تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السادس والخمسون 56 · صفحة 420 من 479
صفحة
[صفحة 351]
و بحيث تصير المنطقة دائرة مارة بالقطبين و أن لا يكون لها أوج و حضيض أصلا أو على هذا الوجه لبساطتها و تساوي أجزائها فلا بد لها من موجد قادر حكيم يوجدها على ما تستدعيه حكمته و تقتضيه مشيته متعاليا عن معارضة غيره إذ لو كان معه إله يقدر على ما يقدر عليه الآخر فإن توافقت إرادتهما فالفعل إن كان لهما لزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد و إن كان لأحدهما لزم ترجيح الفاعل بلا مرجح و عجز الآخر النافي لإلهيته و إن اختلفت لزم التمانع و التطارد كما أشار إليه بقوله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (1) انتهى.
و أقول قد مر في كتاب التوحيد بسط القول في الاستدلال بحدوث تلك الأشياء و إمكانها على افتقارها إلى صانع قديم واجب بذاته و اشتمالها على الحكم المتناهية على قدرته سبحانه و علمه و حكمته و لطفه و بانتظامها و تلازمها على وحدة صانعها فلا نعيد الكلام فيها وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً قال الرازي اختلف الناس فيه فقال الجبائي إنه تعالى ينزل الماء من السماء إلى السحاب و من السحاب إلى الأرض قال لأن ظاهر النص يقتضي نزول المطر من السماء و العدول عن الظاهر إلى التأويل إنما يحتاج إليه عند قيام الدليل على أن إجراء اللفظ على ظاهره غير ممكن و في هذا الموضع لم يقم دليل على امتناع نزول المطر من السماء فوجب إجراء اللفظ على ظاهره و أما قول من يقول إن البخارات الكثيرة تجتمع في باطن الأرض ثم تصعد و ترتفع إلى الهواء فينعقد الغيم منها و يتقاطر و ذلك هو المطر فقد احتج الجبائي على فساده بوجوه الأول أن البرد قد يوجد في وقت الحر بل في صميم الصيف و نجد المطر في أبرد وقت ينزل غير جامد و ذلك يبطل قولهم الثاني إن البخارات إذا ارتفعت و تصاعدت و تفرقت لم يتولد منها قطرات الماء الثالث لو كان تولد المطر من صعود البخارات فالبخارات دائمة الارتفاع من البحار فوجب أن يدوم هناك نزول المطر و حيث لم يكن الأمر كذلك علمنا