تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الرابع والخمسون 54 · صفحة 31 من 585
صفحة
[صفحة 22]
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى أي خلق كل شيء فسوى خلقه بأن جعل له ما به يتأتى كماله و يتم معاشهوَ الَّذِي قَدَّرَ أي قدر أجناس الأشياء و أنواعها و أشخاصها و مقاديرها و صفاتها و أفعالها و آجالها فَهَدى فوجهه إلى أفعاله طبعا أو اختيارا بخلق الميول و الإلهامات و نصب الدلائل و إنزال الآيات.
تحقيق في دفع شبهة
اعلم أن بعض الملاحدة أوردوا تناقضا بين آيات سورتي البقرة و السجدة و بين آيات سورة النازعات حيث زعموا أن الأولة تدل على تقدم خلق الأرض على السماء و الأخيرة على العكس و أجيب عنه بوجوه.
أحدها أن خلق الأرض قبل السماء إلا أن دحوها متأخر عن خلق السماء و استشكل بوجهين الأول أن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية فإذا كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء كان خلقها لا محالة أيضا متأخرا عن خلق السماء. و الثاني أن الآية الأولى تدل على أن خلق الأرض و خلق كل ما فيها مقدم على خلق السماء و خلق الأشياء في الأرض لا يكون إلا بعد ما كانت مدحوة و أجيب عن الأول بأنا لا نسلم امتناع انفكاك خلق الأرض عن دحوها و المناقشة في إطلاق خلق الأرض على إيجادها غير مدحوة مناقشة لفظية و عن الثاني بأن قوله تعالى وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها يقتضي تقدم خلق السماء على دحو الأرض و لا يقتضي تقدم تسوية السماء على دحو الأرض فجاز أن تكون تسوية السماء متأخرة عن دحو الأرض فيكون خلق الأرض قبل السماء و خلق السماء قبل دحو الأرض و دحو الأرض قبل تسوية السماء فارتفع التنافي و يرد عليه أن الآية الثالثة تقتضي تقدم تسوية السماء على دحو الأرض و الثانية تقتضي تقدم خلق الأرض بما فيها على تسويتها سبع سماوات و خلق ما في الأرض قبل دحوها مستبعد و يمكن أن يجاب بأن المراد بالخلق في الأولى التقدير و هو شائع في العرف و اللغة أو بأن المراد بخلق ما في الأرض خلق موادها كما أن خلق