تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الحادي والستون 61 · صفحة 128 من 658
صفحة
[صفحة 95]
و أقول رأيت في بعض الكتب أن في بعض الأوقات اشتد القحط و عظم حر الصيف و الناس خرجوا إلى الاستسقاء فلما أبلحوا (1) قال خرجت إلى بعض الجبال فرأيت ظبية جاءت إلى موضع كان في الماضي من الزمان مملوا من الماء و لعل تلك الظبية كانت تشرب منه فلما وصلت الظبية إليه ما وجدت فيه شيئا من الماء و كان أثر العطش الشديد ظاهرا على تلك الظبية فوقفت و حركت رأسها إلى جانب السماء فأطبق الغيم و جاء الغيث الكثير.
ثم إن أنصار هذا القول قالوا لما بينا بالدليل أن هذه الحيوانات تهدي إلى الحيل اللطيفة فأي استبعاد في أن يقال إنها تعرف أن لها ربا و مدبرا و خالقا و هذا تمام القول في دلائل هذه الطائفة.
و احتج المنكرون لكونها عاقلة عارفة بأن قالوا لو كانت عاقلة لوجب أن تكون آثار العقل ظاهرة في حقها لأن حصول العقل لها مع أنه لا يمكنها الانتفاع البتة بذلك العقل عبث و ذلك لا يليق بالفاعل الحكيم إلا أن آثار العقل غير ظاهرة فيها لأنها لا تحترز عن الأفعال القبيحة و لا تميز بين ما ينفعها و بين ما يضرها فوجب القطع بأنها غير عاقلة.
و لمجيب أن يجيب فيقول إن درجات العلوم و المعارف كثيرة و اختلاف النفوس في ماهيتها محتمل فلعل خصوصية نفس كل واحد منها لا تقتضي إلا النوع المعين من العقل و إلا القسم المخصوص من المعرفة فإن كان المراد بالعقل جميع العلوم الحاصلة للإنسان فحق أنها ليست عاقلة و إن كان المراد بالعقل معرفة نوع من هذه الأنواع فظاهر أنها موصوفة بهذه المعرفة و بالجملة فالحكم عليها بالثبوت و العدم حكم على الغيب و لا يعلم الغيب إلا الله و ليكن هاهنا آخر كلامنا في النفوس الحيوانية و الله أعلم انتهى كلامه.
____________
(1) في النسخة المطبوعة: «فلما افلحوا» و لعلّ كلاهما مصحفان و الصحيح: «فلما بلحوا» أي اعيوا و عجزوا يقال: بلح و بلح على اي لم اجد عنده شيئا، أو الصحيح: