تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السابع والخمسون 57 · صفحة 211 من 519
صفحة
[صفحة 167]
هذا السجود إلى أنها في أنفسها ممكنة الوجود و العدم قابلة لهما لأنه لا يرجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح إذا عرفت هذا فنقول من الناس من قال المراد بالسجود المذكور في هذه الآية السجود بالمعنى الثاني و هو التواضع و الانقياد و الدليل عليه أن اللائق بالدابّة ليس إلا هذا السجود و منهم من قال المراد بالسجود هاهنا هو المعنى الأول لأن اللائق بالملائكة هو السجود بهذا المعنى لأن السجود بالمعنى الثاني حاصل في كل الحيوانات و النباتات و الجمادات و منهم من قال السجود لفظ مشترك بين المعنيين و حمل اللفظ المشترك لإفادة مجموع معنييه جائز فحمل لفظ السجود في هذه الآية على الأمرين معا أما في حق الدابة فبمعنى التواضع و أما في حق الملائكة فبمعنى سجود المسلمين لله تعالى و هذا القول ضعيف لأنه ثبت أن استعمال اللفظ المشترك لإفادة جميع مفهوماته معا غير جائز قوله مِنْ دابَّةٍ قال الأخفش يريد من الدوابّ و قال ابن عباس يريد كل ما دب على الأرض فإن قيل ما الوجه في تخصيص الدواب و الملائكة بالذكر قلنا فيه وجوه الأول أنه تعالى بين في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة لله تعالى لأن أخسها الدواب و أشرفها الملائكة فلما بين في أخسها و أشرفها كونها منقادة لله تعالى و بين بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة لله تعالى كان ذلك دليلا على أنها بأسرها منقادة خاضعة لله تعالى.
و الوجه الثاني قال حكماء الإسلام الدابة اشتقاقها من الدبيب و الدبيب عبارة عن الحركة الجسمانية فالدابة اسم لكل حيوان جسماني يتحرك و يدب فلما ميز الله الملائكة من الدابة علمنا أنها ليست مما يدب بل هي أرواح محضة مجردة و يمكن الجواب عنه بأن الطير بالجناح مغاير للدبيب (1) بدليل قوله تعالى وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ (2) انتهى (3).