بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثامن والخمسون 58 · صفحة 21 من 405

صفحة
[صفحة 19]

غنية بذاتها في العلوم و المعارف عن شي‏ء من الآلات البدنية فهذه الوجوه أمارات قوية في أن النفس ليست بجسم.


ثم ذكر في إثبات أن النفس ليست بجسم وجوها من الدلائل السمعية الأول قوله تعالى‏ وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ‏ (1) و معلوم أن أحدا من العقلاء لا ينسى هذا الهيكل المشاهد فدل ذلك على أن النفس التي ينساها الإنسان عند فرط الجهل شي‏ء آخر غير هذا البدن.


الثاني قوله تعالى‏ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ‏ و هذا صريح في أن النفس غير هذا الجسد.


الثالث أنه تعالى ذكر مراتب الخلقة الجسمانية فقال‏ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ‏ إلى قوله‏ فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً و لا شك أن جميع هذه المراتب اختلافات واقعة في الأحوال الجسمانية ثم إنه تعالى لما أراد أن يذكر نفخ الروح قال‏ ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ و هذا تصريح بأن ما يتعلق بالروح جنس مغاير لما سبق ذكره من التغيرات الواقعة في الأحوال الجسمانية و ذلك يدل على أن الروح شي‏ء مغاير للبدن.


فإن قالوا هذه الآية حجة عليكم لأنه تعالى قال‏ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ‏ و كلمة من للتبعيض و هذا يدل على أن الإنسان بعض من أبعاض الطين قلنا كلمة من أصلها لابتداء الغاية كقولك خرجت من البصرة إلى الكوفة فقوله تعالى‏ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ‏ يقتضي أن يكون ابتداء تخليق الإنسان حاصلا من هذه السلالة و نحن نقول بموجبه لأنه تعالى يسوي المزاج أولا ثم ينفخ فيه الروح فيكون ابتداء تخليقه من سلالة.


الرابع قوله‏ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي‏ ميز تعالى بين التسوية و بين نفخ الروح فالتسوية عبارة عن تخليق الأبعاض و الأعضاء ثم أضاف الروح إلى نفسه بقوله‏ مِنْ رُوحِي‏ دل ذلك على أن جوهر الروح شي‏ء مغاير لجوهر الجسد.


____________


(1) الحشر: 19.

التالي ص 21/405 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...