تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الرابع والستون 64 · صفحة 336 من 819
صفحة
[صفحة 158]
و أقول مثله كثير في القرآن و الغرض رفع ما يسبق إلى الأوهام العامية أن الكثرة دليل الحقية و القلة دليل البطلان و لذا يميل أكثر الناس إلى السواد الأعظم مع أن في أعصار جميع الأنبياء كان أعداؤهم أضعاف أضعاف أتباعهم و أوليائهم و قد ذم الكثير و مدح القليل الرب الجليل في التنزيل و الله يهدي إلى سواء السبيل.
بيان لما كانت العادة جارية بأن يستوحش الناس من الوحدة و قلة الرفيق في الطريق لا سيما إذا كان طويلا صعبا غير مأنوس فنهى عن الاستيحاش في تلك الطريق و كنى به عما عساه يعرض لبعضهم من الوسوسة بأنهم ليسوا على الحق لقلتهم و كثرة مخالفيهم كما أشرنا إليه.
و أيضا قلة العدد في الطرق الحسية مظنة الهلاك و السلامة مع الكثرة فنبههم(ع)على أنهم في طريق الهدى و السلامة و إن كانوا قليلين و لا يجوز مقايسة طرق الآخرة بطرق الدنيا.
ثم نبه على علة قلة أهل طريق أهل الهدى و هي اجتماع الناس على الدنيا فقال فإن الناس و استعار للدنيا المائدة لكونهما مجتمع اللذات و كنى عن قصر مدتها بقصر شبعها و عن استعقاب الانهماك فيها للعذاب الطويل في الآخرة بطول جوعها.
قيل و لفظ الجوع مستعار للحاجة الطويلة بعد الموت إلى المطاعم الحقيقية الباقية من الكمالات النفسانية و هو بسبب الغفلة في الدنيا فلذلك نسب الجوع إليها.