تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الحادي والستون 61 · صفحة 123 من 658
صفحة
[صفحة 90]
منها بل يبقى بينها فضاء فأما الشكل المستجمع لكلتا المنفعتين فليس إلا المسدس و ذلك لأن زواياها واسعة فلا يبقى شيء من الجوانب فيه معطلا و إذا ضمت المسدسات بعضها إلى بعض لم يبق فيما بينها فرجة ضائعة فإذا ثبت أن الشكل الموصوف بهاتين الصفتين هذا المسدس لا جرم اختار النحل بناء بيوتها على هذا الشكل و لو لا أنه تعالى أعطاها من الإلهام و الذكاء لما حصل هذا الأمر و فيه أعجوبة ثانية و هي أن البشر لا يقدر على بناء البيت المسدس إلا بالمسطر و البركار و النحل يبني تلك البيوت من غير حاجة إلى شيء من الآلات و الأدوات. و اعلم أن عجائب أحوال النحل في رئاسته و في تدبيره لأحوال الرعية و في كيفية خدمة الرعية لذلك الرئيس كثيرة مذكورة في كتاب الحيوان.
الثالث أن النمل يسعى في إعداد الذخيرة لنفسها و ما ذاك إلا لعلمها بأنها قد تحتاج في الأزمنة المستقبلة إلى الغذاء و لا تكون قادرة على تحصيله في تلك الأوقات فوجب السعي في تحصيله في هذا الوقت الذي حصلت فيه القدرة على تحصيل الذخيرة و من عجائب أحوالها أمور ثلاثة أحدها أنها إذا أحست بنداوة المكان فإنها تشق الحبة بنصفين لعلمها بأن الحبة لو بقيت سالمة و وصلت النداوة إليها لنبت منها و تفسد الحبة على النملة أما إذا صارت مشقوقة بنصفين لم تنبت و ثانيها إذا وصلت النداوة إلى تلك الأشياء ثم طلعت الشمس فإنها تخرج تلك الأشياء من جحرها و تضعها حتى تجف و ثالثها أن النملة إذا أخذت في نقل متاعها إلى داخل الجحر أنذر ذلك بنزول الأمطار و هبوب الرياح و هذه الأحوال تدل على حصول ذكاء عظيم لهذا الحيوان الصغير.
الرابع أن العنكبوت تبني بيوتها على وجه عجيب و ذلك لأنها ما نسجت الشبكة التي هي مصيدتها إلا بعد أن تفكرت أنه كيف ينبغي وضعها حتى يصلح لاصطياد الذباب بها و هذه الأفعال فكرية ليست أقل من الأفكار الإنسانية.
الخامس أن الجمل و الحمار إذا سلكا طريقا في الليلة الظلماء ففي المرة الثانية يقدر على سلوك ذلك الطريق من غير إرشاد مرشد و لا تعليم معلم حتى أن