تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثامن والخمسون 58 · صفحة 20 من 405
صفحة
[صفحة 18]
أثرها في النفس فهو تأثيرها في إخراج النفس عن القوة إلى الفعل في التعقلات و الإدراكات و كلما كانت الأفكار أكثر كان حصول هذه الأحوال أكمل و ذلك غاية كمالها و نهاية شرفها و جلالتها و أما أثرها في البدن فهو أنها توجب استيلاء اليبس على البدن و استيلاء الذبول عليه و هذه الحالة لو استمرت لانتهت إلى الماليخوليا و موت البدن (1) فثبت بما ذكرنا أن هذه الأفكار توجب حياة النفس و شرفها و توجب نقصان البدن و موته فلو كانت النفس هي البدن لصار الشيء الواحد بالنسبة إلى الشيء الواحد سببا لكماله و نقصانه معا و لحياته و موته معا و إنه محال.
و الثالث أنا شاهدنا أنه ربما كان بدن الإنسان ضعيفا نحيفا فإذا لاح نور من الأنوار القدسية و تجلى له سر من أسرار عالم الغيب حصل لذلك الإنسان جرأة عظيمة و سلطنة قوية و لم يعبأ بحضور أكبر السلاطين و لم يقم له وزنا و لو لا أن النفس شيء سوى البدن و النفس إنما تحيا و تبقى بغير ما به يقوى البدن و يحيا لما كان الأمر كذلك.
و الرابع أن أصحاب الرياضات و المجاهدات كلما أمعنوا في قهر القوى البدنية و تجويع الجسد قويت قواهم الروحانية و أشرقت أسرارهم بالمعارف الإلهية و كلما أمعن الإنسان في الأكل و الشرب و قضاء الشهوات الجسدانية صار كالبهيمة و بقي محروما عن آثار النظر و العقل و الفهم و المعرفة (2) و لو لا أن النفس غير البدن لما كان الأمر كذلك.
و الخامس أنا نرى النفس تفعل أفاعيلها بآلات بدنية فإنها تبصر بالعين و تسمع بالأذن و تأخذ باليد و تمشي بالرجل أما إذا آل الأمر إلى التعقل و الإدراك فإنها مستقلة بذاتها في هذا الفعل من غير إعانة شيء من الآلات و لذلك فإن الإنسان يمكنه أن لا يبصر شيئا إذا غمض عينه و أن لا يسمع شيئا إذا سد أذنيه و لا يمكنه البتة أن يزيل عن قلبه العلم بما كان عالما به فعلمنا أن النفس