تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السابع والخمسون 57 · صفحة 235 من 519
صفحة
[صفحة 188]
أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (1) و هو سبحانه جعل للأشياء منافع و تأثيرات و خواص أودعها فيها و تأثيراتها مشروطة بإذن الله تعالى و عدم تعلق إرادته القاهرة بخلافها كما أنه أجرى عادته بخلق الإنسان من اجتماع الذكر و الأنثى و تولد النطفة منهما و قرارها في رحم الأنثى و تدرجها علقة و مضغة و هكذا فإذا أراد غير ذلك فهو قادر على أن يخلق من غير أب كعيسى و من غير أم أيضا كآدم و حواء و كخفاش عيسى و طير إبراهيم و غير ذلك من المعجزات المتواترة عن الأنبياء في إحياء الموتى و جعل الإحراق في النار فلما أراد غير ذلك قال للنار كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ و جعل الثقيل يرسب في الماء و ينحدر من الهواء فأظهر قدرته بمشي كثير على الماء و رفعهم إلى السماء و جعل في طبع الماء الانحدار فأجرى حكمه عليه بأن تقف أمثال الجبال منه في الهواء حتى تعبر بنو إسرائيل من البحر و مع عدم القول بذلك لا يمكن تصديق شيء من
____________
(1) لا بأس بتذييل لهذا التتميم يجعل نفعه أعم و فائدته أتم، فنقول:
هناك أمور لا مجال للارتياب فيها لمن له قدم في العلوم الإلهيّة:
(الأول) كل ما سوى اللّه تعالى مخلوق له محتاج إليه في جميع شئونه الوجودية، سواء في ذلك الشئون العلمية و الارادية و غيرها.
(الثاني) ان اللّه تعالى غنى عن جميع ما سواه و لا يحتاج إلى غيره في شيء أصلا، و ليس لقدرته تعالى حدّ و نهاية، فهو القادر على كل أمر ممكن في ذاته و ليس لقدرته على شيء من الأشياء شرط و لا مانع، سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يَصِفُونَ.
(الثالث) كل ممكن في ذاته يستوى نسبته إلى الوجود و العدم، و لا بدّ في ترجح أحدهما من مرجح و هذا حكم ضرورى لا يكاد يشك فيه عاقل فضلا عن الإنكار اللّهمّ الا من لم يتصور طرفى القضية أو عرض له شبهة لم يستطع دفعها أو مكابر ينكر باللسان ما يعترف به قلبا. و هذا أساس جل براهين التوحيد بل المعارف الحقة.
(الرابع) طريق معرفة العلل و المرجحات- سوى ما يعرفه الإنسان وجدانا و بالضرورة اختبار ارتباط وجود شيء بشيء و كشف حدود ذاك الارتباط، و هذا من معرفة صنع اللّه تعالى و كشف مجارى مشيئته في خلقه، لا من باب كشف شرائط قدرته تعالى على الأشياء فتفطن. و من الواضح ان معرفة سبب ما لشيء لا تنفى سببية شيء آخر له و قد ثبت في محله ان هذا ليس.