تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السادس والخمسون 56 · صفحة 367 من 479
صفحة
[صفحة 309]
أنهم لما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم و أقبلوا على التمسك بما تتلوا الشياطين فكأنهم قد اشتروا ذلك السحر بكتاب الله و ثانيها أن الملكين إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك الاحتراز إلى منافع الآخرة فلما استعمل السحر فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا و ثالثها أنه لما استعمل السحر علمنا أنه إنما تحمل المشقة ليتمكن من ذلك الاستعمال فكأنه اشترى بالمحن التي تحملها قدرته على ذلك الاستعمال.
المسألة الثانية قال الأكثرون الخَلاق النصيب
قال القَفَّال يشبه أن يكون أصل الكلمة من الخلق معناه التقدير و منه خلق الأديم و منه يقال قدر الرجل كذا درهما رزقا على عمل كذا و قال الآخرون الخَلاق الخَلاص قال أُمَية (1) بن أبي صَلْت
يدعون بالويل فيها لا خلاق لهم* * * إلا سرابيل قَطران و أغلال.
بقي في الآية سؤال و هو أنه كيف أثبت لهم العلم أولا في قوله وَ لَقَدْ عَلِمُوا ثم نفاه عنهم في قوله لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ و الجواب من وجوه أحدها أن الذين علموا غير الذين لم يعلموا فالذين علموا هم الذين علموا السحر و دعوا الناس إلى تعلمه و هم الذين قال الله في حقهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ و أما الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر فهم الذين لا يعلمون و هذا جواب الأخفش و قطرب و ثانيها لو سلمنا أن القوم واحد و لكنهم علموا أشياء (2) و جهلوا أشياء أخر علموا أنه ليس لهم في الآخرة خلاق و لكنهم جهلوا مقدار ما فاتهم من منافع الآخرة و ما حصل لهم من مضارها و عقوباتها و ثالثها لو سلمنا أن القوم واحد و المعلوم واحد و لكنهم لم ينتفعوا بعلمهم بل أعرضوا عنه فصار ذلك العلم كالعدم كما سمى الله تعالى الكفار صما و بكما