهمية ومنتهى الضرورة ....... ص ٤٣٨ رابعاً: البراءة الفكرية والعلمية .. ص ٤٣٩ أحاديث شريفة يبين فيها أئمتنا عليهم السلام حقائق الأمور ص ٤٥٠ الشيعتهم ومحبيهم الثمرة السادسة: البراءة عقيدة حية .... ص ٤٥٩ مقاطع مقتطفة من بيان البراءة المهم لسيدنا الإمام الخميني .. ص ٤٦١ قدس سره الشريف الثمرة السابعة: تحذير وتنبيه من فتنة الدجال وأشباهه لعنة الله عليهم جميعاً: [صفحة 511] ب - ومن أتباعه: طلاب اللقمة الدسمة وعشاقها لعنة الله عليه وعليهم ..... ص ٤٦٦ ج - ومن أتباعه: محبو عثمان لعنة الله عليهم جميعاً .... ص ٤٦٦ د - ومن أتباعه لعنة الله عليه وعليهم: المبغضون لأهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام ص ٤٦٩ هـ ـ ومن أتباعه لعنة الله عليه وعليهم: من قاتل أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم جميعاً .... ص ٤٧٠ و - ومن الشيعة من هو أشد فتنة من الدجال لعنة الله عليه ....... ص ٤٧١ خاتمة الكتاب ص ٤٧٥ - ص ٤٩٨ الوقفة الأولى: بستان الأحاديث ص ٤٧٧ حديث (۱) و (۲) ص ٤٧٨ حديث (۳) و (٤) ص ٤٧٩ حديث (٥) و (٦) و (٧) ص ٤٨٠ )۱۰(حديث (۸) و (۹) و ص ٤٨١ حديث (۱۱) ص ٤٨٢ حديث (۱۲) و (۱۳) ص ٤٨٣ حديث (١٤) و (١٥) ص ٤٨٤ حديث (١٦) و (۱۷) ص ٤٨٥ [صفحة 512] ص ٤٨٨ حديث (۲۱) و (۲۲) ص ٤٨٩ حديث (۲۳) و (٢٤) .. ص ٤٩٠ حديث (۲۵) و (٢٦) .......... ص ٤٩١ حديث (۲۷) ...... ص ٤٩٢ )۳۰(حديث (۲۸) و (۲۹) و حديث (۳۱) و (۳۲) و (۳۳) و (٣٤) .............. ص ٤٩٣ حديث (۳۵) و (٣٦) و (۳۷) ............. ص ٤٩٤ .. ص ٤٩٥ حديث (۳۸) و (۳۹) ............ ص ٤٩٦ حديث (٤٠) ص ٤٩٨ الوقفة الثانية: نهاية المطاف إنتهى بعون الله سبحانه وتعالى، ولطف إمام زماننا الحجة بن الحسن العسكري عليهما أفضل الصلاة والسلام