تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء العاشر 10 · صفحة 340 من 758
صفحة
[صفحة 192]
و اختلفوا في المزاج و الخلاص فزعم بعضهم أن النور داخل الظلمة و الظلمة تلقاه بخشونة و غلظ فتأذى بها و أحب أن يرققها و يلينها ثم يتخلص منها و ليس ذلك لاختلاف جسمها (1) و لكن كما أن المنشار جنسه حديد و صفيحته لينة و أسنانه خشنة فاللين في النور و الخشونة في الظلمة و هما جنس واحد فتلطف للنور بلينة حتى يدخل تلك الفرج (2) فما أمكنه إلا بتلك الخشونة فلا يتصور الوصول إلى كمال و وجود إلا بلين و خشونة.
و قال بعضهم بل الظلام احتال حتى تشبث بالنور من أسفل صفيحته فاجتهد النور حتى يتخلص منه و يدفعها عن نفسه فاعتمد عليه فلحج (3) فيه و ذلك بمنزلة الإنسان الذي يريد الخروج من حل وقع فيه فيعتمد على رجله ليخرج فيزداد ولوجا فيه (4) فاحتاج النور إلى زمان ليعالج التخلص منه و التفرد بعالمه.
و قال بعضهم إن النور إنما دخل الظلام اختيارا ليصلحها و يستخرج منها أجزاء صالحة لعالمه فلما دخل تشبث به زمانا فصار يفعل الجور و القبيح اضطرارا لا اختيارا و لو انفرد في عالمه ما كان يحصل منه إلا الخير المحض و الحسن البحت و فرق بين الفعل الضروري و بين الفعل الاختياري انتهى (5).
____________
و لا تمييز، و زعموا أن الشر يقع منه طباعا و خرقا، و زعموا أن النور جنس واحد، و كذلك الظلام جنس واحد، و أن إدراك النور إدراك متفق، و أن سمعه و بصره و سائر حواسه شيء واحد، فسمعه هو بصره، و بصره هو حواسه، و انما قيل: سميع بصير لاختلاف التركيب، لا لأنّهما في نفسيهما شيئان مختلفان. و زعموا أن اللون هو الطعم، و هو الرائحة و هو المجسة، و إنّما وجده لونا لان الظلمة خالطته ضربا من المخالطة، و وجده طعما لأنّها خالطته بخلاف ذلك الضرب، و كذلك تقول في لون الظلمة و طعمها و رائحتها و مجستها، و زعموا أن النور بياض كله (و أن الظلمة سواد كلها) لم يزل يلقى الظلمة بأسفل صفحته منه، و أن الظلمة لم تزل تلقاه بأعلى صفحته منها.
(1) في المصدر: و ليس ذلك لاختلاف جنسهما.
(2) في نسخة: حتى يدخل فيما بين تلك الفرج.
(3) لحج إليه: لجأ. لحج السيف: نشب في الغمد فلا يخرج. بالمكان: لزمه. و في نسخة:
فولج فيه. و في المصدر المطبوع بالقاهرة: فلجج فيه.
(4) و في المصدر المطبوع بالقاهرة: فيزداد لجوجا فيه.