تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السادس والخمسون 56 · صفحة 321 من 458
صفحة
[صفحة 283]
بهذه الوجوه الأربعة تعذر الوقوف على طبائعها الفعالة و أما القوى المنفعلة فالوقوف التام عليها كالمتعذر لأن القبول التام لا يتحقق إلا مع شرائط مخصوصة في القابل من الكم و الكيف و الوضع و الأين و سائر المقولات و المواد السفلية غير ثابتة على حالة واحدة بل هي أبدا في الاستحالة و التغير و إن كان لا يظهر في الحس فقد ظهر بما قررنا أن الوقوف التام على أحوال القوى الفعالة السماوية و القوى الأرضية المنفعلة غير حاصل للبشر و لو حصل ذلك لأحد لوجب أن يكون ذلك الشخص عالما بجميع التفاصيل الحاصلة من الماضية و الآتية و أن يكون متمكنا من إحداث جميع الأمور التي لا نهاية لها.
ثم قالوا فهذه المباحث و الملامح (1) مما يوهن العقل عن التمكن من هذه الصناعة إلا أنه نعم ما قيل من أن ما لا يدرك كله لا يترك كله فالقوى البشرية و إن قصرت عن اكتناه هذه القوى العالية الفعالة و السافلة المنفعلة و لكن يمكنها الاطلاع على بعض أحوالها و إن كان ذلك القدر تافها حقيرا بالنسبة إلى ما في الوجود لكنه عظيم بالنسبة إلى قدرة الإنسان و قوته لأن الأحكاميين من أهل النجوم قد وقفوا بسبب التجارب المتطاولة قرنا بعد قرن على كثير من أحوال السبعة السيارة و كثير من الثوابت و عرفوا من أحوال البروج و الحدود و الوجوه و المثلثات ما يعظم الانتفاع بمعرفته لمن اطلع عليه و أحاط به و ليس يلزمنا أنه لما تعذر علينا تحصيل اليقين التام بها بواسطة البراهين المنطبقة أن يترك الانتفاع بها مع ما تشاهد من صحة قوانينها الكلية كما لا يلزم من عدم قيام الدلائل الطبيعية (2) على طبائع الأغذية و الأدوية البسيطة و المركبة أن لا ينتفع بها بل هذه الصناعة أولى بالرعاية من صناعة الطب و ذلك لأنهما بعد اشتراكهما في عدم البراهين المنطبقة على مطالبها امتازت هذه الصناعة عن صناعة الطب بوصف نافع و ذلك أن الدواء المتناول لو لم ينفع يحصل من تناوله ضرر عظيم و أما هذه الصناعة فلو لن تنفع لم تضر