تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثامن والخمسون 58 · صفحة 235 من 405
صفحة
[صفحة 207]
و إن كانت النفس سفلية متعلقة بالدنيا منهمكة في الشهوات حريصة على المخالفات مستعملة للمتخيلة في التخيلات الفاسدة و غير ذلك مما يوجب الظلمة و ازدياد الحجب أو سوء مزاج الدماغ فلا تتصل بالجواهر الروحانية بمجرد ذلك فتفعل باختراعها بقوتها المتخيلة في مملكتها و عالمها الباطني صورا و أشخاصا جسمانية بعضها مطابقة لما يوجد في الخارج و بعضها خرافات لا أصل لها في شيء من العوالم بل هو من دعابات المتخيلة و اضطراباتها التي لا تفتر عنها في أكثر الأحوال ثم انتقلت منها و حاكتها بأمور أخرى في النوم فبقيت مشغولة بمحاكاتها كما تبقى مشغولة بالحواس في اليقظة و خصوصا إذا كانت ضعيفة منفعلة عن آثار القوى و هي أضغاث الأحلام و لمحاكاتها أسباب من أحوال البدن و مزاجه فإن غلبت على مزاجه الصفراء حاكاها بالأشياء الصفر و إن كان فيه الحرارة حاكاها بالنار و الحمام الحار و إن غلبت البرودة حاكاها بالثلج و الشتاء و نظائرهما و إن غلبت السوداء حاكاها بالأشياء السود و الأمور الهائلة قال بعض العلماء و إنما حصلت صورة النار مثلا في التخيل عند غلبة الحرارة لأن الحرارة التي في موضع تتعدى إلى المجاور لها كما يتعدى نور الشمس إلى الأجسام بمعنى أنه سيكون سببا لحدوثه إذ خلقت الأشياء موجودة وجودا فائضا بأمثاله على غيره و القوة المتخيلة منطبعة في الجسم الحار فيتأثر به تأثرا يليق بطبعها لأن كل شيء قابل يتأثر من شيء فإنما يتأثر منه بشيء يناسب جوهر هذا القابل و طبعه فالمتخيلة ليست بجسم حتى تقبل نفس الحرارة فتقبل من الحرارة ما في طبعها القبول و هو صورة الحار فهذا هو السبب فيه.
ثم قال و الاتصال بالجواهر الروحانية كما يكون في المنام فكذلك قد يكون في اليقظة أيضا كما أن الاختراعات الخيالية تكون في الحالتين و ذلك لأن رفع الحجاب بين مرآة النفس و ذلك العالم كما يكون في المنام فكذلك قد يكون بأسباب أخر مثل صفاء النفس بسبب أصل الفطرة و مثل انزعاج النفس و انزجارها عن هذا العالم بسبب ما يكدرها و ينقص (1) عيشها الدنياوي من المؤلمات و المنفرات فيتوجه