تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الرابع والثلاثون 34 · صفحة 390 من 1189
صفحة
[صفحة 390]
و ميّز بينهما؟ و إنّما لا يمتنع إذا لم يعلمهما و حسبهما متساويين، فلا توجب الأصلح و الأحسن على اللّه سبحانه و توجبه على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).
و قد زعمت أنّ ترك الأحسن. و العمل بالحسن مما تكرّر منه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقد رويتم أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) عبس في وجه ابن أمّ مكتوم فعاتبه اللّه على ذلك، كما مرّ، و عندكم أنّه محمول على ترك الأفضل أو الصغيرة.
و [رويتم أيضا أنّه (صلّى اللّه عليه و آله)] حرّم مارية [القبطيّة] على نفسه، و عند أصحاب هذا القائل أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) أذنب و أنّ قوله تعالى: وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ إيماء على العفو عن هذه الزّلّة، و أنّ قوله تعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِ و أمره بالاستغفار في قوله: وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ (1) و ما روي أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يستغفر في اليوم و الليلة سبعين مرّة، محمول على الذّنب. أو على ترك الأفضل و الأولى.
و نظائر ذلك كثيرا، فما الذي كان باعثا على أنّ اللّه تعالى خالف عادته في ترك النكير عليه، و بهذا يعلم أنّ هذا العتاب و الإنكار ليس مبنيّا على ترك الأحسن، سواء أنشئ عن اجتهاد أو غيره.
و بما ذكرنا، يعلم جواب عن قولهم إنّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان مأمورا بالقتل و الأسر ضدّه و ليس لأحد أن يقول: إنّ الأمر تناول حال الحرب و ما بعده، و لو كان بغير اختيار النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فلا ريب في أنّ إبقاءهم بعد الحرب كان باختياره، و هو مناف للأمر بالقتل لأنّا نقول: الأمر بالقتل كان مقيّدا بحال المحاربة كما هو المتبادر من قوله [تعالى]: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
____________
(1) في الآية: (55) من سورة غافر: (40) «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ».
و في الآية: (19) من سورة محمّد: (47): «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ».