تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الستون 60 · صفحة 197 من 437
صفحة
[صفحة 160]
الناس لضرب من الامتحان (1).
و قال الرازي في قوله تعالى وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ في كيفية هذا التزيين وجهان.
الأول أن الشيطان زين بوسوسته من غير أن يتحول في صورة إنسان و هو قول الحسن و الأصم.
الثاني أنه ظهر في صورة إنسان قالوا إن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر خافوا من بني بكر بن كنانة لأنهم كانوا قتلوا منهم واحدا فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم فتصور لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك بن جعشم من بني بكر بن كنانة و كان من أشرافهم في جند من الشياطين و معه راية وَ قالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ و إني مجيركم من بني كنانة و لما رأى إبليس الملائكة تنزل نكص (2).
و قيل كانت يده في يد الحارث بن هشام فلما نكص قال له الحارث أ تخذلنا في هذه الحال فقال إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ و دفع في صدر الحارث و انهزموا و في هذه القصة سؤالات.
الأول ما الفائدة في تغيير صورة إبليس إلى صورة سراقة.
و الجواب فيه معجزة عظيمة للرسول و ذلك لأن كفار قريش لما رجعوا إلى مكة قالوا هزم الناس سراقة فقال (3) ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فعند ذلك تبين للقوم أن ذلك الشخص ما كان سراقة بل كان شيطانا.
الثاني أنه تعالى لما غير صورته إلى صورة البشر فما بقي شيطانا بل صار بشرا.
و الجواب لا نسلم فإن الإنسان إنما كان إنسانا بجوهر نفسه الناطقة و نفوس الشياطين مخالفة لنفوس البشر فلم يلزم من تغيير الصورة تغيير الحقيقة و هذا الباب أحد الدلائل السمعية على أن الإنسان ليس إنسانا بحسب بنيته الظاهرة و صورته
____________
(1) مجمع البيان 4: 549 و 550.
(2) في المصدر: فلما رأى إبليس نزول الملائكة نكص على عقيبه.