تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثامن والخمسون 58 · صفحة 16 من 405
صفحة
[صفحة 14]
الإنسان جسم موجود خارج البدن فلا أعرف أحدا ذهب إلى ذلك أقول ثم ذكر حججا عقلية طويلة الذيل على إثبات النفس و مغايرتها للبدن.
منها أن النفس واحدة و متى كانت واحدة وجب أن تكون مغايرة لهذا البدن و لكل واحد من أجزائه أما كونها واحدة فتارة ادعى البداهة فيه و تارة استدل عليه بوجوه منها أنا إذا فرضنا جوهرين مستقلين يكون كل واحد منهما مستقلا بفعله الخاص امتنع أن يصير اشتغال أحدهما بفعله الخاص به مانعا لاشتغال الآخر بفعله الخاص به و إذا ثبت هذا فنقول لو كان محل الإدراك و الفكر جوهرا و محل الغضب جوهرا آخر و محل الشهوة جوهرا ثالثا وجب أن لا يكون اشتغال القوة الغضبية بفعلها مانعا للقوة الشهوانية من الاشتغال بفعلها و لا بالعكس لكن التالي باطل فإن اشتغال الإنسان بالشهوة و انصبابه إليها يمنعه من الاشتغال بالغضب و الانصباب إليه و بالعكس فعلمنا أن هذه الأمور الثلاثة ليست مبادئ مستقلة بل هي صفات مختلفة لجوهر واحد فلا جرم كان اشتغال ذلك الجوهر بأحد هذه الأفعال عائقا له عن الاشتغال بالفعل الآخر.
و منها أن حقيقة الحيوان أنه جسم ذو نفس حساسة متحركة بالإرادة فالنفس لا يمكنها أن تتحرك بالإرادة إلا عند حصول الداعي و لا معنى للداعي إلا الشعور بخير يرغب في جذبه أو بشر يرغب في دفعه و هذا يقتضي أن يكون المتحرك بالإرادة هو بعينه مدركا للخير و الشر و الملذ و الموذي و النافع و الضار فثبت بما ذكرنا أن النفس الإنسانية شيء واحد و ثبت أن ذلك الشيء هو المبصر و السامع و الشامّ و الذائق و اللامس و المتخيل و المتفكر و المتذكر و المشتهي و الغاضب و هو الموصوف بجميع الإدراكات لكل المدركات و هو الموصوف بجميع الأفعال الاختيارية و الحركات الإرادية.
ثم قال و أما المقدمة الثانية فهي في بيان أنه لما كانت النفس شيئا واحدا وجب أن لا يكون النفس هذا البدن و لا شيئا من أجزائه و أما امتناع كونها جملة هذا البدن فتقريره أنا نعلم بالضرورة أن القوة الباصرة غير سارية في كل البدن