تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الرابع والستون 64 · صفحة 362 من 424
صفحة
[صفحة 335]
و الجنون و تارة إلى الكفر و الخروج عن الدين و قوله و لقد خالطهم أمر عظيم هو اشتغال أسرارهم بملاحظة جلال الله و مطالعة أنوار الملإ الأعلى.
الثانية و العشرون كونهم لا يرضون من أعمالهم القليل إلى قوله الكبير و ذلك لتصورهم شرف غايتهم المقصودة بأعمالهم و قوله فهم لأنفسهم متهمون إلى قوله ما لا يعلمون فتهمتهم لأنفسهم و خوفهم من أعمالهم يعود إلى شكهم فيما يحكم به أوهامهم من حسن عبادتهم و كونها مقبولة أو واقعة على الوجه المطلوب الموصل إلى الله تعالى فإن هذا الوهم يكون مبدأ للعجب بالعبادة و التقاصر عن الازدياد عن العمل و التشكك في ذلك و تهمة النفس بانقيادها في ذلك الحكم للنفس الأمارة يستلزم خوفها أن يكون تلك الأعمال قاصرة عن الوجه المطلوب و غير واقعة عليه و ذلك باعث على العمل و كاسر للعجب به و قد عرفت أن العجب من المهلكات
. و كذلك خوفهم من تزكية الناس لهم هو الدواء لما ينشأ من تلك التزكية من الكبر و العجب بما يزكون به فيكون جواب أحدهم عند تزكيته أني أعلم بنفسي من غيري إلى آخره.
ثم شرع(ع)بعد ذلك في علاماتهم التي بجملتها يعرف أحدهم و الصفات السابقة و إن كان كثير منها مما يخص أحدهم و يعرف به إلا أن بعضها قد يدخله الرياء فلا يدل على التقوى الحقة فجمعها هاهنا و نسقها.
فالأولى القوة في الدين و ذلك أن يقاوم في دينه الوسواس الخناس و لا يدخل فيه خداع الناس و هذا إنما يكون في الدين العالم.
الثانية الحزم في الأمور الدنيوية و الدينية و التثبت فيها ممزوجا باللين للخلق و عدم الفضاضة عليهم كما في المثل لا تكن حلوا فتسترط و لا مرا فتلفظ (1)
____________
(1) ذكره الجوهريّ في «سرط» (الصحاح ص 1130) و لفظه: لا تكن حلوا فتسترط و لا مرا فتعقى» و تعقى بمعنى تلفظ من قولهم: أعقيت الشيء: إذا أزلته من فيك لمرارته كما يقال: أشكيت الرجل: إذا أزلته عما يشكوه.
و هكذا ذكره الميداني في مجمع الامثال تحت الرقم 3604 ج 2 ص 232: و قال:
الاستراط: الابتلاع، و الاعقاء: أن تشتد مرارة الشيء حتّى يلفظ لمرارته و بعضهم يروى «فتعقى» بوزن فتسترط و الصواب كسر القاف: يقال: أعقى الشيء، و المعنى لا تتجاوز الحد في المرارة فترمى، و لا في الحلاء فتبلع، أي كن متوسطا.